نجم «الجزيرة»… و«كبش» هرمز… وجمهور الكرة يبحث عن الفرجة التلفزيونية!


أحمد طه من الصحافيين العرب القلائل الذين يخلقون الاستثناء والتميز، لكفاءته المهنية وثقافته الواسعة ومواكبته الدقيقة للأحداث السياسية العالمية. وقبل هذا وذاك، لحرصه على المزاوجة الخلاّقة بين الموضوعية والحياد المطلوبين في العمل الإعلامي، وبين تجسيد انتمائه القومي والإنساني. إنه لا يريد الوصول بالمُشاهدين إلى الحقيقة فقط، بل يَنشُدُ معهم الحقَّ كسَندٍ قويّ، خاصةً حين يتّصل الموضوع بقضية نبيلة مثل القضية الفلسطينية.
ومن ثمّ، يُعطي صحافي «الجزيرة» أحمد طه، باستمرار، الدليل الملموس على كونه متمكنًا من إدارة دفّة الحوارات التلفزيونية، وقادرًا على إفحام ضيوفه، لا سيما إذا كانوا مسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية أو من إسرائيل، ومُناصِرين للأطروحة الصهـيونية الباطلة؛ إذ يُمطرهم بأسئلة ذكية ومُقنعة في الوقت نفسه، تُبرز تفكّك خطابهم وتناقضَ أفكارهم وتعارضها مع القيم الإنسانية والقوانين الدولية والمواثيق الحقوقية.
كلُّ ذلك بابتسامة خفيفة، وبرباطة جأش، وببديهة لافتة وقدرة على الارتجال وحسن الالتقاط وتقديم الحجج والبراهين، لكن دون السقوط في الصراخ والزعيق، كما يفعل بعض أصحاب البرامج الحوارية الأخرى.
وبذلك، لم تعد حوارات أحمد طه مقتصرةً على مساحات البثّ في قناة «الجزيرة»، وإنّما تعدّتها إلى أن تصير فقرات متداولة بكثرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ومن هنا، يمكن القول إن هذا الصحافي المصري أنموذجٌ لما يمكن تسميته بـ «الذكاء الإعلامي البشري» (في مقابل الموضة السائدة هذه الأيام: الذكاء الاصطناعي)، فما أحوجنا لأن يكون لدينا العشرات، بل المئات من الإعلاميين أمثاله في تلفزيوناتنا العربية. صحيح، قد يكونون موجودين، ولكنهم لم يجدوا بعدُ البيئة المناسبة والفضاء الملائم لتفجير طاقاتهم الكامنة، بكل جدارة ومهنية وحرية، مثلما هو الحال بالنسبة لشبكة «الجزيرة» الإعلامية التي غدت اليوم مدرسة مميزة في السلطة الرابعة بالوطن العربي.

الخصم والحكم!

صحيفة «هسبريس» الإلكترونية نشرت أخيرًا «كاريكاتير» يبدو فيه مواطن مغربي يجرّ كبشًا كأضحية لعيد الأضحى، ويقول: «هذا العام سيكون الخروف غالي الثمن.. بسبب الحرب في إيران»، فيردّ عليه الكبش الذي يظهر مُبتلاً: «لأنني جئتُ سباحةً من مضيق هرمز»!
هذا الرسم الساخر يلخّص المبررات التي يردّدها الماسكون بزمام الاقتصاد والتجارة في المغرب، ومعهم كذلك تجّار السياسة، إذ يُرجعون سبب الزيادات في أثمان المواد الاستهلاكية إلى أيّ ظرف حاصل، سواء كان جفافًا أم تساقطات مطرية، أو كان حالة سلم وطمأنينة، أم ظروف صراع وحرب في منطقة ما من العالم.
حين فوجئ المواطنون المغاربة، مع بداية الأسبوع الحالي، بزيادات صاروخية في أسعار الوقود، بمبرر تداعيات إغلاق مضيق «هرمز» في وجه تدفقات النفط العالمية، سارعت الحكومة إلى الإعلان عن تقديم دعم مالي لمهنيي قطاع النقل والمواصلات، وقالت إن الهدف من ذلك هو «التخفيف من آثار ارتفاع أسعار المحروقات في السوق الداخلي بفعل التصاعد المستمر للأسعار دوليًا، وذلك بهدف الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان تموين الأسواق بشكل اعتيادي ومنتظم، واستمرار سلاسل الإمداد واللوجستيك. علاوة على تأمين تنقّل المواطنين واستمرارية خدمات النقل» (المواصلات).
«كلام جميل كلام معقول ما قدرش أقول حاجة عنه» على حد تعبير الأغنية الشهيرة! لكن الحكومة الموقرة لا تجيب على أسئلة المواطنين المشروعة، من بينها:
أولاً: لماذا لا تنخفض أسعار الوقود مباشرة بعد انخفاض سعر البترول عالميا؟ وفي المقابل، تلجأ الشركات بسرعة إلى رفع الأسعار تحت مبرر أي أزمة عالمية؟ في الحالة الأولى يتكئ أصحاب التبريرات على ذريعة وجود مخزون كبير من النفط في السوق المحلية اقتُني بسعر مرتفع ويبقى كافيا لثلاثة شهور. فلماذا لا يُعتمد المبرّر عينُه ويتمّ الحفاظ على السعر نفسه لبضعة أشهر، إذا ارتفع سعر البرميل، لوجود مخزون اقتُني سابقا بسعر أقل؟
ثانيًا: لماذا لا تنخفض أثمان المواد الاستهلاكية عادةً، رغم الدعم المالي الذي تمنحه الحكومة للمُنتجين والفاعلين في المجالات المعنية، سواء كانت منتجات حيوانية، أم خُضارًا وفواكهَ وحبوبًا وغيرها؟
ثالثًا: أليس رئيس الحكومة المغربية ذاته من أكبر الفاعلين في بيع وتوزيع الوقود؟ وبالتالي، يُفترض فيه، من موقعه الحكومي والاقتصادي معًا، أن يعطي المثال بنفسه أولاً في الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين وحمايتهم من كل الزيادات التي تقهرهم باستمرار.
وعلى سبيل الطرافة، نشرت بعض المواقع صورة مُركّبة تمثّل اجتماعًا بين شخصين، هما في الواقع شخصٌ واحد، خصمٌ وحكم، أي عزيز أخنوش، وتحت الصورة التعليق التالي: «الحكومة تطلب من شركات المحروقات حماية قدرة المواطنين الشرائية وعدم استغلال الحرب في الخليج لرفع الأسعار»!
يقول المَثل المغربي: «كثرة الهمّ كتضحك» (تُضْحِك)، ونضيف إليه قول المتنبي: «ولكنه ضحك كالبكاء»!

مائدة الإفطار التلفزيونية!

التلفزيون جزءٌ من مائدة الإفطار الرمضانية في المغرب، وربما أيضًا في غيره من البلدان الإسلامية. وكلما كانت البرامج التلفزيونية مُغرية بالمشاهدة، تحققت معها المتعة والفائدة والجاذبية. فمع ارتشاف شاي أو قهوة أو شوربة، لا تغفل العين اقتناص مشهد تلفزيوني ما. وبالتالي، لا غرو أن تدلي هيئات المستهلك بدلوها في الموضوع، ما دامت المشاهدة التلفزيونية ضربًا من ضروب الاستهلاك، وما دامت العملية تتعلّق بمُنتِج وبمُستهلِك وبمادة مُنْتَجَة، تمامًا مثل العلاقة التواصلية القائمة على مُرسِل ومُتلقٍ ورسالة.
هكذا إذًا، لم تتردّد «الجامعة المغربية لحقوق المستهلك»، كهيئة مدنية، في التعبير عن رأيها في ما قُدّم على التلفزيون المغربي خلال رمضان الحالي، فكان بيانها مليئًا بعبارات الاستياء، بما أنّ الأمر يتعلق بـ «تراجع» مستوى عدد من الأعمال الدرامية التلفزيونية، إذ تفتقر إلى الجودة، وتعتمد على تكرار القصص والقوالب الدرامية والكوميدية نفسها، دون تقديم مضامين جديدة أو قيمة مضافة للمُشاهد المغربي.
فترة الإفطار في رمضان تشهد عادةً نِسبَ مشاهدة تلفزيونية مرتفعة، لكنها عوض أن تكون مُناسَبة للارتقاء بجودة الإنتاجات، وجعلها تعكس قضايا المجتمع، وتُقدّم محتوى هادفًا يحترم ذكاء المُشاهد، فإنّ كل همّ شركات الإنتاج هو الإثارة السطحية والتكرار النمطي للأفكار وتمطيط الصيغ ذاتها التي تتكرر كل موسم؛ والاستنتاج لـ»جامعة حقوق المستهلك».
وحيث إن التلفزيون هو أيضًا فرجة، يبحث عنها الجمهور في القنوات التلفزيونية، كما يبحث عنها آخرون في مدرجات ملاعب كرة القدم، فإن طائفة من الجمهور المغربي ارتأت أن تعبّر عن استهجانها ممّا يقدم في التلفزيون من خلال المدرجات؛ حصل ذلك مع جماهير فريق «المغرب التطواني» لكرة القدم التي رفعت خلال إحدى المباريات الأخيرة، لافتة طويلة، كُتب عليها بالبنط العريض: «المحتوى التلفزيوني في رمضان يندى له الجبين، سامٌّ لصحة المجتمع، ومُدمّر للقيم»… فهل وصلت الرسالة إلى المسؤولين عن هذا التردّي؟

 مدير مكتب «القدس العربي» في المغرب



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *