الرباط – «القدس العربي»: اتخذت الاستعدادات الجارية على قدم وساق للانتخابات المقبلة المقرر تنظيمها في المغرب أيلول/سبتمبر المقبل منعطفا مغايرا وحاسما و»صادما» أيضا بالنسبة للعديد من الوجوه والفاعلين الحزبيين، خاصة في الأقاليم التي ألفت الاستفادة من المكاسب المالية التي يوفرها السباق المحموم من أجل الظفر بالتزكية قبل المقعد.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لم يعد التنافس محصورا في الصراع التقليدي بين البرامج السياسية أو الوعود الانتخابية، بل انتقل إلى كواليس التنظيمات الحزبية نفسها، حيث تدور معركة غير معلنة حول مَن يملك حق منح «التزكية» (الموافقة على الترشح) ومَن يتحكم في مفاتيح بوابة العبور إلى المؤسسات المنتخبة.
في هذا السياق، كشفت مصادر عن وجود ما يشبه «زلزالا تنظيميا» مُوَجَّهًا إلى «ديناصورات الانتخابات» الذين اعتادوا الاستفادة من «الريع الانتخابي» وفق تعبير متداول لدى الرأي العام المحلي. وأفادت التقارير بأن هذا «الزلزال» ضرب المناطق التي ظلّ فيها بعض الأعيان والمنسقين الإقليميين يمارسون نفوذًا شبه مطلق على الترشيحات الحزبية. وقد تحوّل هذا النفوذ عبر الزمن إلى مصدر توتر دائم بين القيادة المركزية للأحزاب وبين شبكات النفوذ المحلية التي بنت قوتها على التحكم في مفاتيح الترشّح.
والواقع أن الانتخابات بالنسبة لبعض السياسيين خاصة الصغار، سواء على الصعيد المركزي أو في الأقاليم، تشكل لحظة حاسمة لزيادة الرصيد البنكي وتغيير السيارة وربما حتى المنزل، إلى جانب مكاسب أخرى يستفيدون منها، فيما يحظى كبار «اللعبة الحزبية» بنصيب وافر من «ريع» لا ينتهي، حسب تعبير تدوينة لأحد نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي.
التزكية الحزبية مفتاح الترشح
المواطن العادي، قبل السياسي، يعرف أن «التزكية الحزبية» هي «مفتاح الترشح»، ولذلك فهي حجر الزاوية في العملية الانتخابية، إذ لا يمكن لأي مرشّح خوض الانتخابات التشريعية أو البلدية باسم حزب سياسي دون الحصول على موافقة رسمية من هيئاته التنظيمية. غير أن هذه الآلية التي يُفترض أن تكون تعبيرًا عن الديمقراطية الداخلية، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أداة لإعادة إنتاج نفس النخب السياسية.
ودرجت تقارير على القول إن عملية اختيار المرشّحين في الأوساط الحزبية كثيرًا ما كانت تخضع لمنطق القرب من مراكز القرار داخل الحزب، أكثر من خضوعها لمعايير موضوعية واضحة، وهو ما أدى إلى بروز صراعات حادة حول الترشيحات في كل محطة انتخابية. بل إن بعض الحالات أظهرت تحوّل التنسيقيات المحلية إلى ما يشبه «إقطاعيات انتخابية»، حيث تقوم قيادات إقليمية باستقطاب رجال أعمال أو وجوه انتخابية نافذة، وتتفاوض معها مباشرة دون الرجوع إلى الأجهزة المركزية للحزب.
لكن يبدو أن سنة 2026 قد تشكل بداية تفكيك «الريع الانتخابي»، حيث تشير المعطيات المتداولة في الكواليس الحزبية إلى أن عددًا من التنظيمات السياسية بدأ بالفعل في مراجعة هذه الممارسات، عبر نقل مركز القرار من المستوى المحلي إلى القيادة المركزية.
وتقوم هذه المقاربة الجديدة على إحداث «لجان وطنية» للترشيحات، تتولى دراسة ملفات المرشحين وفق معايير محددة تشمل الكفاءة العلمية والخبرة السياسية، والسمعة الشخصية داخل المجال المحلي، والقدرة على تمثيل الحزب سياسيًا وليس فقط انتخابيًا، إضافة إلى نظافة السِّجلّ القضائي.
ولا يمكن فهم هذا التحول دون وضعه في سياقه العام والواسع المتعلق بمحاولات إصلاح المنظومة الانتخابية في المغرب خلال العقد الأخير. فمنذ اعتماد دستور 2011 وما تلاه من تعديلات في القوانين الانتخابية، سعت الدولة إلى الحد من ظواهر مثل الترحال السياسي أو استعمال المال في الانتخابات. ومع ذلك، ظلّ ملف التزكيات واحدًا من أكثر الملفات إثارة للجدل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بترشيح شخصيات تلاحقها شبهات فساد أو متابعات قضائية، وهي المسألة التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والحقوقية، حيث طالب عدد من الفاعلين بإبعاد المرشحين المتابعين قضائيًا عن لوائح الترشيح، حفاظًا على مصداقية العملية الانتخابية.
تغيير الانتماءات الحزبية
وتبرز مسألة أخرى تهمّ الأحزاب بشكل مباشر، وتتعلق بما يسمى «الترحال السياسي» أو المرشحين الموسميين. وتسعى الهيئات السياسية إلى محاصرة هذه الظاهرة التي جعلت عددًا من المنتَخبين يغيّرون انتماءاتهم الحزبية قبيل الانتخابات بحثًا عن تزكية مضمونة.
ورغم أن دستور 2011 حاول الحد من هذه الظاهرة عبر تجريد البرلمانيين من مقاعدهم في حال تغيير انتمائهم الحزبي أثناء الولاية، فإن الممارسة السياسية أفرزت أشكالاً جديدة من الالتفاف، حيث ينتقل بعض الفاعلين السياسيين بين الأحزاب قبل الانتخابات بحثًا عن أفضل عرض انتخابي. وقد أدت هذه الممارسات إلى بروز ما يسميه بعض المراقبين بـ «سوق التزكيات»، حيث تتحول الترشيحات في بعض الحالات إلى موضوع مفاوضات سياسية ومالية.
ويتوقع بعض المتتبعين نوعًا من الصدام بين المراكز الحزبية والفروع الجهوية والإقليمية لبعض الأحزاب، إذ يرون أن هذا التحول لن يمر دون مقاومة. فعدد من الأعيان المحليين الذين بنوا نفوذهم السياسي على التحكم في التزكيات يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد يهدد مواقعهم التقليدية.
ويشير المراقبون إلى أن مظاهر هذه المقاومة قد تتجلى في التهديد بالاستقالات الجماعية من الأحزاب، أو ممارسة الضغط على القيادات المركزية عبر القواعد المحلية، وربما البحث عن أحزاب صغيرة توفر تزكيات بديلة، ما قد ينذر بظهور ظاهرة جديدة يمكن تسميتها «الهجرة الانتخابية» نحو أحزاب أقل انضباطا تنظيميا لكنها قادرة على منح الترشح بسرعة.
ويربط محللون سياسيون هذا التحول بالنتائج التي تمخض عنها الاجتماع الأخير الذي جمع وزير الداخلية بممثلي التنظيمات السياسية، والذي اعتبر حاسمًا في رسم معالم المرحلة المقبلة، حيث جرى التأكيد على أن نزاهة وديمقراطية الانتخابات لا تبدأ فقط من صندوق الاقتراع، بل من «نظافة» القوائم الانتخابية نفسها.
«تخليق» الحياة السياسية
كما جرى إبلاغ زعماء الأحزاب بضرورة تحمل مسؤوليتهم في «تخليق» الحياة السياسية، من خلال تصفية اللوائح من العديد من الوجوه، خاصة تلك التي تلاحقها شبهات فساد قوية. ويرى مراقبون أن الرسالة كانت واضحة: الدولة لن تسمح بأن تتحول التزكيات إلى «بضاعة» تُباع وتُشترى في «سوق سوداء» انتخابية. كما تمّ التشديد على أن مراقبة أوجه صرف الدعم المالي العمومي ومصاريف الحملات ستكون «مجهرية» هذه المرة، مما جعل القيادات الحزبية تدرك أن أي مغامرة مع «أباطرة التزكيات» قد تؤدي إلى عقوبات قانونية أو سياسية قوية.
وفي نظر المتتبعين، يقف المشهد السياسي المغربي اليوم فعلاً عند مفترق طرق؛ فإما أن تنجح الأحزاب في فرض منطق المَأْسَسة والشفافية في اختيار مرشَّحيها، بما يسمح بتجديد النخب السياسية وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي، وإمّا أن تستمر شبكات النفوذ المحلية في إعادة إنتاج نفسها بطرق مختلفة. والمؤكد أن معركة التزكيات لم تعد مجرد مسألة تنظيمية داخل الأحزاب، بل تحوّلت إلى واحدة من أهم المعارك التي ستحدد شكل التمثيلية السياسية في المغرب خلال السنوات المقبلة. وهو ما يدفع الرأي العام إلى طرح سؤال مقلق: هل يكون هذا «الزلزال التنظيمي» بداية نهاية زمن الأعيان والوجوه التقليدية؟ أم أنه مجرد فصل جديد من فصول الصراع القديم بين المركز الحزبي وهوامشه المحلية؟