حسين بن حمزة قادر على الاسترسال، لكنه لا يفعل. في إحدى قصائده الصغيرة يكتب ما يمكن أن يكون من الشعر، فقط من أجل أن يقول إنني أقدر ولا أفعل. يستطيع أن يزيد البحر إلى اللون الأزرق، بل أن يذهب إلى أبعد بأن ينقل البحر إلى فستان امرأة تعوم في زرقته أسماك صغيرة. كما يستطيع أن يحيل تلك الزرقة إلى كدمات قرب سرّة صاحبة الفستان وعلى عنقها، ولا يفعل. بل يمكن له أن أن يذهب بالبحر إلى حيث لا يكون جميلا أو رائعا، نابذا زرقته هذه المرة ليحل محلّها لون الرماد، فهكذا يكون لون البحر حين تغرق فيه قوارب الأهل الذاهبة بهم إلى المنافي. «لو كنت شاعرا آخر لاسترسلت» قال مقدّما دليله بإشهار الشعر الذي لم يكتبه إلا لينفيه. فما يريده هو أن تبقى الكلمة خالصة إلا من جوهرها، واعدا نفسه بأن شعريتها الكامنة فيها كافية. الزرقة الخالصة، ولا أقول المتوهّجة، أقول أنا قارئ مجموعته، لأكون بذلك أقوم بما لم يرضّ هو أن يقوم به. وها إنني أجد نفسي مكتفيا بالزرقة تلك، ساعيا إلى أن أُطلع الشعر منها وحدها.
ما يكتبه حسين بن حمزة في الثلث الأول من مجموعته يدور حول رهاب الشعر. «أكتب قصيدة وأخفيها» يقول خائفا من أن يرى من سيقرأها «صدعا في إحدى استعاراتها»، أو «أن تفضح صورةٌ براعتي الناقصة»، أو «تكشف مفردات عالية الصوت» ميله إلى التبجّح. هنا، في قصائد صغيرة أخرى، ينتقل من وصف الشعر، بالشعر، إلى أن يتكلّم بلغة الناقد، بل إنه، في قصيدة صغيرة أخرى، يقف موقف الناصح: «ألجمْ عاطفتك» يخاطب المقبل على كتابة الشعر: «تجنّب تلك الكلمات التي تخدع الشعر بريش البلاغة»، «ولا تثقله بالصور المحلّاة فيعلق في دبقها الكثيف»، لكن ها هو يعود من النقد إلى الشعر فيقول «وجدت وقتا/ لكتابة قصيدة صغيرة/ يهطل فيها مطر خفيف لا يسبقه رعد/ ويمحو كلماتها!».
تلك المرأة التي تلتقط صورا تذكارية للثلج، الذي كان قليلا في حياتها «مثل الشعر الذي كان قليلا في كل القصائد التي قرأتها»، لا تستطيع أن تعثر على الحبّ والشعر مجتمعين معا. «في الحبّ نؤجّل الشعر: يقول هو، ناصحها ورجلها، فأحيانا تبدأ قصيدة ما باستعارة آسرة/ ولكنّ الحب يمنعها من النموّ/ أحيانا يفلت مقطع كامل/ ولكن الحبّ لا يمنحه فرصة أن يبتعد». بذلك يذكّرنا حسين بن حمزة بقراءتنا للقصائد، حتى الخالدة منها، إذ ظلّت حيّة على مدى مئات السنوات التي تفصلنا عن عصور الشعر، بأن أشياء لا صلة لها بالشعر ظلّـت راسخة في بنائها، ولطالما تساءلنا، ونحن نقرأ ذاك الشعر العائد إلى عصور الشعر العربية، إن كان هناك لزوم لصدر البيت، أو نقول إنه كُتب لغاية اكتمال البيت الشعري، كلاما ووزنا.
في أحيان نجد أنفسنا نُبعد أو نزيح، أو نغربل، ما نقرأه لنبقي من القصائد القليل القليل. حسين بن حمزة يقوم بذلك قبل أن يسطّر ما سيكتبه: «فقد تابعت تنحيف هذه القصيدة/ إلى أن صارت مضغوطة في جملة هزيلة واحدة». وفي مقطع آخر، هو قصيدة أيضا، يقول: «لا أكتب قصائد قصيرة/ بل أحاول/ أن أكتب ما يبقى من القصائد الطويلة».
لكن إذا كان الشعر غير قادر على وصف الحب فما هو إذن؟ ما هو دوره، ومن أجل ماذا يُكتب؟ إنهما شيئان مختلفان، يقول حسين بن حمزة مضيفا على ذاك الرهاب عقدة أخرى، كبيرة هذه المرّة. ذاك لأنه لا بدّ للشعر، حسبه، أن يبتعد عن أشياء أخرى كثيرة تجري في الحياة. أن يكون، حين يُعرّف، متخلّصا مما تصفه كلماته، أو تحكي عنه. وهذا يدعونا إلى أن نبدأ التفكير بالشعر من جديد، بدءا من تعريفه ماذا هو. بعد تصفح المجموعة التي أُهديتها موقّعة من الصديق حسين بن حمزة كثيرا ما رغبت في العودة إلى الفصل المتعلّق بألمانيا، التي أقام فيها شاعرنا ولا يزال، مهاجرا أو لاجئا. ربما أغراني، أنا المحب لقراءة الروايات، الظهور الطيفي لشخصيات لا تمكث في الأوصاف الدارجة لمحنة العيش في المكان الغريب، أقصد في زمن ما بعد رحلة الانتقال الفظيعة بالقوارب. هنا. في هذه القصائد، قرأت الشاعر يقول كيف أنه، ومن هاجر معه، «بدأنا نرطن بلغات جديدة/ بثياب لا تزال مرطّبة بالبحر» وأننا «نشرنا على حساباتنا الفيسبوكية صورا أخّاذة للطبيعة/ متمرّغين على أعشابها مثل ثيران سعيدة».
في مكان ما من مجموعته هذه كتب أيضا، هو المحب أيضا لقراءة الروايات، أن على الشاعر أن يُدمي رجليه بأحجار النثر، وإلا كيف يمكن قراءة الجديد المدهش إن اكتفى كل شاعر بلغته القليلة، كما سبق أن قرأنا أيضا في مجموعته.
*»كمن يريد أن يمحو» مجموعة حسين بن حمزة الشعرية صدرت عن دار النهضة في 87 صفحة – سنة 2025.
كاتب لبناني