عندما ينطلق نصّ أدبي روائي، (أو أي عمل أدبي أو فنّيّ بشكل عام) من الألم، ومن تأثير هذا الألم على الشخصية، وانطلاقا منه تبدأ الأحداث، يُتوَقَّع أن تسيطر بكائية ما، أو أن يتمّ التركيز على المظلومية، التي وقعت على هذه الشخصية أو تلك، وعندما تكون المرأة في مجتمع ذكوري كالمجتمع المصري، يكون المتوَقَّع أكثر سيطرة على ذهن المتلقي وهو يبدأ برواية كرواية «فوق رأسي سحابة» (دار العين 2024) لدعاء إبراهيم، ولكن السحابة التي تقصدها الرواية والتي ترافق «نهى» البطلة حتى النهاية، فلا تشرق عليها شمسٌ أبدا، تحيد منذ الصفحات الأولى عن سماء فكر المتلقي، لتشرق شمس لم يكن يتوقّعها.
تأسر الرواية المتلقي منذ بدايتها، بأسلوب متين ولغة مسبوكة ومحبوكة بعناية وثقة الخبير، على الرغم من أن المتلقي، وهو الداخل إلى نصّ لكاتبة ليست من صاحبات وصاحبي الصخب والأضواء، فيكتشف أنه أمام حكّاءة من الطراز الرفيع، خالقة شخصيات متنوعة وحائكة لغةً بأسلوب بلاغي لا تكلّف فيه أبدا، مهما حاولت ملاحقته، فالأسلوب يطغى ويسيطر، والجمالية فيه تصبح عادة، وقد تبحث عنها إن أخذ السرد السهل الممتنع مساحة أوسع قليلًا مما اعتدت عليه.
هي قصة «نهى»، الفتاة التي يبدأ الألم والظلم معها منذ طفولتها، يتركها ووالدتَها أبوها ويرحل إلى اليابان، وتنقطع أخباره، الأم تتزوّج وتعاشر الكثيرين، فتكون طفولتها ومراهقتها في هذا الجو، وهو أمر «متوَقّع» معه أن يحصل الظلم والألم، ولكن المفاجئ أن الأمر يأتي من أقرب الناس، وهو الخال، الذي يستغل ابنة أخته، وخوفها والغشاوة على عينيها، ويستغل قوته وضعفها وضعف الجدة والوالدة، الوالدة اللاهية عن كل ما يتعلق بابنتها، فتصبح ألعوبة جنسية بين يديه، وتستمرّ الحكاية.
تحدّثنا نهى عن الغراب الذي تراه ويخبرها أنّ أحدهم سيموت اليوم، ولكن هذا الشخص يكون على علاقة ما بها، فيموت، ولكننا نكتشف بأنها هي من ستقتله. يبدأ الأمر مع والدتها، من ثم حارس البوابة، فالطفل، فوالدها… ويبقى الإيهام حتى نهاية الرواية بأنه انتهى مع صديقتها اليابانية تومودا سان، ومن بعد ذلك تدخل السجن وتنتهي قصتها قبيل سوقها إلى موتها هناك، فقد سمعت الغراب يقول لصديقها الجديد، قابيل، إنها ستموت اليوم.
قصة نهى مع خالها تظهر بين كل قصة وأخرى، خلال سرد جذل شائق، تعطيك جرعات الألم قطرة قطرة، قصة قصة، حتى لا يطغى الألم، ألمها الخاص، والذي يبدأ بالتأثير على المتلقي منذ البداية، ولكنها أرادته تصاعديّا، ونجحت بشكل مبهر، فمنذ مدّ يده إليها للمرة الأولى، وحتى معرفتنا بقصة حملها والعملية وإسقاط الجنين، ووصلولنا إلى المعرفة بأمر براءتها في النهاية، يظل المتلقي في حال من التأثر والغضب، والتعاطف مع هذه الطفلة، الممرضة، والعاملة في اليابان، وإن تخطّت الثلاثين، ويبقى متعاطفا معها وداعما لها من دون أن يدري، على الرغم من كلّ «القتل» الذي بدر عنها.
تأخذنا الرواية إلى مجتمعين مختلفين متناقضين، المصري والياباني، ولعل البراعة ظهرت حين انتقال الأحداث من مكان إلى آخر، وعلى الرغم من سيطرة الحدث والشخصية، إلا أنّ المكان في اليابان ظهر أكثر، وهنا لضرورة أن الشخصية تتعرّف المكان لذا عرفت المتلقي به، وهي التي تعرف مكانها الأول فلم تركّز عليه، ولكن هناك أيضا أدّت ما قاله لها الغراب، وقتلت والدها، ولكن الظلم، والاعتداء، وهنا أركّز على أنه جنسيّ، أينما حلّت هذه الطفلة، الثلاثينية، استمرّ، ولكنه اختلف بالشكل مع تلك الصديقة التي كرهت الرجال! ظهور قابيل في النهاية، وكل ما حاكته الرواية من قصص وأفكار بدرت عن نهى وعنه، وعن غيرة الغراب من اقتراب تومودا منها، وكأنها استغنت عنه، والغراب ممثّلاً مرضها النفسي بسبب الألم والظلم، وهنا أيضا أبسّط التسمية لأركز على الأحداث، نراه يعود بقوة مع إعجابها بذلك الرجل الستيني، وغيرة الصديقة وما قامت به قبل موتها، إنما هو من أقوى وأعمق ما تضمنته الرواية، وحمّلته بطلتها وجعلتها تستمر بالحديث عن الموت الأول، وضرورة استمراره أحيانا، وعن الانتقام ومفهوم العدالة الاجتماعية، وعن حال الرجل الذي لا سحابة فوق رأسه، وشمس بطشه مشرقة دوما، ومرّت على اليابان وسجونها وظلم من نوع آخر، يتعرض له السجين هناك.
مأخذ واحد على الرواية متعلّق بالمكان، باليابان، وهو عندما مرّت سريعا على الزلازل وتعاطي البلاد والمباني معه، وعلى القنبلة وضحاياها، في رأيي إنّ هذه التفاصيل، وإن ظنّت الكاتبة أنها من الضرورات حول التعريف بالمكان الجديد، إلا أنها عرّفت بما هو شائع، على حساب تفاصيل كانت لتكون أفيَد للمتلقي العربي، كالذي فعلته مع السجن.
قد يقول المتلقي إن الغرائبية حكمت النص، ولكنني وجدت حضور الغراب وقابيل، أمران عاديان إن أحلنا الأمر إلى المرض النفسي الذي سيطر على الضحية البطلة، والذي كان الأساس في رأيي، بصرف النظر عن أنّ الرواية لم تركّز على أنه مرض، ولم تأخذنا لتجعل روايتها رواية نفسية، وهذا جديد توخّته الرواية يُحسب لها.
هذه الرواية عن الظلم والألم، وعن الأحوال النفسية، المرَضِيَّة منها والأخفّ والأقل أثرا، تأخذ متلقيها بشكل آسر مع أسلوب لا يمكن وصف قوته وحرفية صاحبته في مقال، تعمّقت في أسباب الألم، وما قد تؤول إليه الأمور مع هذا المظلوم، فإن تصبح قاتلا، وأن تلاحق غرابك الخاص وتسمع كلامه، وأن تستحضر قابيل، القاتل الأول، وتناقش معه كيف أصبحت الضحية أقوى منه، حين أصبح هو الملام على كل أفعال البشر، وأن يموت الخال في النهاية على فراشه مبتسما، هو أمر يشكّل لدى المتلقي حالة غضب من نوع ما لا يعرف أسبابها مباشرة، ولكنه بالفعل يعرف تلك الأسباب ويراها ويسمع عنها كثيرا في مجتمعاتنا، ونعرف الكثيرين من أمثال الخال الذين اغتصبوا وأهانوا وظلموا وعاثوا فسادا، ولكنهم ماتوا على أسرّتهم أيضًا مبتسمين. فيطرح السؤال الأخطر، هل حقّا يجب أن ننتظر الحساب الذي سيحل بهم بعد موتهم، أم على الإنسان أن يفعل ما فعلته «نهى».
كاتب لبناني