كان من بين ما سعت إليه السلطة الجديدة تحريرُ الجيش من ولائه لنابليون. وفي هذا السياق برز اسم أحد رفاقه في المعارك، المارشال مارمون، الذي خان نابليون، وانشق عن الجيش، وسلّمه إلى الإنكليز. وقد عُرف لاحقا باسم يهوذا الإسخريوطي. وعاش بقية حياته في البندقية شيخا يلاحقه الأطفال في الشوارع وهم يشيرون إليه قائلين: «هذا يهوذا الذي باع نابليون».
وما إن سمع الملك لويس الثامن عشر، المقيم في إنكلترا، بأن نابليون تنازل عن العرش، حتى عاد إلى فرنسا. لكن عودته أثارت سخطًا واسعًا في صفوف الجيش؛ إذ هجر نحو 40 ألف جندي ثكناتهم، وساروا في مسيرات يهتفون: «عاش الإمبراطور»، و»ليسقط الخونة»، و»إلى باريس». وتكررت هذه المشاهد في عشرات المناطق الفرنسية، بالتزامن مع حرق علم الملكية الأبيض. كما ظهرت وحدات عسكرية كانت على وشك الانشقاق، وأخرى راحت تخطط للانتفاض، الأمر الذي أثار مخاوف الإنكليز، ولا سيما أن نابليون ظل محاطًا بقطع من الجيش تدين له بالولاء. لذلك سارعت بريطانيا إلى توقيع الاتفاق الذي لم يكن ينقصه سوى توقيع نابليون، ونصّ على احتفاظه بلقب الإمبراطور، ومنحه جزيرة ألبا مدى الحياة.
وقبل مغادرته فرنسا ألقى كلمة مؤثرة وصف فيها الضباط والجنود بأنهم جميعًا أبناؤه، ثم عانق النسور والعلم الفرنسي، ولوّح بيده مودّعا وهو يقول: «احفظوني في ذاكرتكم يا أولادي». بعد ذلك رحل في العربة على وقع فرقة موسيقية كانت تعزف تحية بعنوان «إلى الإمبراطور».
ومع عودة الملكية، عادت الرجعية والامتيازات، وتعزز نفوذ الكنيسة الكاثوليكية، وارتفعت الضرائب والأسعار، بل قُطعت رواتب التقاعد حتى عن المحاربين القدامى المصابين بإصابات حرب. كذلك أُعيدت اللوحات التي جلبها نابليون إلى متحف اللوفر إلى البلدان التي انتُزعت منها، وحُلّت جيوش حققت انتصارات كبرى، فيما مُنحت مناصب في الجيش لمهاجرين سبق أن حاربوا ضد فرنسا، وهو ما أثار استياء الليبراليين والجمهوريين.
وفي تحدٍّ صارخ للأوامر، احتفل الجيش علنا سنة 1814 بعيد ميلاد نابليون، وأطلق المدافع تحية له مرددًا: «يحيا الإمبراطور». وعندما زاره سكرتيره السابق سنة 1815 قائلًا له إن وقت العودة قد حان، سأله نابليون عن وضع الجيش، فأجابه بأن الجنود، حين يُطلب منهم تحية الملك، كانوا يقولون بصوت عال: «يحيا الملك»، ثم يضيفون بصوت خافت: «ملك روما»، في إشارة إلى ابن نابليون. عندها قال نابليون: «إذن ما زالوا يحبونني؟»، فرد عليه: «طبعًا، أكثر من أي وقت مضى.»
في 26/02/1815 عندما جهز السفينة التي سيغادر بها متجها إلى فرنسا برفقته 607 مقاتل و16مدفعية صلح مع رجاله «فرنسا اوالموت». بالمجمل كانوا 1142راكبا بين ضباط ومدنيين. عندما وصلوا إلى جنوب فرنسا ساروا مع ألف رجل على الأقدام شقوا طريقهم من الجنوب باتجاه الأعلى عبر جبال الألب. قوبلوا بالترحيب على طول الطريق، وكانت أول مواجهة لهم مع جيش الملك مع فرقة عسكرية، أزاح نابليون الرداء الرمادي عن صدره قائلا لهم هل تريدون ان تقتلوا الإمبراطور؟ فألقوا السلاح على الأرض وتجمعوا حوله. ومع وصول نبا وجود نابليون في فرنسا، انشق أغلب الضباط باستثناء القلة وقال «ناي» الذي انشق أيضا لرجاله، الإمبراطور نابليون فقط، هو من يحق له أن يحكم هذا البلد الجميل. وهكذا عاد نابليون على ظهر حصان أبيضّ، وفر الملك الذي لاقى عدائية من حامية الجيش متجها إلى بلجيكا ليراقب الوضع عن كثب. سرعان ما قام نابليون بإصلاحات جديدة، كتب دستورا جديدا يتضمن تأسيس برلمانيين تشريعيين على النمط البريطاني، أعاد حرية التعبير، حرية انتقاد الوزراء، أراد الابتكار في الدستور الجديد حتى يجعل من الصعب إعادة البوربون في المستقبل، أنهى الرقابة على الإعلام الفرنسي، حتى صحافة العدو سمح بها ، ألغى تجارة العبيد، عدم مضايقة البريطانيين، أو احتجازهم، ألغى كل الفكر الاستعماري، وان سعادة فرنسا هي الشي الوحيد الذي يسيطر على تفكيره.
نابليون يحارب نائما
لذلك هل يعقل رجل بهذا التصميم وهذه الحيوية وهذه الخبرة، أن يهزم في معركة بسيطة مثل معركة «واترلو» في بلجيكا؟ من يقرأ المراجع من وصف الكتبة الذين دونوا وقائع المعركة، يلفت نظره وصف الوديان والجبال والطرق الوعرة، وحتى القلاع، لكن من يبحث على غوغل عن منطقة «واترلو» يراها مسطحة أرضا منبسطة على امتداد البصر، ما يثير التساؤل عن هذه الفروقات غير المقنعة. ونوم نابليون المتكرر وسط المعركة، وهو من سار من جنوب البلاد حتى شمالها، بعد أن خاطر وغادر جزيرة ألبا وفي رأسه هدف واحد وهو، محاربة أعداء فرنسا، هل يعقل أن يجلس أمام طاولته في المعركة شبه نائم؟ ثم يتنازل بهذه البساطة من منتصف الطريق؟ قال الكولونيل Comte de Turenne وMonthion إن تعب نابليون قبل ساعتين من المعركة بدأ، «بقي الإمبراطور مدة طويلة جالسا أمام طاولته ويحني رأسه بشكل متكرر، رأسه الذي غاص فوق الخريطة الممتدة أمام عينيه المثقلتين». هذا قبل المعركة، مع انتهاء المعركة وعندما صعد نابليون على حصانه قال مرافقه فلوات: كان مثقلا بالتعب والإرهاق وأكثر من مرة كان غير قادر على مقاومة النعاس الذي تغلب عليه، كاد يسقط من على ظهر حصانه.
وفترة غيابه قام لافاييت، بتكليف خمسة من كل وزارة للقيام بالأعمال، إنه شيء يشبه الانقلاب، ثم يعود فجأة في ظروف غامضة ويلقي كلمة شارحا الوضع وتنازل عن منصبه، وأنه يجدر تعيين حكومة مؤقتة من مجلس الوزراء الحالي ووصى regent بأن يحكم مكان ابنه، وحث على تضامن الصفوف الفرنسية حفاظا على سيادة أرضها وحمايتها من التدخل الخارجي، أما هو شخصيا فكان يطمح بأن يعيش مواطنا عاديا في الولايات المتحدة. قائلا إنه ربما هناك في أمريكا سيقيم ولاية جديدة. لكن بريطانيا مجددا قررت إعادة الملكية لفرنسا وجيش بروسيا على أبواب فرنسا، ما دفعه بمشورة المقربين طلب لجوء الى بريطانيا، لكنها ارتأت ان ترحله الى مكان بعيد عن قارة أوروبا كلها في جزيرة وسط البحر مع ستة وعشرين من محبيه الذين كانوا مستعدين للرحيل معه إلى آخر الدنيا.
رجل كبير في جزيرة صغيرة
لم تكن سانت هيلانة مجرد جزيرة نائية، بل كانت منفى قاسيًا يليق بإمبراطور مهزوم. فالرطوبة العالية فيها كانت سببًا في أمراض تنفسية كثيرة بين سكانها، كما اشتهرت بالنمل الأبيض والصراصير وأنواع غير مألوفة من البق والبراغش. وفي ذلك المكان البعيد، أُحكمت العزلة حول نابليون؛ فعُيّن له ضابط فظّ الطباع، ضيّق عليه، ومنعه من استعادة البيانو الخاص به، وحجب عنه كتب التاريخ وأخبار الصحافة، كما حُرم من لقاء ابنه، ومُنع الابن من تعلم الفرنسية، ومنح لقبًا نمساويًا، وحتى رغبته في عتق بعض العبيد وُوجهت بالمنع.
وكان نابليون يرى في محنته معنى يتجاوز الإذلال، إذ قال ذات مرة: «وضعت على رأسي تاج فرنسا، وتاج إيطاليا الحديدي، وإنكلترا تضع الآن على رأسي تاجًا أكثر عظمة ومجدًا: تاج المسيح، تاج الشوك. وكل قمع وكل إهانة بحقي لن يزيداني إلا مجدًا.»
وفي صباح عاصف من يوم 5 أيار/مايو 1821، أسلم نابليون الروح متأثرًا بسرطان المعدة، بعد سلسلة طويلة من العلل، عن واحد وخمسين عامًا. ودُفن في بقعة تحفّها أشجار الصفصاف، مرتديًا زيّ الكولونيل، فيما دوّت المدافع في السماء تحيةً لروحه.
الكتاب: نابليون الأعظم المؤلف: أندرو روبرتس – عدد الصفحات: 820 صفحة من القطع الوسط.