فاضل عبود التميمي ورهان التجديد النقدي


يعد الأكاديمي العراقي فاضل عبود التميمي، واحدا من الباحثين العرب الذين راكموا مجموعة من المؤلفات والدراسات النقدية تربو على العشرين، توزّع انشغالها بين جملة من القضايا النقدية، من شعر ومقالة وقصة ورواية وسيرة ذاتية ومسرح ورحلة، كما تناولت بالدرس مجموعة من التجارب النقدية التراثية والمعاصرة، وقد نهج في معالجتها، تنوعا ملحوظا في المقاربات توزعت بين البنيوية والأسلوبية والبلاغية والثقافية.
اللافت في هذا المنجز التأليفي هو الحظوة التي خصصها للرحلة، التي احتفى بها دراسة ونقدا، ويظهر ذلك في ما راكمه من أعمال، تؤكد ولعه اللافت بهذا الشكل التعبيري المهم في الثقافة الإنسانية عامة، والثقافة العربية خاصة، بلغ عددها حتى الآن خمسة كتب وهي على التوالي؛ «دراسات ثقافية في الرواية والرحلة والمقالة» (2021)، و»رحلات باسم فرات: دراسة ثقافية» (2023)، و»رحلات المرأة العراقية: دراسة ثقافية» (2024)، و»رحلات المرأة العربية من الأنا حتى معرفة الآخر» (2025)، و»معجم مصطلحات الرحلة» (2026)، ناهيك من عشرات المقالات المنشورة في مجلات وجرائد عربية وفي كتب جماعية، يضاف إلى هذا إشرافه العلمي على مجموعة من الرسائل الجامعية في جامعة ديالي، التي اتخذت من النص الرحلي مجالا لاشتغالها.
ما تشترك فيه هذه الكتب التي راكمها فاضل عبود التميمي، حول النص الرحلي هو اهتمامها بموضوعات ومدونات نصية قل الالتفات إليها، تعكس بجلاء سعيه الدؤوب إلى تجديد المدونة المدروسة، وكذا اجتراح أسئلة وقضايا وانشغالات بحثية جديدة وفق مقاربات ملائمة، ويمكننا أن نرصد تميز هذه الكُتب الخمسة في الخصوصيات التالية:
أولها: سبقُه البحثي في الاهتمام بالمشروع الرحلي الكبير واللافت للرحالة والشاعر العراقي باسم فرات، المجدد في كتابة الرحلة على مستوى الأسلوب والقضايا والوجهات، إذ تولى دراسة ست رحلات منها، وفق مقاربة ثقافية رامت وضع اليد على السمات الكبرى المميزة لهذا المشروع، وهي «لا عشبة عند ماهوتا: من منائر بابل إلى جنوب الجنوب»، و»طريق الآلهة: من منائر بابل إلى هيروشيما»، وطواف بوذا: رحلاتي إلى جنوب شرق آسيا»، و»مسافر مقيم: عامان في أعماق الاكوادور»، و»الحلم البوليفاري رحلة كولومبيا الكبرى»، و»لؤلؤة واحدة وألف تل: رحلات بلاد أعالي النيل».

ثانيها: اهتمامه الملحوظ برحلات المرأة محققا إنجازا بحثيا غير مسبوق تجلّى في كتابين كشف فيهما عن خصوصياتها الإبداعية والفكرية؛ الأول حصره في رحلات المرأة العراقية، وتولى فيه دراسة أعمال أربع رحالات عراقيات وهن ماري تيريز أسمر ولطفية الدليمي وابتسام الصفار وزينب ساطع. ووسّع اهتمامه برحلات المرأة في الكتاب الثاني ليشمل ما استطاع الاطلاع عليه من رحلات المرأة العربية، وقد درس فيه خمس عشرة رحالة موزعة على سبعة بلدان عربية وهي ماري تيريز أسمر ولطفية الدليمي وزينب ساطع وابتسام الصفار من العراق، وعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) ونوال السعداوي ورضوى عاشور ونعمات أحمد فؤاد من مصر، وغادة السمان ولينا هويان الحسن من سوريا، وليلى أبو زيد وعائشة بلحاج من المغرب، وصفية قم بن عبد المجيد من تونس، وسناء كامل الشعلان من الأردن وسالمة بنت سعيد من سلطنة عمان.
ثالثها: وسعياً منه للإحاطة بالنّص الرحلي، وضبط مفاهيمه، ارتأى تخصيص كتاب لمعجم مصطلحات الرحلة، يعد الأول من نوعه في الثقافة العربية، حاول فيه جمع ما اعتبره مفاتيح لا بد منها تخص النص الرحلي. وقد بلغ عددها 38 مدخلا شمل الرحلة، والرحالة، وأنا الرحالة، وأنواع الرحلات، ومرجعياتها، وعلاقاتها بالثقافة وبالسيرة الذاتية والسياحة وبالآخر وبالقارئ، والسرد، والوصف، والهجنة، وبناء الرحلة وتدوينها وتحقيقها، وزمنها وميثاقها وخطابها. تعكس هذه المداخل جهود ومساعي فاضل عبود التميمي في الإحاطة بأسس النص الرحلي، وضبط مفاهيمها انطلاقا مما تراكم من دراسات رحلية في الوطن العربي، وجعلها في مكنة الباحثين.

رابعها: طرحه لإشكالات معقولة وذات جدوى وفي غاية الوضوح نابعة تماما من خصوصية النصوص الرحلية، التي خبرها، واختياره اعتماد الدراسات الثقافية تصورا نظريا ملائما لمقاربتها، نظرا لكونها ممارسة، أو نشاطا شديد الاتصال بالآداب، والنشاطات الحياتية، والظواهر الاجتماعية عند الشعوب بهدف دراستها، والبحث في طبيعة تشكلها الثقافي، وانفتاح دلالاتها. كل ذلك خوّل لها بأن تكون ملائمة جدا لدراسة النص الرحلي، لأن الرّحلـة، في نظر فاضل عبود التميمي، في جوهرها فعل ثقافي بامتياز متعدّد الأهداف والمقاصد والصلات.
خامسا: اعتماده على جل ما تراكم من دراسات نقدية للنص الرحلي من كتب ومقالات صدرت في المشرق والمغرب، ما يعكس اطلاعه الواسع ومتابعته الجيدة لمختلف الإصدارات المجدّدة في القضايا والمقاربات المهتمة بالنص الرحلي، ويعكس أيضا قدرته الكبيرة على التفاعل معها واستثمارها في ما ينجزه من دراسات للنصوص الرحلية. ويهدف من وراء كل ذلك تطوير البحث في النّص الرّحلي وتجديد قضاياه وتوسيع قاعدة الاهتمام به بين الباحثين والنقاد بشكل يواكب ما يصدر من نصوص رحلية على امتداد العالم العربي.
كل ما سبق يجعلنا نعتبر فاضل عبود التميمي واحدا من الباحثين العرب المتخصّصين في النص الرحلي، بما حققه من تراكم نوعي وكمي في دراسته وتطوير دراسته، عبْر سعيه الجاد إلى البحث في مدونات رحلية غير مدروسة، معتمدا مقاربة ثقافية تنسجم بشكل كبير مع الهوية الثقافية للنص الرحلي. كما نثمن جهوده المتواصلة في الرفع من مستوى البحث في النص الرحلي وجعله انشغالا نقديا وأكاديميا.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *