لندن- “القدس العربي”:
قال روبرت تيت، مراسل صحيفة “الغارديان” في طهران ما بين 2005-2007 إن رئيس مجلس الأمن القومي، علي لاريجاني الذي أعلنت طهران اغتياله في هجوم إسرائيلي يوم الثلاثاء، كان يؤمن بأن الغرب مصمم على تدمير نظام الثورة الذي خاض من أجله معارك.
وفي مقال له نشرته صحيفة “الغارديان” قال الكاتب إن هذه القناعة الداخلية تأكدت بشكل مأساوي، إذ أصبح لاريجاني آخر شخصية من المؤسسة الإيرانية تقتل على يد إسرائيل.
وقد برزت هذه القناعة بشكل واضح عندما أجرت “الغارديان” مقابلة معه في حزيران/يونيو 2006، عندما كان منخرطا في مفاوضات شاقة وطويلة مع الغرب بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وبصفته أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو المنصب نفسه الذي شغله وقت وفاته، كان لاريجاني، القائد السابق في الحرس الثوري، الشخصية المحورية في نزاع بدا وكأنه وصل إلى مستويات وجودية بالنسبة للنظام الذي خدمه مع عدوه اللدود إسرائيل.
وقد كان متحفظا طوال المقابلة التي أجريت في مكتبه بطهران مع ثلاثة صحافيين من صحيفة “الغارديان”، وهم سايمون تيسدال وإيوين ماكاسكيل وروبرت تيت نفسه، إلى أن سأله الأخير عما إذا كان يعتبر المخاوف الغربية بشأن برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم حقيقية. فقال، وقد بدا عليه الحماس وهو يحدق بنظرة ثاقبة في تيت: “سيدي، أعتقد أنك تعرف الإجابة على هذا السؤال” و”لو لم يكن الأمر متعلقا بالبرنامج النووي، لكانوا قد اختلقوا شيئا آخر، فالضغط الذي يمارسونه علينا سبب كاف للشك”.
ويعلق الكاتب أن الإجابة كانت لحظة كاشفة عن عقلية رجل بدا غامضا في الظاهر، وهو انطباع تعزز بوجود مترجم يترجم ما يقولونه للاريجاني.
وبعد عشرين عاما، يقول تيت، تبدو المقابلة وكأنها نبوءة غريبة من نواحٍ أخرى، إذ حذر لاريجاني من أن “سعر النفط سيرتفع بشكل جنوني” في حال نشوب نزاع وناقش احتمال إغلاق مضيق هرمز.
ومن ذكريات تيت الواضحة الأخرى عن ذلك اللقاء، شكره للاريجاني بالفارسية في نهاية المقابلة على حديثه. وقد ابتسم بحرارة، وإن لم يتضح لي ما إذا كان ذلك تقديرا لمحاولاته التواصل بلغته الأم أم استخفافا بقصور جهوده، وفق الكاتب.
ويقول تيت إن هذه لم تكن التجربة الأولى له مع لاريجاني. فقد شاهده في مؤتمر صحافي في العام السابق، حين كان مرشحا في الانتخابات الرئاسية عام 2005. وقد بدا شخصية باهتة نسبيا للكاتب، ولم يترك انطباعا يذكر لديه أو لدى الناخبين. وفاز في الانتخابات لاحقا محمود أحمدي نجاد. ولم يكن من المستغرب أن تتحقق شكوكه العميقة حول دوافع الغرب قبل وفاته. ومع ذلك، ولكونه مواليا مخلصا للنظام، ربما كان يأمل في مستقبل أفضل.
وبصفته مسؤولا بارزا عن الأمن القومي في عهد حكومة أحمدي نجاد، كان لاريجاني، المعروف ببراغماتيته وحكمته، ينزعج باستمرار من خطاب الرئيس الشعبوي الاستفزازي والمثير للجدل بشأن القضية النووية، معتبرا إياه عقبة أمام مساعيه للتوصل إلى اتفاق مع الغرب يمنح الجمهورية الإسلامية قدراً من الأمن. وقد حاول لاريجاني الاستقالة عدة مرات مع تصعيد أحمدي نجاد للتوترات الدولية بمناوراته الاستعراضية، والتي تضمنت تهكمات متكررة على إسرائيل، وإنكارا واضحا للهولوكوست. وفي النهاية، قُبلت استقالته في تشرين الأول/أكتوبر 2007، في ما اعتبر حينها مؤشراً على انحياز آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى، إلى جانب أحمدي نجاد ضد لاريجاني.
إلا أن لاريجاني، وهو أحد خمسة أشقاء شغلوا جميعا مناصب بارزة في النظام، ظل متجذرا في المؤسسة الحاكمة.
وأصبح رئيسا لمجلس الشورى، البرلمان الإيراني، وهو منصب أبقاه تحت الأضواء. وظلّ مقربا من خامنئي، حتى وإن لم تكن آراؤه نافذة.
ومع اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، يعتقد أن لاريجاني عارض سياسة خامنئي في دعم نظام بشار الأسد، حليف إيران، رغم تحفظاته على قمع الأسد الدموي لقوات المعارضة.
وحاول لاريجاني الترشح للرئاسة مرتين أخريين، لكن مجلس صيانة الدستور، وهو هيئة دينية مختصة بالتدقيق، رفض ترشيحه. ولم يقدم أي تفسير، لكن بعض المحللين تكهنوا بأن أحد الأسباب هو إقامة ابنته في الولايات المتحدة، بينما كان اثنان من أبناء إخوته يقيمان في بريطانيا وكندا.
وقد استغل نشطاء المعارضة هذا العام، وجود أقارب لاريجاني في الغرب، إذ أظهر القمع الدموي الذي مارسه النظام الإيراني ضد أحدث حركة احتجاجية، والذي أودى بحياة الآلاف، عودة نجم لاريجاني إلى الصعود مجددا.
ووفقا لتقارير من داخل إيران، كان خامنئي قد كلف لاريجاني بمهمة قمع الاحتجاجات، وهي المهمة التي أنجزها بكفاءة لا ترحم.
وتشير التقارير إلى أنه عارض القرار الأخير باستبدال خامنئي بابنه مجتبى مرشدا أعلى، وأنه كان يفضل بدلا من ذلك مرشحا أكثر اعتدالاً في بادرة تصالحية تجاه الإيرانيين الذين يرزحون تحت وطأة الحكم الديني المتشدد.
ولم يعد هذا النقاش مهما بعد موته، لكن موقفه القديم من أن الغرب يريد تدمير النظام، لم يتغير.