رؤية روسيا للحرب على إيران وتداعياتها عليها والدروس المستفادة من مسارها.. بعيون إسرائيلية


الناصرة- “القدس العربي”:

يرى معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران منذ نهاية فبراير/شباط 2026 تقدم واقعا استراتيجيا جديدا بالنسبة إلى روسيا. هذا التقرير الذي يغفل دور روسيا في انهيار النظام السابق في سوريا، يعلل رؤية موسكو بأن الحرب تنتج واقعا استراتيجيا جديدا بالقول إن إيران شريك مهم لروسيا، وإن لم تكن حليفا بالمعنى الكامل للكلمة. وهو يتناول كيف تفسر موسكو هذه الحرب، وما الدروس المستخلصة منها، وما هي التداعيات المتوقعة على روسيا نتيجتها.

وطبقا للتقرير الإسرائيلي، تنطوي الحرب ضد إيران على مخاطر جسيمة بالنسبة لروسيا. فمن وجهة نظرها، يعد احتمال تقويض استقرار النظام الإيراني أو حتى انهياره أحد أكثر السيناريوهات إثارة للقلق، لأن إيران ليست شريكا إقليميا فحسب، بل جزءا من مجموعة أوسع من الدول التي تعارض الهيمنة الغربية، والتي تسعى روسيا من خلالها إلى صياغة نظام دولي بديل. من هنا يستنتج التقرير الإسرائيلي أن إضعاف الجمهورية الإسلامية أو سقوطها قد يلحق ضررا بالغا بالمعسكر المناهض للغرب، وينظر إليه كإنجاز استراتيجي للولايات المتحدة وحلفائها. علاوة على ذلك، فإن انهيار إيران سيزيد الضغط الجيوسياسي على روسيا في جنوب القوقاز، في أعقاب تدخل الولايات المتحدة في حل النزاع بين أرمينيا وأذربيجان.

إدانة الحرب

ويقول إنه مع اندلاع الحرب، سارعت روسيا إلى إدانة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبعد أن اتضح اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، صعد كبار المسؤولين في الحكومة الروسية من حدة انتقاداتهم، وقدم بوتين تعازيه، واصفا الحادث بأنه “جريمة قتل ارتكبت في انتهاك صارخ لأخلاقيات الإنسانية والقانون الدولي”.

مع اندلاع الحرب، سارعت روسيا إلى إدانة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبعد أن اتضح اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، صعد كبار المسؤولين في الحكومة الروسية من حدة انتقاداتهم، وقدم بوتين تعازيه

وأصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا في الأول من مارس/آذار، جاء فيه أن النبأ استقبل في موسكو بغضب وحزن عميقين. وأشار فاسيلي نيفينسيا، مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، إلى أنه رغم استعداد طهران للانخراط في العملية الدبلوماسية، فقد “طعنت في الظهر”.

وحسب التقرير، تسعى موسكو من خلال التركيز على انتهاك السيادة الإيرانية والقانون الدولي، إلى تصوير الأحداث كجزء من تآكل المعايير الدولية، وتقديم نفسها كمدافعة عن مبادئ السيادة في مواجهة السلوك الأمريكي. بالتوازي مع الإدانات العلنية، حاولت موسكو التحرك في الساحة الدبلوماسية بهدف تصوير نفسها كطرف معني بالأزمة. ففي الأيام الأولى للحرب، أجرى بوتين سلسلة اتصالات مع رؤساء دول، وعرض على واشنطن المساعدة في التوسط مع إيران، لكن ترامب رفض الطلب بسخرية.

إلى جانب الاتصالات الدبلوماسية مع قادة المنطقة، تحركت موسكو أيضا في الساحة المؤسسية الدولية. وفي 11 مارس/آذار، حاولت تقديم مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي يدعو جميع الأطراف إلى الوقف الفوري للأنشطة العسكرية وتجنب المزيد من التصعيد، إلا أن الاقتراح لم يقبل. ومع ذلك، قبل اقتراح البحرين بإدانة الهجمات الإيرانية، بعد أن امتنعت روسيا والصين عن التصويت ولم تستخدما حق النقض (الفيتو).

المشروع النووي

ويقول التقرير إنه إلى جانب المخاوف بشأن التداعيات الجيوسياسية السلبية على روسيا، تبدي موسكو قلقا بالغا إزاء الأضرار التي قد تلحق بمحطة بوشهر النووية.

وينبع هذا القلق أساسا من التداعيات السياسية والعملية المترتبة على إلحاق الضرر بالمشروع الرائد للتعاون النووي مع إيران. فالضرر لا يقتصر على التسبب في خسائر اقتصادية والإضرار بأحد ركائز العلاقات بين موسكو وطهران، بل قد يعرض أيضا حياة المواطنين الروس العاملين في الموقع للخطر، ويقوض أحد أهم مراكز النفوذ الروسي في قطاع الطاقة في الشرق الأوسط.

فرص جديدة

وحسب المعهد الإسرائيلي، فإنه إلى جانب المعضلات المذكورة، تتيح الحرب أيضا سلسلة من الفرص لروسيا. فهي تحول الاهتمام الدولي والموارد الغربية بعيدا عن جبهة القتال في أوكرانيا، كما أن عدم الاستقرار الإقليمي والخوف من انقطاع إمدادات النفط قد بدأ يخدم المصالح الاقتصادية الروسية، إذ تشير التقديرات إلى أن إيراداتها تتزايد بنحو 150 مليون دولار يوميا، بل إن التوترات في الخليج تعزز مكانتها كمورد للطاقة للصين.

استمر التعاون الأمني بين روسيا وإيران خلال الحرب. وقد ذكرت مصادر أمريكية أن موسكو زودت إيران بمعلومات استخباراتية تهدف إلى مساعدتها في مهاجمة الأصول العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط

ويرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أنه إلى جانب الفرص الاقتصادية في الأزمة، استمر التعاون الأمني بين روسيا وإيران خلال الحرب. وقد ذكرت مصادر أمريكية أن موسكو زودت إيران بمعلومات استخباراتية تهدف إلى مساعدتها في مهاجمة الأصول العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، بعد أن عطلت الولايات المتحدة الاتصالات الفضائية الإيرانية. كما تساعد روسيا إيران في تطبيق تكتيكات متقدمة لتشغيل الطائرات المسيرة التي تم اختبارها وتطويرها خلال الحرب في أوكرانيا.

وطبقا للتقرير، ساد الذهول والقلق في وسائل الإعلام وتصريحات الخبراء الروس في الأيام الأولى من الحرب، ما عكس مشاعر الحكومة الروسية. واعتبر اغتيال زعيم البلاد سابقة غير مسبوقة، وأثار تساؤلات حول مستقبل النظام الإيراني، بل وحتى احتمالية انهياره السريع. إلا أنه مع اتضاح استمرار النظام في العمل، وقدرة إيران على الرد عسكريا، تغيرت نبرة التعليق الروسي، حيث حلت رواية أكثر ألفة محل النقاش حول مسألة بقاء النظام، مؤكدة على محدودية القوة الأمريكية، وصمود إيران في وجه الضغوط العسكرية، والمخاطر الاستراتيجية التي قد تشكلها مثل هذه الخطوة على الولايات المتحدة نفسها.

كما انعكس هذا التوجه أيضا في الرسائل الرسمية للكرملين. ففي رسالة تهنئة أرسلها بوتين إلى مجتبى خامنئي بعد انتخابه مرشدا أعلى، تم التأكيد على الثقة بأن المرشد الجديد “سيواصل مسيرة والده بكل فخر”. يعكس هذا التركيز اهتمام روسيا بتقديم تغيير القيادة في إيران كاستمرار مباشر للنهج القائم، لا كنقطة تحول قد تقوض استقرار النظام والتعاون بين موسكو وطهران.

ويشير التقرير إلى تحذيرات بعض المراقبين الروس من نوايا كيدية غربية ضد روسيا، ومن أن التراجع أمامها يعني المزيد من التهديد.

الانعكاسات على النظام الدولي

وإلى جانب مناقشة الدروس الاستراتيجية لروسيا نفسها، يقول التقرير الإسرائيلي إنه دار نقاش واسع في روسيا حول التداعيات النظامية للحرب. فوفقا لفيودور لوكيانوف، أحد أبرز خبراء السياسة الخارجية في روسيا والمقرب من بوتين، فإن الحرب في إيران تعبير واضح عن تآكل النظام الدولي المؤسسي، وانتقال إلى عصر تصبح فيه القوة أداة مركزية في العلاقات الدولية.

وبحسب رأيه، تظهر هذه الحملة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتصرفان دون أي محاولة جادة لاكتساب شرعية قانونية أو دولية، مما يرسخ معيارا يبرر العمل العسكري بالقدرة العسكرية وحدها. ويضع لوكيانوف هذا التطور ضمن سياق أوسع لتفكيك النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، والذي بدأ في حرب الخليج الأولى واستمر عبر غزو العراق، وأحداث “الربيع العربي”، والحروب في سوريا وليبيا.

القضاء على القيادة الإيرانية يعزز الاعتقاد بأن القدرة النووية هي الضمانة النهائية لبقاء النظام. ونهج ترامب، الذي يفضل المواجهة المباشرة مع الدول على أساس ثنائي بدلا من إطار المؤسسات الدولية، يضعف النظام الدولي

ويؤكد أن القضاء على القيادة الإيرانية يعزز الاعتقاد بأن القدرة النووية هي الضمانة النهائية لبقاء النظام. ويرى أن نهج ترامب، الذي يفضل المواجهة المباشرة مع الدول على أساس ثنائي بدلا من إطار المؤسسات الدولية، يضعف النظام الدولي ويشجع على الاعتماد على القوة العسكرية، مما يؤدي إلى فوضى عالمية مدارة تسهم في الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة.

ويرى مراقبون روس أن هذه السياسة ترسخ مكانة الولايات المتحدة كمنافس جيوسياسي لروسيا، وتقلل من جدوى الحوار مع ترامب، الذي ينظر إليه كشريك غير متوقع وغير موثوق به بعد التطورات في إيران.

إضافة إلى ذلك، يرى هؤلاء المراقبون الروس المقربون من بوتين أن نظام الحد من التسلح الاستراتيجي السابق قد تفكك، وأن الاستقرار الاستراتيجي العالمي قد تراجع، ولذا يتعين على روسيا تطوير نماذج ردع جديدة بالتعاون مع الصين والهند وقوى أخرى. ويرون أيضا أنه نظرا لطول أمد العقوبات المفروضة على روسيا، يجب على موسكو التركيز على التنمية الداخلية وتعميق العلاقات مع شركاء من خارج الغرب، وعلى رأسهم الصين وإيران وكوريا الشمالية.

في الوقت نفسه، يشددون على أن إيران شريك استراتيجي مهم لروسيا، وأن نتائج الحرب الحالية ستؤثر على المنطقة الواقعة جنوب حدودها وعلى الشرق الأوسط بأكمله.

تداعيات ذلك على إسرائيل

ويرى المعهد الإسرائيلي أن السياسة الخارجية الروسية تستند حاليا إلى توازن استراتيجي حذر. فبينما تقدم موسكو دعما دبلوماسيا واسعا لإيران وتدين تصرفات الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنها تحرص على تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تصعيد لا رجعة فيه لعلاقاتها مع واشنطن وتل أبيب.

وقد عبر المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، عن هذا الموقف بوضوح، مؤكدا أن “هذه الحرب ليست حربنا”، وهو تصريح يظهر بوضوح أنه رغم التضامن الدبلوماسي مع طهران، فإن موسكو لا تعتبر نفسها طرفا فاعلا في هذه الحرب.

وطبقا للمعهد، ينبع هذا الحذر في المقام الأول من تركيز روسيا على الحرب في أوكرانيا، ورغبتها في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع إدارة ترامب، لا سيما فيما يتعلق بمفاوضات إنهاء الحرب.

ويخلص معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إلى القول: “مع ذلك، ستواصل موسكو النظر إلى إيران كشريك مهم، ولا يتوقع منها أن تتحرك لخدمة المصالح الأمنية الإسرائيلية، رغم إمكانية أن تكون، نظريا، قناة اتصال مع طهران. وبالنظر إلى المستقبل، إذا لم يتم إحباط البرنامج النووي الإيراني في الحرب الحالية، فمن المرجح أن تحاول روسيا المشاركة في مناقشات حول تسوية مستقبلية للقضية النووية. قد يصعب هذا التطور الأمور على إسرائيل، لأن موسكو ليست ملتزمة بالمصالح الإسرائيلية”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *