بأشكال متنوعة وعلى أصعدة سياسية وأخلاقية وتعبيرية مختلفة، حضرت حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة في العديد من المهرجانات الأدبية والفنية على امتداد أوروبا والولايات المتحدة، والأصداء عكست تقاطع المواقف وتباين الأحكام، بين انحياز لدولة الاحتلال وتبرير جرائم الحرب تحت مسميات زائفة، أو إدانة الفظائع واستهداف المدنيين وقصف المشافي والمدارس والمساجد ومخيمات اللجوء.
وكان لافتاً أن ادعاء معظم الديمقراطيات الغربية التمسك بمبدأ حرية التعبير قد افتُضح مراراً وتكراراً كلما انطوى مهرجان أو مؤتمر على تمثيل فلسطيني أو تضامن مع شعب غزة الخاضع للإبادة والحصار، فجرى إلغاء حضور مدعوة أو مدعو أو عمل فني، وحُجبت جائزة ذات صلة بالقضية الفلسطينية، وسُحب تكريم كان قد مُنح أصلاً قبيل شنّ حرب الإبادة.
ومن المؤسف، والفاضح أكثر، أن هذه الرقابة الصارخة لم تقتصر على الجهات الحكومية الخاضعة لمجموعات الضغط الصهيونية والإسرائيلية أو المرتبطة بها، بل شملت الهيئات الخاصة وأنشطة المجتمع المدني التي يتوجب أن تتمتع باستقلالية القرار وواجب الالتزام بالمعايير الأخلاقية في العمل العام. وآخر تجليات هذه الحال كانت مواقف بعض مسؤولي مهرجان برلين السينمائي، حيث جرى ترويج ذريعة مضحكة زائفة بقدر ما هي بائسة وركيكة، مفادها أن الفن السابع لا علاقة له بالسياسة.
كان جلياً في المقابل أن الأصوات الحرة والضمائر الحية لم تُسكت أو تُخنق، فكان لها تأثير بليغ في تصحيح اعوجاج مخزٍ لا يُلحق العار بالمسؤولين عنه وحدهم، بل يلطخ سمعة الآداب والفنون والجوائز ذاتها، ويسحب قسطاً كبيراً من مصداقيتها المعنوية والمسلكية والأخلاقية. ولم يكن أمراً عابراً أن يشهد مهرجان فينيسيا السينمائي تصفيقاً حاراً دام أكثر من 24 دقيقة لشريط التونسية كوثر بن هنية “صوت هند رجب”، الذي يوثق مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب داخل سيارة بأكثر من 355 رصاصة أطلقها جنود الاحتلال.
والشريط ذاته عاد ليتصدر مؤخراً أخبار مهرجانات السينما، حين رفضت السلطات الأمريكية منح تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة للفلسطيني معتز ملحيس أحد أبطال الفيلم، الذي كان مدعواً إلى حفل جوائز الأوسكار الشهيرة في لوس أنجليس بالنظر إلى اختيار الشريط للمنافسة على جائزة الفيلم الأجنبي. لكن الممثل الإسباني المرموق خافيير بارديم بادر إلى التعويض وإعلاء الصوت الشجاع في أرجاء القاعة، فصعد إلى المنصة وعلى صدره شارة فلسطينية، ثم هتف: “لا للحرب، الحرية لفلسطين”.
وقبل هذه الواقعة، شهد مهرجان كان الفرنسي العريق ظهور جوليان أسانج مؤسس موقع وكيليكس وقد ارتدى قميصاً كُتبت عليه أسماء 4,986 طفلاً فلسطينياً شهيداً برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، وخلال دورة سابقة كانت الممثلة الأسترالية ــ الأمريكية كيت بلانشيت قد ارتدت فستاناً يحمل ألوان العلم الفلسطيني.
وهكذا، إذا كانت الجوائز تغيب أو تُحجب أو تُلغى بسبب من التمثيل الفلسطيني، فإن الضمائر لا تحضر نصرة للشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه فقط، بل لكي تفضح زيف ادعاءات حرية التعبير، وأكاذيب تنزيه الآداب والفنون عن السياسة.