ندما وصلت الاحتجاجات الشعبية في إيران ذروتها، خاطب الرئيس الأمريكي المتظاهرين: “أيها الوطنيون الإيرانيون، استمروا في الاحتجاج! سيطروا على مؤسساتكم! اذكروا أسماء من قتلوكم واعتدوا عليكم. سيدفعون ثمناً باهظاً. المساعدة في الطريق إليكم! ميغا: لنجعل أمريكا عظيمة”. وقد غرد ترامب على حسابه في الشبكات الاجتماعية في 13 كانون الثاني، وأنهى تغريدته بشعار وجد ترحيباً من قبل الإيرانيين: لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى”. وبفضل الدعم الأمريكي، واصل معارضو النظام التظاهر، لكن المساعدة لم تصل. وقتل الآلاف وربما عشرات الآلاف في الشوارع.
في 28 شباط، عندما أعلن عن اندلاع الحرب في فيلم فيديو نشر في الإنترنت، كرر ترامب الدعوة لتغيير النظام وقال: “عندما ننتهي استولوا على حكومتكم. ستكون لكم. فقد عليكم أخذها”. وبعد أسبوعين، في مقابلة مع فوكس نيوز، ظهر ترامب مختلفاً. المذيع سأل بريان كيلمد إذا كان ما زال يؤيد الاحتجاجات في إيران في ظل القمع العنيف الذي تستخدمه قوة الباسيج. أجاب: “أنت ذكرت للتو أن هناك مجموعة من الأشخاص يتجولون وهم يحملون الرشاشات ويطلقون النار على الناس ويقولون: أي شخص يحتج سنقتله في الشارع. لذلك، أعتقد أن ذلك سيشكل عائقاً أمام أي شخص يريد الاحتجاج. من سيرغب في ذلك؟ هؤلاء الأشخاص يتجولون وهم يحملون الرشاشات ويطلقون النار على أعداد كبيرة إذا أرادوا الاحتجاج”.
وكشف الرئيس الأمريكي على الهواء مباشرة بأنه كان يكتشف خلال الحرب المعلومات الأساسية التي يفحصها الزعماء قبل شن الحرب.
وكعادته، تحدث أيضاً في الوقت الفعلي عن عملية التفكير التي مر بها، دون أدنى شعور بالخجل الذي قد يتوقعه الشخص من أي رئيس أو أي شخص ارتكب مثل هذه الأخطاء الجسيمة. بعد حديثه عن ثورة شعبية وتغيير سريع للنظام، ظهر ترامب في الحوار مع كلميد وكأنه يعرف أن النظام في إيران قد يبقى قائماً مهما بلغ نجاح الهجمات وعدد القادة الذين سيتم القضاء عليهم، بالضبط مثلما حذرت تقديرات البنتاغون على مر السنين.
حسب تقارير في “وول ستريت جورنال” والـ “سي.إن.إن”، لم يكن ترامب مستعداً لاحتمالية قيام النظام في إيران بتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز. بل إن رئيس هيئة الأركان الأمريكية، الجنرال دان كين، حذر مسبقاً من أن الحرب قد تمتد إلى البحر وتؤدي إلى إغلاق المضيق بشكل كامل. وحسب الصحيفة، فإن ترامب استبعد هذا التقدير وقال “الجيش الأمريكي سيتعامل مع الجيش الإيراني قبل ذلك، وحتى إذا حدث ذلك، فالولايات المتحدة يمكنها مواجهة أي تحد كهذا”.
في مقابلة أخرى مع كلميد في الأسبوع الماضي، سئل ترامب ما إذا كانت سفن الشحن يمكنها عبور مضيق هرمز دون خوف، قال بأنه يؤيد الفكرة، رغم أن إيران ما زالت تحاول وتنجح في مهاجمة السفن. وقال ترامب وهو لا يخفي غضبه: “يجب على السفن عبور المضيق بشجاعة. لم يعد لديهم أسطول، أغرقنا كل سفنهم”.
بعد ذلك، في حديثه مع المراسلين في البيت الأبيض بعد بضعة أيام، اعترف ترامب بأمر قلما يتجرأ أحد على فعله: “لقد هاجمنا للتو سفناً إيرانية، ووصلنا بالفعل إلى 60 سفينة. لم أكن أعرف أن لديهم أسطولاً بهذا الحجم”. بكلمات أخرى، شن الرئيس الأمريكي حرباً على دولة، ولم يكتشف حجم أسطولها إلا في الأسبوع الثاني. مع ذلك يطلب من الشركات الخاصة والبحارة المخاطرة بحياتهم لنقل البضائع. كل ما هو مطلوب منهم هو القليل من “الشجاعة”.
إن الجهل والكشف المتأخر وعدم الشفافية بشأن العملية، كل ذلك لا يقتصر على الحرب في إيران. ربما بالغ الشخص الذي ترشح للرئاسة في 2024 عندما وعد بتحقيق السلام بين روسيا وأوكرانيا خلال 24 ساعة. لكنه كان يؤمن وبحق بقدرته على المضي باتفاق سلام والفوز بجائزة نوبل. مع ذلك، من خلال حوارات متكررة مع الكرملين، خاب أمل ترامب عندما اكتشف بأن بوتين ليس صديقه وأنه لا يسعى إلى السلام.
في مناسبات كثيرة في الصيف الماضي، تحدث ترامب عن خيبة الأمل المؤلمة التي أصابته، ونسب الفضل في ذلك لزوجته ميلاني التي لفتت انتباهه كثيراً إلى حقيقة أن بوتين يشوه سمعته ويكذب عليه. هو يعد بالسلام ثم يقوم بقصف مدينة أو دار مسنين. وقال ترامب في تموز الماضي: “عندما عدت إلى البيت قلت لها: اليوم تحدثت مع فلاديمير، كان حديثاً رائعاً. قالت: حقاً؟ لقد تم قصف مدينة أخرى”.
على هامش اجتماع مع السكرتير العام في حلف الناتو مارك روتيه في تموز الماضي، كرر القصة بطريقة مختلفة. أعود إلى البيت. “سيدتي الأولى. أجريت أفضل محادثة مع فلاديمير. أعتقد أننا انتهينا”. ثم أشغل التلفاز، أو أنها تقول: “هذا غريب. لقد قصفوا الآن دار مسنين”.
إن استخفاف ترامب وسلوكه كهاو هو الصفة التي تميز جميع المقربين الذين أوكل إليهم سلطات مهمة. المثال الأبرز هو مبعوثه متعدد المهمات ستيف ويتكوف، الذي يعتقد أن خبرته في مجال العقارات جعلته خبيراً في الصفقات. في إسرائيل يتم ذكر ويتكوف كشخص ساهم في إنهاء الحرب في غزة، لكن وزارة الخارجية الأمريكية تنظر إليه بريبة في كل مرة يرسل فيها إلى مهمة وهو متسلح بتصوره الذاتي بأنه يفهم الدبلوماسية والعلاقات السياسية أفضل من المحترفين والخبراء.
في مقابلة مع قناة “سي.بي.اس” في نهاية الأسبوع الماضي، سئل ويتكوف عن التقارير التي تفيد بأن روسيا ترسل معلومات استخبارية مهمة لحليفتها إيران. قال: “يمكنني أن أؤكد لكم بأنه أمس فقط، في محادثة مع الرئيس، أخبرنا الروس بأنهم لا يتبادلون المعلومات الاستخبارية مع إيران… هذا ما قالوه. لذلك، كما تعلمون، يمكنكم تصديق كلامهم”، هذا ما قاله مطور العقارات في نيويورك عن الكرملين، الذي يترأسه عميل سابق في جهاز المخابرات السوفييتية الـ “كي.جي.بي”.
نتنئيل شلومو فيتس
هآرتس 16/3/2026