سيرة إبداعٍ أزاحه المناخ الثقافي



محمد عبد الرحيم

القاهرة ـ «القدس العربي» : «هل يمكن القول إن أمين ريان كان يمثل حقا، بجانب قدراته الفنية المتوهجة، رؤية أعلى من كثيرين ممن لمعوا في فترة الواقعية؟ أعتقد ذلك. ولهذا أحببت هذا العمل، ليبقى دائمًا عملا جديدا، ويصحح نظرتنا إلى تاريخ الرواية العربية». هكذا كتب الناقد سيد البحراوي عن رواية «حافة الليل»، في شهادة تختصر جانبا مهما من المفارقة التي أحاطت بتجربة أمين ريان: قيمة فنية وأدبية رفيعة، لم تقابلها المكانة نفسها في تاريخ التلقي والاعتراف.
ولا تبدو استعادة تجربة أمين ريان، في الذكرى المئوية لميلاده، مجرد مناسبة عابرة للاحتفاء باسم جمع بين التشكيل والكتابة، بقدر ما تفتح بابا واسعا لإعادة النظر في آليات التقدير والإقصاء داخل الحياة الثقافية المصرية. فالرجل، الذي امتلك مشروعا فنيا وأدبيا لافتا، ظل لسنوات طويلة بعيدا عن المكانة التي يستحقها، في وقت حظيت فيه أسماء أخرى بمساندة المؤسسة الثقافية والنفوذ السياسي. ومن هنا تبدو العودة إلى أمين ريان اليوم أقرب إلى مساءلة تاريخ كامل من التهميش، لا إلى مجرد استذكار مبدع كبير غاب في صمت.
وفي هذا السياق، أقيمت في أتيليه القاهرة، مؤخرا، ندوة احتفائية بمرور مئة عام على ميلاد الفنان التشكيلي والكاتب أمين ريان (21/2/1925 ــ 18/12/2014)، أدارها الناقد والفنان أحمد الجنايني، وشارك فيها كل من القاص والناقد سيد الوكيل، والقاص أسامة ريان، والناقد أسامة عرابي، والشاعر والناقد شعبان يوسف. وقد كشفت كلمات المشاركين، على تباينها، أن أزمة التهميش الثقافي ليست طارئة، بل تمتد جذورها في بنية المشهد الثقافي المصري، حيث كثيرا ما صعدت أصوات بفعل القرب من السلطة السياسية ومؤسساتها، فيما دُفعت أصوات أخرى إلى الهامش. وفي ما يلي جانب من الشهادات والآراء التي طُرحت خلال الندوة.

إبداع يستحق الدرس والنقد

 تحدث بداية الفنان أحمد الجنايني قائلاً.. رأيت بالفعل عالماً تشكيلياً يستحق الوقوف أمامه والاحتفاء به، لاسيما وأن صاحبه رحل في صمت شديد، ولم يأخذ حقه المطلوب. فقد اهتم بالتجريب وماهية اللغة التي يتحدث بها بصرياً، تلك اللغة التي اهتم بها عبر تأثير المجتمع الذي يعيشه ولم يقع في شرك الحداثة أو ما بعدها، أو شرك تلك المدارس الأوروبية التي جاءت إلينا وافدة. وبجانب إبداعه البصري التشكيلي جاء إبداعه الأدبي كما في القصة والرواية، وقد نشر روايتين في غاية الأهمية.. «حافة الليل» و»القاهرة 51»، أو (المعركة) في نسختها الأولى، حيث تعرّضت الأولى إلى الصراعات السيكولوجية والاجتماعية للفنان التشكيلي، وهي بمثابة التأريخ لتلك الفترة وفنانيها. أما الثانية فتعرّضت إلى قاهرة ما قبل يوليو/تموز 1952، إضافة إلى قصص ونصوص مؤثرة جمالياً وفكرياً. وسواء جاءت هذه الإبداعات تشكيلية أو أدبية فهي تحتاج الوقوف أمامها طويلاً بالدرس والنقد.

الجمالي والاجتماعي

ومن جانبه يرى الناقد أسامة عرابي، أن تجربة أمين ريان لا تفصل بين الجمالي والاجتماعي، فلوحة (الشهيد)، على سبيل المثال، تمخضت عن تجربته في بور سعيد ضد العدوان الثلاثي، فقد انضم إلى المقاومة الشعبية التي تصدت للهجمة الاستعمارية، وظل بها حتى انسحاب القوات البريطانية في 23 ديسمبر/كانون الأول 1956 حتى أصبحت اللوحة معلما من معالم فن الملصقات في مصر. كما فاز ريان بجائزة الأحرار الطليعيين عام 1957 عن لوحة (حفر القناة)، إلا أن ذلك لا يعني أن الرجل انساق وراء السياسي فقط وتوثيقه، بل رأى الفن أداة للكشف والمعرفة، جنباً إلى جنب مع الفكر، فهو فنان مهموم بحالة المجتمع ومشكلاته، دون البحث عن كسب أو منفعة، فكان دائماً ما يبحث عن الفجوة بين التاريخ الرسمي والتاريخ الحقيقي، ما جعل دراسته نوعاً من التنقيب والحفر، فعالج الحدث أدبياً وفنياً، لإيمانه بأن في كل سرد مستقبل يستبصره المتلقي تفسيراً وتأويلاً، ما جعله دائماً في مواجهة النظام السياسي. ولا ينسى عرابي الإشارة إلى أن ريان تتلمذ على يد الفنان أحمد صبري، الذي يعد المُعلم المصري الأول لأجيال الفنانين المصريين، بخلاف جيل الأجانب من معلمي كلية الفنون الجميلة.

الحي والمُعاش

من جانبه يرى القاص والناقد سيد الوكيل أن كتابات أمين ريان دائماً ما تستند إلى خبرة ومعايشة، فهو لا ينطلق أبداً من معان أو مقولات كبرى، كدأب كُتّاب الحداثة من أبناء جيله، ولا تدفعه أيديولوجيات من أي نوع إلى الكتابة غير ما هو حي ومُعاش بين الناس. حتى عندما يتناول الأحداث الكبرى، ويتبنى المواقف السياسية، هو يفعل ذلك من خلال تجربة معاشة، فروايته «القاهرة 1951» التي تناولت حريق القاهرة خرجت عن مشاركة في فريق عمل ميداني مع كمال الملاخ وحسن حاكم.

استبعاد مزمن

وعن حالة التجاهل المُتعمّد لأمين ريان، يضيف القاص أسامة ريان ابن أمين ريان في شهادته قائلاً.. تملكته قناعة بأن العمل الجيد يفرض نفسه، راح يشحذ أدواته منذ نعومة أظفاره كفنان تشكيلي يتبع أساتذة كبارا في الفنون الجميلة، وأهمهم أحمد صبري، حتى ذاع صيته كتلميذ بارع لصبري، وسرعان ما حصد عدة جوائز مهمة في أربعينيات القرن الماضي، لكن مع قيام ثورة 1952 شعر كشأن آخرين بحالة من الاستبعاد، بعدها أصبح يقرأ عليّ ما يكتب وتتصاعد نقاشاتنا، وأصبحت مشاركاً له في تلك الإحباطات التي تمحورت في أغلبها حول النشر، فكيف ينال هذا الإعجاب من أولي الأمر، لكن تتغلب قوى خفية تعوق هذا النشر، خاصة أن له مشاعر سلبية تجاه تولّي الضباط أمر ثقافتنا عبر زمن ليس بالقصير، لدرجة أنه ظل يظن في امتداد نفوذهم حتى آخر أنفاسه.

قطيع المؤدلَجين

ومن ناحية أخرى يرى سيد الوكيل أن المنحى الوطني لأمين ريان في فضح الفساد السياسي، لم يرض ذائقة النقاد المؤدلجين، الذين اعتبروا روايته الأولى «حافة الليل» مغلقة على نفسها، في تناولها لواقع غير اجتماعي يختص بجماعة من الفنانين التشكيليين، يسكنون مرسما. وكان هذا رداً على كاتب قرر أن يخرج على نظام القطيع، ويشق لنفسه نهجاً خاصاً في رؤية الواقع المصري. فالمشهد الأدبي كان يعاني هوساً باتجاه وحيد ممثلا في الواقعية الاجتماعية، بروافدها المؤدلجة الممثلة في اتجاهي الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية. لقد انهمك المشهد الأدبي منذ بداية الخمسينيات في نسق أحادي يمتثل لثقافة القطيع التي تنظر لأي خروج عليها بوصفه شذوذا جديرا بالعقاب. وفي هذا السياق، همشت تجارب وطرائق في التعبير السردي، كان يمكنها أن تثري المشهد الأدبي وتطوره. وربما نتيجة لذلك لم يحظ السرد العربي حتى الآن بمكان مناسب على خريطة الأدب العالمي باستثناء الناجي نجيب محفوظ، ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن «حافة الليل» كتبت عام 1948، وهو تقريباً التوقيت نفسه الذي بدأت فيه الرواية العربية رحلة نضجها الفني مع «زقاق المدق» عام 1946. ويُشير الوكيل وكذا شعبان يوسف أن يوسف إدريس، كان له دور كبير في إقصاء وتهميش صوت أمين ريان، وغيره من الأصوات الأدبية، فقد مثّل إدريس صوت يوليو 1952، وسانده ضباطها بكل الطرق، من نشر ومتابعات نقدية واحتفاءات لا حد لها.
ويستكمل الوكيل.. من المؤسف حقاً أن أحدا لم يلتفت إلى تجربة أمين ريان إلا بعد فوات الأوان. بل ومن المضحك أننا لم نمنحه جائزة الدولة التشجيعية إلا وهو على مشارف الستين من العمر، فيا له من تشجيع جاء في الوقت المناسب!

أماكن وناس أمين ريان

وبنظرة سريعة على لوحات أمين ريان نرى كيفية الاهتمام بصياغة المكان وتفاصيله أولاً، ومن هذا المكان تستمد الشخصيات وجودها وتكوينها الجسماني والنفسي، الأمر لا يندرج تحت فكرة النقل والتجسيد، بل تشكيل روح المكان من خلال شخصياته، بمعنى أنه يعرف تماماً المكان وناسه الذين يُعبّر عنهم. من جهة أخرى نجد الموضوعات التي تهم الفنان وتصبح داخل نطاق تجربته الجمالية هي موضوعات ترتبط بزمن وظرف اجتماعي شيخ الكُتّاب ورواده، بائعات السوق، بائعة اليانصيب، وكذا مظاهر مثل عروس المولد والأجواء الشعبية في حواري وأزقة القاهرة. وربما تأتي لوحتا (بائعة اليانصيب) و(الشهيد) من أكثر هذه اللوحات تعبيراً وصدقاً فنياً، فالإضاءة وإن كانت مُنصَبّة على وجة الفتاة أو المرأة، إلا أنها كاشفة عن وجه أقرب إلى وجوه المومياوات، وهي نفسها حالة التناقض حيث تعاني الفتاة الفاقة، ولكنها في الوقت نفسه تحمل وتبيع أوراقاً تشي بثروة موعودة، تماماً كحال أبناء الشعب. أما الشهيد فأرضية اللوحة تستمد لونها من جسده، وكذا بعض الرفاق الذين يحملون جثمانه يتخذون لون الجسد نفسه، وكأنهم في خطواتهم المتقدمة لا يخشون هذا المصير. ناهيك عن تغييب تفاصيل الوجوه، وهو اختيار مُتعمّد من الفنان، حتى لا يقتصر أو يختص ملمح لوجه معيّن بحالة النضال والشهادة التي يجتمع وفق مفهومها الكثير من مناضلي مصر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *