الحكاية تساهم في تعريف الأطفال إلى مشاعرهم والتعبير عنها


بيروت – «القدس العربي»: قبل أن يتحول العدوان الصهيوني المستمر على لبنان منذ سنة 2024 من متقطع، إلى إجرامي متواصل على مدار الساعة، كنت قد اجريت حواراً مع الراوية نتالي صبّاغ عن شغفها بالسرد. فحضور حاشد قصد المكتبة العامة الياس خوري لينصت إلى حكاياتها الطريفة في ليل سبق للعدوان. ومع نزوح أكثر من ربع اللبنانيين واستقرار أكثرهم في المدارس الرسمية في بيروت، إمتشقت نتالي صبّاغ ما تتقنه لتساهم بصمود اطفال الوطن.
وباتت تمضي ما تيسّر من الوقت في مدارس الإيواء، تجمع الأطفال النازحين حولها، وتختار لهم الحكايات التي تنقلهم من واقع تشردهم عن منازلهم ومدارسهم، إلى واقع فيه بعض من الخيال.
ولهذا عدت إليها لأسألها عن الدور الذي يلعبه الراوي أو الراوية لدى الأطفال في مثل هذه الظروف؟ قالت: يدعم السرد القصصي الصحة النفسية لدى الأطفال، خاصة خلال ازمات مماثلة، يتعرضون خلالها لمستويات مرتفعة من الخوف والتوتر وعدم اليقين. تساعد الحكاية على تخفيف التوتر والخوف لدى الطفل، وتنقل ذهنه مؤقتاً من واقع الضغوط إلى عالم رمزي آمن. وعندما يشاهد شخصيات في القصة تواجه صعوبات وتتجاوزها، فهذا يمده بالأمل. ومن جهة ثانية توفر الحكاية مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر. والقصص التي تعكس مشاعر الخوف أو الحزن أو الفقد بأسلوب رمزي، تسمح للأطفال بالتعرّف إلى تلك المشاعر والتحدّث عنها. وأخيراً وليس آخراً تُعزز الحكاية الصمود النفسي ومشاعر الأمان والإنتماء خاصة عندما تروى في جلسات جماعية.
في حاضرنا يرى كثيرون صلة للحكواتي بشهر رمضان. لكن نتالي صبّاغ تؤكد: هو موجود في كل زمان ومكان، يكون الحكواتي حيث تكون «لمّة» الناس، كالمقاهي، حيث ليالي السمر. والحكواتي موجود قبل عصر التلفزيون ووسائل التواصل. والسهرات تشهد مزيداً من المشاركين خلال شهر رمضان، وموعدها يسبق السحور حيث يلتفّ الناس حول الحكواتي. رمضان بحد ذاته شهر يعيد الناس إلى حياة قديمة من المؤكد لا يعرفها جيل اليوم. ويترافق مع تقاليد «جَمْعَة» العائلة، والطعام الذي يُذكّر بالجدات. إذاً صلة الحكواتي بشهر رمضان تعود للعادات والتقاليد فقط لا غير.
□ وهل لحكايات شهر رمضان مضمونها الخاص؟
■ أختار الحكايات التي تشجع الناس على استخلاص العبرة بذاتهم. من المفيد أن نروي كحكواتيين ما له صلة بالمبادئ والقيم وغيرها. أميل إلى حكايات فيها حسّ الفكاهة. مع جمهور الأطفال يعيد الراوي طرح الرسالة التي تتضمها حكايته. ومع جمهور الكبار يسرد الحكاية بأسلوب غير مباشر، فالراوي ليس واعظاً، وهدف الحكاية التسلية والترفيه، إلى جانب العبرة المبطنة.
□أين فرض العصر الذي نعيشه ذاته على الحكاية؟
■ لم يمض زمن على مشاركتي في لقاء دولي إلى جانب العديد من الحكّائين. بعضهم ادخل الشاشة إلى سرديته وغيرها من مستجدات التكنولوجيا. بدأتُ حياتي المهنية مدرّسة، والحكاية كانت وسيلتي المعتمدة لإيصال الدرس للتلامذة. وعندما سمحت لي الفرصة لأكون حكواتية وجدتني اجتهد في متابعة كل دورة تدريبية وكل ورشة عمل تساعدني على التمكن من هذه المهمة. كثيرون يسألونني عن حكاية من عصرنا؟ جوابي أن الحكواتي والحكاية من تراثنا، وليس لنا أن نزيل تلك الهالة عنها. دورنا هو الحفاظ على ذاك الموروث الشفوي كما هو.
□ومع ذلك نسأل عن وجود مغريات لجذب الجيل الجديد إلى الحكاية؟
■ إنه دور الأهل في تشجيع اطفالهم على المشاركة في الإصغاء للراوي. بدأت كراوية في المكتبات العامة وبحضور خمسة اطفال، ومع الوقت ارتفع العدد إلى الخمسين. الملاحظ أن الجيل الحالي يعاني ضعفاً ملحوظاً باللغة العربية. والأهل يسألون عن الحل. الجواب بسيط ويتمثّل بالحكاية التي تزيد من القاموس اللغوي لدى الطفل، وتنمي خياله. وجود الطفل ضمن مجموعة من الأطفال يزيد من تنمية احساسه الإجتماعي.
□هل يختلف تلقي الطفل للحكاية بين مكتبة عامة وآخر في الهواء الطلق؟
■وجوده في المكتبة العامة يشجعه لإستعارة كتاب، وهي عادة سوف يكتسبها. ولا بدّ من الإشارة إلى الأشغال اليدوية التي تلي كل حكاية للأطفال، وتحفيزهم على تمثيل الحكاية.
□هل تلحظين نمواً في دور الحكواتي؟
■بكل تأكيد، وفي كل عام نلحظ اننا نسجّل خطوات إلى الأمام. والأمل بمزيد من التطور كبير.
□ أجمل حكاية ترغبين بتكرارها؟
■ إنها حكاية «الفارة الفرفورة» المرتبطة ببداياتي مع الراوي. أخذت هذه الحكاية من استاذي جهاد درويش، وبدوره أخذها من اللغة الفرنسية. بدأت رحلتي معها على مسرح دار الأيتام الإسلامية في بيروت برفقة الصديق الحكواتي خالد النعنع، ووجدت الكثير من التشجيع. وبتّ اُعرف ب»الفارة الفرفورة». ومن المؤكد أن كل حكواتي يترك بصمته على الحكاية ولو حكاها مئة حكّاء.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *