عاموس هرئيل
صعدت الولايات المتحدة غاراتها الجوية على إيران في نهاية الأسبوع مهددة بإلحاق أضرار بالبنية التحتية النفطية في جزيرة خرج، التي تمر عبرها معظم صادرات النفط الإيرانية (ركز الهجوم الأولي حالياً على المواقع العسكرية في الجزيرة)، وتهدد إسرائيل التي تلعب دوراً محورياً في القصف على إيران توسيع حملتها ضد حزب الله في لبنان والسيطرة على كل الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني. وتعد الولايات المتحدة وإسرائيل بأن هذه التحركات ستحدث تغييراً جذرياً في مسار الصراع، لكن إيران وحزب الله يسعيان إلى شن حرب استنزاف لصد محاولة فرض واقع استراتيجي إقليمي جديد.
بعد أسبوعين ويوم على اندلاع الحرب، باتت الولايات المتحدة وإسرائيل تتمتعان بتفوق عسكري واضح على إيران. وسلاحهما الجوي، خاصة الإسرائيلي، يدمران الأهداف العسكرية والتكنولوجية المرتبطة بقوات الأمن الإيرانية ومنظومة الصناعات الأمنية المتشعبة في البلاد. هذا دمار سيتم الشعور به على المدى البعيد، ويذكر بدرجة معينة بما فعلته إسرائيل على نطاق أصغر بمستودعات جيش الأسد في سوريا، الذي أدى إلى انهيار النظام هناك في كانون الأول 2024.
يبدو أن الحديث يدور في الأيام الأخيرة عن نوع من الانتعاش الإيراني. يصعب تقييم الأثر التراكمي للهجمات على الروح القتالية الإيرانية بدقة نظراً للغموض الذي يحيط بالأحداث من جانب النظام وتصميمه على مواصلة القتال
مع ذلك، يبدو أن الحديث يدور في الأيام الأخيرة عن نوع من الانتعاش الإيراني. يصعب تقييم الأثر التراكمي للهجمات على الروح القتالية الإيرانية بدقة نظراً للغموض الذي يحيط بالأحداث من جانب النظام وتصميمه على مواصلة القتال بغض النظر عن الضربات التي تلقاها. ما زال من المبكر معرفة كيف ستنتهي القصة. المعروف أن النظام تمكن من نقل زمام الأمور من المرشد الأعلى علي خامنئي الذي قتل في الدقائق الأولى للقتال إلى نجله مجتبى، وتواصل المليشيات التابعة له بث الرعب في شوارع المدن. ورغم أن القوة النارية المتبقية في يد الإيرانيين محدودة، ما زالوا يطلقون الصواريخ والمسيرات يومياً، ما يعطل الحياة في الجبهة الداخلية الإسرائيلية والدول المجاورة. نطاق النيران غير واسع، ولكنه مخطط ومنسق بما فيه الكفاية للتأثير على الاقتصاد الإسرائيلي والرأي العام، فضلاً عن التسبب ببعض الخسائر البشرية.
الإنجاز الإيراني الأهم في الفترة الأخيرة يكمن في الاضطراب الذي أحدثوه في سوق الطاقة العالمي، بإغلاق مضيق هرمز ومهاجمة البنية التحتية للطاقة في دول الخليج. ولأن هدف إيران وحزب الله ليس هزيمة الأعداء، بل البقاء صامدين حتى النهاية – ما يبدو في متناول اليد حاليا، فالأمر لا يقتصر على اختلاف تعريف النصر بين الطرفين، بل إن إيران مستعدة لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد، شريطة أن تعرقل خطط الأعداء لإسقاط النظام. وتشير استعدادات قيادة الجبهة الداخلية إلى تخفيف القيود المفروضة على الناس، لا سيما في جنوب البلاد بدءاً من يوم غد الإثنين، إلا أن الجانب الإسرائيلي يستعد أيضاً لاحتمالية استمرار حالة الطوارئ لفترة طويلة.
نادراً ما ذكر ترامب ونتنياهو إسقاط النظام هدفاً للحرب. ويعتقد كثيرون في الجيش بتعذر حدوث انقلاب الآن وأن تغيير النظام في إيران قد يأتي في مرحلة لاحقة، نتيجة الضربات التي سيتلقاها النظام تدريجياً في الحرب وصعوبة التعافي منها.
نفس من يتحملون العبء
منذ القصف الكثيف بمئات الصواريخ والطائرات المسيرة من لبنان على إسرائيل مساء الأربعاء، تصاعدت خطة الخطاب الإسرائيلي ضد حزب الله بشكل واضح. وتتحدث النخبة السياسية والجيش الإسرائيلي علناً عن عملية وشيكة لاحتلال أجزاء واسعة في جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني. بعد فترة قصيرة على اندلاع الحرب، نشر الجيش الإسرائيلي قوة تتكون من عدة ألوية في منطقة أمنية في شمال خط الحدود، التي توسعت مع استئناف القتال. ولكن يجري الآن استعداد لاستيعاب قوات أكثر في الشمال تحسباً لعملية برية محتملة في عمق المنطقة.
الوضع في لبنان معقد؛ ففي تشرين الثاني 2024 حققت إسرائيل إنجازاً دبلوماسياً مهماً عندما أجبرت الحزب والحكومة اللبنانية على وقف إطلاق النار على الأراضي الإسرائيلية. ومنذ ذلك الحين وحتى اندلاع الحرب الحالية استخدمت الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني ضغطاً ناجحاً جزئياً على حزب الله لنزع سلاحه، وشن سلاح الجو الإسرائيلي هجمات متواصلة على نشطاء الحزب وبنيته التحتية بدون أن يتجرأ حزب الله على الرد.
والآن، عاد حزب الله إلى القتال ضد إسرائيل، وتبين أن قدرته على توجيه ضربات للجبهة الداخلية أكبر مما توقعته الاستخبارات، رغم أن الفرق في القوة بين الطرفين ما زالت كبيرة. تجري محادثات غير مباشرة مع الحكومة اللبنانية من وراء الكواليس، في محاولة للتوصل إلى اتفاق جديد يبعد حزب الله كلياً عن المشهد، وقد هدد وزير الدفاع إسرائيل كاتس، الخميس، بإلحاق أضرار بالبنى التحتية المدنية في لبنان والاستيلاء على أراضيه إذا لم يتم نزع سلاح حزب الله.
القضية الإيرانية لم يتم حسمها بعد، لكن يبدو أن نتنياهو، بموافقة ترامب، يبقي جذوة التوتر مشتعلة في لبنان ويلوح بتهديد إشعال فتيل حرب شاملة. وما لم تتضح النتائج في إيران بشكل حاسم، سيحتاج نتنياهو إلى تعويض في لبنان. والجيش الذي يخشى من انكشاف قصور قدرته في الجولة السابقة، يستسلم للتصعيد.
من لغة جسد رئيس الحكومة وتوتره الخميس في مؤتمر صحافي نادر أجاب فيه على أسئلة المراسلين، يتبين أن نتنياهو يعرف أن الأمور لا تسير على ما يرام في الوقت الراهن. هذا هو الانطباع المستخلص من محادثاته مع كبار الضباط. في غضون ذلك، لا تلوح في الأفق حلول سهلة في إيران ولبنان، وقد تكون إسرائيل قد هيأت نفسها لجولة جديدة من حرب الاستنزاف في الجبهتين. لقد بدا صدى اغتيال خامنئي يتلاشى، بينما ذكرى الإنذارات والهرب إلى الملاجئ ما زالت حاضرة. في ظل الظروف الأمنية الحالية، يبدو أن الائتلاف لا ينتظر معجزة سياسية في صناديق الاقتراع تؤدي إلى فوز ساحق في الانتخابات.
إن التهديد القادم من لبنان ليس وهمياً. ولكن التصميم على خوف حروب طويلة يلقي عبئاً ثقيلاً على القوات النظامية والاحتياط. في نهاية الأسبوع، تلقى ضباط وجنود في مقر فرقة الاحتياط في قيادة المنطقة الجنوبية أمراً للانتقال الفوري إلى قطاع غزة. بالنسبة لبعضهم، هذه فترة خدمة الاحتياط السابعة منذ مذبحة الغلاف في 7 أكتوبر. قلة قليلة تتحمل العبء، والحكومة التي ما زالت تنتهج ترتيبات غير قانونية لإعفاء الأحزاب الحريدية من التجنيد، لا تتخذ أي خطوة لتخفيف هذا العبء.
هآرتس 15/3/2026