لندن ـ «القدس العربي»: رفعت الولايات المتحدة السرية عن وثيقة مخبأة ومخفية منذ أكثر من 75 عاماً، وتبين أنها تحتوي علاجاً محتملاً أو مقدمة للتوصل إلى علاج يقضي على مرض السرطان، وهو ما أثار جدلاً واسعاً، وأعاد إشاعة نظرية المؤامرة التي تفترض بأن علاج هذا المرض متوفر ويمكن الوصول له لكن هناك من يستفيد من وجوده ويخسر من القضاء عليه.
وبحسب وثيقة جديدة لوكالة الاستخبارات المركزية أن الاستخبارات الأمريكية راجعت في وقت سابق بحثاً ألمح إلى علاج محتمل للسرطان قبل أكثر من 75 عاماً.
وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي» إن الوثيقة تعود إلى شباط/فبراير 1951 ورُفعت عنها السرية في عام 2014، وهي وثيقة تتضمن تلخيصاً لورقة علمية سوفييتية تناولت أوجه تشابه لافتة بين الديدان الطفيلية والأورام السرطانية.
ويصف التقرير كيف اعتقد الباحثون أن كلا الكائنين يزدهران في ظل ظروف أيضية متطابقة تقريباً، ويُراكمان مخزوناً كبيراً من الجليكوجين، وهو شكل من أشكال الطاقة المخزنة.
كما سلط البحث الضوء على تجارب أظهرت أن بعض المركبات الكيميائية قادرة على استهداف كل من العدوى الطفيلية والأورام الخبيثة.
وأفادت التقارير أن دواءً واحداً، وهو ميراسيل دي، كان فعالاً ضد طفيليات البلهارسيا وكذلك الأورام السرطانية، ما يُشير إلى أن العلاجات المُطورة للطفيليات قد تُهاجم الأورام أيضاً.
ووُجد أن مركبات أخرى تتداخل مع إنتاج الأحماض النووية، وهي عملية أساسية لنمو الخلايا السرطانية بشكل غير مُنضبط.
وأظهرت التجارب على الفئران أن أنسجة الأورام تتفاعل بشكل مختلف مع بعض المواد الكيميائية مقارنةً بالأنسجة السليمة، ما يعزز الاعتقاد السائد بالتشابه البيوكيميائي بين الطفيليات والسرطانات.
وعلى الرغم من رفع السرية عن الوثيقة منذ أكثر من عقد، إلا أنها عادت للظهور مؤخراً على الإنترنت، ما أثار غضب بعض الأمريكيين الذين يرون أنها تثير تساؤلات مقلقة حول سبب بقاء أبحاث الحرب الباردة التي تلمح إلى علاجات محتملة للسرطان حبيسة أرشيفات الاستخبارات لعقود.
وكتب أحدهم مرفقاً وثائق وكالة المخابرات المركزية: «كان الأمريكيون على علم بذلك. لقد قرأوا الوثيقة، وصنفوها سرية، وأخفوها في خزنة لمدة 60 عاماً». وقال مستخدم آخر: «كانت وكالة المخابرات المركزية تعلم منذ عام 1951 أن السرطان طفيلي».
ومع ذلك، فلا تنص الوثيقة نفسها على أن السرطان ناتج عن طفيليات، بل تشير فقط إلى أن دراسة سوفييتية لاحظت تشابهات بيوكيميائية بين الأورام والديدان الطفيلية، ولاحظت أن بعض المركبات تؤثر على كليهما في التجارب.
واستندت وثيقة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى مقال نُشر عام 1950 في المجلة العلمية السوفييتية «بريرودا» بقلم البروفيسور ف. ف. ألباتوف، الباحث المتخصص في دراسة السلوك البيوكيميائي للطفيليات الداخلية، وهي كائنات حية تعيش داخل جسم العائل.
وقام محللو الاستخبارات الأمريكية بترجمة المقال ونشره نظراً لأهميته المحتملة في البحوث الطبية الحيوية والدفاع الوطني خلال السنوات الأولى من الحرب الباردة.
ووفقاً للبحث السوفييتي المُلخص في التقرير، فإن أحد أبرز أوجه التشابه بين الديدان الطفيلية والخلايا السرطانية هو عملية الأيض. حيث تعتمد الديدان الطفيلية التي تسكن أمعاء الإنسان بشكل كبير على الأيض اللاهوائي، أي أنها تُنتج الطاقة دون الحاجة إلى كميات كبيرة من الأكسجين.
ويبدو أن الخلايا السرطانية تتصرف بطريقة مماثلة، إذ تعتمد غالباً على مسارات أيضية معدلة تسمح لها بالبقاء على قيد الحياة في بيئات فقيرة بالأكسجين داخل الجسم.
ولوحظ أيضاً أن كلًا من الطفيليات والأورام تُراكم كميات كبيرة من الجليكوجين، وهو جزيء تستخدمه الخلايا كمخزون للطاقة.
ويشير هذا التراكم إلى أن كلا النوعين من الأنسجة قد يعملان في ظل ظروف أيضية غير معتادة مقارنةً بالخلايا السليمة.
وصنف الباحثون هذه الأنسجة على أنها من النوع الأيضي «المخمّر الهوائي»، وهو مصطلح استخدمه العالم الألماني ث. براند، ويعني أنها قادرة على إنتاج الطاقة حتى في ظل نقص الأكسجين، كما يمكنها البقاء على قيد الحياة في بيئة خالية من الأكسجين. وقد تساعد هذه القدرة الأيضية المزدوجة الأورام على البقاء في الأنسجة المكتظة حيث يكون إمداد الدم محدوداً.
وأشار العلماء السوفييت أيضاً إلى أدوية تجريبية بدت أنها تؤثر على الطفيليات والأورام بطرق متشابهة، ومن الأمثلة التي وردت في وثيقة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مركب ميراسيل د، وهو مركب تم تصنيعه عام 1938 على يد الكيميائي الألماني هـ. ماوس.
وأظهر الدواء فعاليةً ضد البلهارسيا، وهو مرض طفيلي تسببه ديدان الدم. ووفقاً للأبحاث السوفييتية، فقد أظهر أيضاً فعاليةً ضد الأورام الخبيثة.
وتناول التقرير مركباً آخر هو غوانوزولو، وهو جزيء شبيه بالغوانين يعيق إنتاج الأحماض النووية، وهي الوحدات البنائية الكيميائية للحمض النووي «DNA» والحمض النووي الريبي «RNA». وفي الاختبارات المعملية، كبحت هذه المادة تخليق الأحماض النووية في بعض الكائنات الدقيقة، وكذلك في أورام سرطانية نُمت في الفئران. ولأن الخلايا السرطانية تحتاج إلى تضاعف سريع للحمض النووي «DNA» لتنقسم بشكل لا يمكن السيطرة عليه، فإن تثبيط هذه العملية يُمكن أن يُبطئ نمو الورم.
كما بحثت الدراسة كيفية تفاعل الأورام والطفيليات مع مادة كيميائية تُعرف باسم أتبرين، والتي توجد في شكلين متطابقين معكوسين يُعرفان باسم المتماثلين المرآويين.
وفي معظم الحيوانات التي دُرست، ثبت أن الشكل ذو الدوران الأيسر من المركب أكثر سُميّة، لكن أنسجة الأورام لدى الفئران، وبعض الرخويات ذات الأصداف الحلزونية اليسارية، والديدان الطفيلية داخل الضفادع، كانت أكثر حساسية للشكل الحلزوني اليميني.
وأشارت هذه الاستجابة غير المألوفة إلى أن الخلايا السرطانية والطفيليات قد تمتلك مستقبلات معكوسة كيميائيًا، ما يعني أن بنيتها الجزيئية تتفاعل مع الأدوية بشكل مختلف عن الأنسجة الطبيعية.
وبناءً على هذه النتائج، اقترح الباحثون السوفييت عدة سمات بيولوجية قد تشترك فيها الأورام والطفيليات.
وشملت هذه السمات وجود مستضدات فريدة، واستقلاب غير عادي للبيورينات يشارك في إنتاج الأحماض النووية، وأنظمة إنزيمية متغيرة داخل بروتوبلازم الخلية.
وافترض العلماء أن الخباثة قد تنشأ عن تغيرات كيميائية داخل البيئة الخلوية، ولا سيما التغيرات التي تؤثر على الإنزيمات والبروتينات التي تحملها.
واختتمت وثيقة وكالة المخابرات المركزية بالإشارة إلى أن الأبحاث السوفييتية الجارية حول بروتينات الأورام وكيمياء الخلايا السرطانية كانت تُعتبر ذات أهمية بالغة في ذلك الوقت.
وخلال بدايات الحرب الباردة، راقبت أجهزة الاستخبارات الأمريكية عن كثب التقدم السوفييتي في الطب وعلم الأحياء، خشية أن يكون لهذه الاكتشافات آثارٌا على الصحة العامة وأبحاث الحرب البيولوجية المحتملة. ورغم أن علم السرطان الحديث لا يتعامل مع الأورام كطفيليات بالمعنى الحرفي، فإن العديد من جوانب بيولوجيا الأورام، بما في ذلك تغيرات الأيض والتهرب المناعي، لا تزال مجالات بحثية نشطة حتى اليوم.
ويقدم التقرير الذي رُفعت عنه السرية لمحةً نادرةً عن الأفكار العلمية التي كانت تُستكشف خلف الستار الحديدي في منتصف القرن العشرين، حين كان الباحثون لا يزالون يُحاولون فهم الطبيعة الأساسية للسرطان والبحث عن أدلة قد تُفضي يومًا ما إلى علاجات فعّالة.