«مستر زِبِغ..»… سيرة بريجنسكي بين الحرب الباردة ولعبة التنس


يُعدّ زبيغنيو بريجنسكي واحداً من أشهر المنظّرين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد جمع بين العمل الأكاديمي الرفيع، والحضور المؤثر في دوائر صنع القرار الأمريكي، قبل أن يبلغ ذروة حضوره حين تولّى منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر 1977ـ1981. وخلال مسيرته الطويلة ارتبط اسمه بقضايا كبرى مثل الاتحاد السوفييتي، وإيران، وأفغانستان، ثم لاحقاً روسيا والصين ومستقبل الدور الأمريكي في العالم.
يتناول الصحافي والمحلل السياسي البريطاني إدوارد لوس هذه الشخصية في كتابه «زِبِغ: حياة زبيغنيو بريجنسكي، مُنظِّر القوة العظمى الأمريكية». ولوس من أبرز الكتّاب المتخصصين في الشؤون الأمريكية والدولية، وقد عمل لسنوات طويلة محرراً وكاتب عمود في صحيفة «فايننشال تايمز».
في هذا الكتاب يحاول تقديم سيرة بريجنسكي بوصفها مساراً فكرياً وسياسياً ممتداً عبر عقود طويلة: من طفولته في أوروبا بين الحربين العالميتين، إلى دراسته في هارفارد، ثم دخوله عالم السياسة في واشنطن، وصولاً إلى تجربته المباشرة مع أحداث مفصلية مثل الثورة الإيرانية والغزو السوفييتي لأفغانستان، وهي الأحداث التي ساهمت في تشكيل رؤيته للعالم.

طفولة بين الإمبراطوريات

وُلد زبيغنيو بريجنسكي في بولندا عام 1928 في فترة قصيرة من الاستقلال بين الحربين العالميتين. كانت بولندا قد استعادت وجودها كدولة بعد الحرب العالمية الأولى، لكن موقعها الجغرافي جعلها دائماً في منطقة تماس بين القوى الكبرى في أوروبا. وقد نشأ في عائلة تنتمي إلى طبقة النبلاء البولندية التقليدية. كان والده دبلوماسياً وضابطاً سابقاً في الجيش البولندي، شارك في معركة وارسو عام 1920 ضد الجيش الأحمر السوفييتي، ولذلك نشأ الطفل في بيت يرى التاريخ الأوروبي من زاوية الصراع الدائم بين بولندا وجيرانها الأقوى. في أحاديث والده المتكررة كان الاتحاد السوفيتي يمثل قوة إمبراطورية تسعى إلى توسيع نفوذها في أوروبا الشرقية، بينما كانت ألمانيا تمثل تهديداً آخر لا يقل خطورة. هذا الجو السياسي داخل البيت جعل الطفل يدرك منذ سن مبكرة أن موقع بولندا الجغرافي يجعلها دائماً عرضة للصراعات الكبرى.
لكن طفولته لم تقتصر على بولندا، فبحكم عمل والده الدبلوماسي انتقلت العائلة إلى مدن أوروبية مختلفة، بينها مدينة لايبزيغ الألمانية. هناك تعرّف بريجنسكي على المجتمع الألماني وتعلم اللغة الألمانية، وشهد في الوقت نفسه صعود النازية في الثلاثينيات. وقد تركت هذه التجربة المبكرة أثراً عميقاً في وعيه، إذ رأى كيف يمكن لمجتمع حديث أن ينزلق تدريجياً نحو التطرف السياسي. عام 1938 أُرسل والده قنصلاً إلى كندا، فانتقلت العائلة إلى هناك. وبعد عام واحد فقط اندلعت الحرب العالمية الثانية، وسقطت بولندا تحت الاحتلالين الألماني والسوفييتي. وهكذا وجد بريجنسكي نفسه في المنفى وهو لا يزال طفلاً، يشاهد بلاده تختفي مرة أخرى من الخريطة الأوروبية. هذه التجربة المبكرة ـ سقوط الوطن بين قوتين عظميين ـ ستترك أثراً دائماً في تفكيره، إذ أصبح ينظر إلى السياسة الدولية بوصفها صراعاً بين قوى كبرى تتنافس على النفوذ.
في كندا التحق الشاب البولندي بجامعة ماكغيل في مونتريال عام 1945. كانت أوروبا آنذاك تخرج من الحرب العالمية الثانية، بينما بدأ العالم يدخل مرحلة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. اختار دراسة العلوم السياسية، وسرعان ما أصبح اهتمامه منصباً على الاتحاد السوفييتي والنظام الشيوعي. بعد تخرجه انتقل إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته العليا في جامعة هارفارد، إحدى أهم الجامعات الأمريكية في مجال العلوم السياسية. وهناك حصل على درجة الدكتوراه عام 1953 وهو العام نفسه الذي توفي فيه الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين. في أطروحته ركز بريجنسكي على طبيعة النظام الشمولي في الاتحاد السوفييتي. لم يكن مهتماً فقط بسلوك القادة، بل بالبنية العميقة للنظام السياسي، المتمثلة في حزب يسيطر على الدولة، ودولة تخترق المجتمع، وأيديولوجيا تحتكر الحقيقة، ومؤسسات تمنع ظهور أي معارضة حقيقية. كما شدد على أن الاتحاد السوفيتي ليس دولة قومية متجانسة، بل إمبراطورية متعددة القوميات، وهو ما جعله يعتقد بأن هذا الكيان يحمل في داخله توترات قد تظهر مع مرور الزمن.

داخل البيت الأبيض

في ستينيات القرن العشرين بدأ اسم بريجنسكي يبرز في الأوساط الأكاديمية الأمريكية. درّس في جامعة هارفارد ثم في جامعة كولومبيا في نيويورك، وكتب عدداً من الدراسات حول الشيوعية والحرب الباردة. لكن وجوده في نيويورك جعله يقترب من دوائر النفوذ السياسي. ففي منتصف السبعينيات تعرّف إلى جيمي كارتر، الذي كان يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية عام 1976. وبعد فوز كارتر في الانتخابات عُيّن بريجنسكي مستشاراً للأمن القومي عام 1977 وهو المنصب الذي شغله حتى نهاية إدارة كارتر عام 1981.

إيران: الثورة التي أربكت بريجنسكي

كانت الثورة الإيرانية عام 1979 من أكثر الأحداث التي اختبرت تفكير بريجنسكي الاستراتيجي. فقد كانت إيران تُعدّ آنذاك أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وكان الشاه محمد رضا بهلوي يمثل ركناً أساسياً في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. في البداية تعامل صناع القرار في واشنطن مع الاحتجاجات الإيرانية باعتبارها اضطرابات يمكن احتواؤها ضمن معادلات الحرب الباردة التقليدية. فقد اعتادت الإدارة الأمريكية قراءة التحولات الدولية من خلال الثنائية الكبرى، التي حكمت العالم بعد الحرب العالمية الثانية، الصراع بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي. لكن ما حدث في إيران لم يكن امتداداً لهذا الصراع. فالثورة الإيرانية لم تكن شيوعية، ولم تكن مدفوعة بحزب ماركسي، أو بحركة مرتبطة بموسكو. بل كانت ثورة ذات طبيعة مختلفة: حركة دينية ـ شعبية تجمع بين الاحتجاج الاجتماعي والرمزية الدينية والرفض السياسي لنظام الشاه. في يناير/كاون الثاني 1979 غادر الشاه إيران، وفي الأول من فبراير/شباط عاد آية الله الخميني إلى طهران، وخلال أسابيع قليلة انهار النظام الملكي بالكامل. هنا وجد بريجنسكي نفسه أمام ظاهرة سياسية لم يكن من السهل تفسيرها بالأدوات التحليلية التقليدية للحرب الباردة. فقد أدرك تدريجياً أن القوى الاجتماعية والثقافية والدينية داخل المجتمعات يمكن أن تقلب الحسابات الاستراتيجية، وأن فهم هذه المجتمعات من الداخل أصبح ضرورياً بقدر فهم التوازنات بين الدول.
ثم جاءت أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران في نوفمبر/تشرين الثاني 1979 لتجعل هذه الحقيقة أكثر وضوحاً. فقد اقتحم طلاب إيرانيون السفارة واحتجزوا 52 دبلوماسياً أمريكياً، وتحولت القضية إلى أزمة سياسية كبرى في الولايات المتحدة. بالنسبة لبريجنسكي كشفت هذه الأزمة حدود القوة الأمريكية في مواجهة ثورة داخلية معادية، وأظهرت أن العالم لم يعد يُفسَّر فقط من خلال ثنائية الحرب الباردة. في نهاية عام 1979 وقع حدث آخر أعاد الحرب الباردة إلى مركز المسرح الدولي. ففي ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام دخلت القوات السوفييتية إلى أفغانستان لدعم الحكومة الشيوعية هناك، في خطوة اعتبرتها واشنطن توسعاً مباشراً لنفوذ موسكو في منطقة حساسة تقع بين الاتحاد السوفييتي والخليج العربي وجنوب آسيا.

بالنسبة لبريجنسكي لم يكن الغزو السوفييتي مجرد تدخل عسكري في دولة صغيرة، بل خطوة استراتيجية تحمل دلالات أوسع. هنا ظهرت فكرة دعم المقاومة الأفغانية ضد القوات السوفييتية. لم يكن الهدف، في نظر بريجنسكي، تحويل أفغانستان إلى ساحة صراع أيديولوجي بقدر ما كان إجبار الاتحاد السوفييتي على دفع كلفة عالية مقابل تدخله العسكري. كان يعتقد أن حرباً طويلة في بلد جبلي فقير مثل أفغانستان يمكن أن تستنزف الموارد السوفييتية وتضعف صورة موسكو في العالم الإسلامي. وبالفعل بدأت الولايات المتحدة، بالتعاون مع باكستان وعدد من الدول الأخرى، في تقديم الدعم للمقاتلين الأفغان، الذين أصبحوا يُعرفون في ذلك الوقت باسم «المجاهدين». ومع مرور السنوات تحولت الحرب إلى صراع طويل ومرهق للجيش السوفييتي. لاحقاً، بعد انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان عام 1989 اعتبر كثير من المحللين أن هذه الحرب ساهمت في إضعاف الاتحاد السوفييتي، وسرّعت في انهياره. وقد رأى بريجنسكي في ذلك دليلاً على صحة تحليله بأن الإمبراطورية السوفييتية لم تكن قوية كما تبدو من الخارج.
لكن هذه السياسة أثارت لاحقاً جدلاً واسعاً، خصوصاً بعد صعود حركات متطرفة في أفغانستان خلال التسعينيات. ومع ذلك ظل بريجنسكي يعتقد أن الخطأ الأكبر لم يكن في دعم المقاومة الأفغانية، بل في تخلي الولايات المتحدة عن أفغانستان بعد انسحاب السوفييت وترك البلاد تنزلق إلى الفوضى. بعد خروجه من البيت الأبيض عام 1981 عاد إلى الكتابة والعمل الأكاديمي، لكنه ظل حاضراً في النقاشات الكبرى حول مستقبل الاتحاد السوفييتي. ومع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في موسكو عام 1985 بدأت تظهر مؤشرات على إصلاحات داخل النظام السوفييتي. بالنسبة لبريجنسكي كانت هذه الإصلاحات علامة على أزمة عميقة داخل النظام. وعندما بدأت الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية تنهار عام 1989، لم يتعامل مع الحدث بوصفه مفاجأة كاملة. فقد كان يعتقد منذ سنوات أن البنية الإمبراطورية للاتحاد السوفييتي تحمل في داخلها عناصر ضعف قد تؤدي في النهاية إلى تفككه. في عام 1991 انهار الاتحاد السوفييتي رسمياً. رأى بريجنسكي في ذلك نهاية نظام سياسي استمر قرابة سبعين عاماً، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن روسيا ما بعد السوفييت قد تواجه صعوبات كبيرة في إعادة تعريف دورها في العالم.
من الجوانب اللافتة في الكتاب أن المؤلف لا يركز فقط على القرارات الكبرى والأحداث الدولية، بل يتوقف أيضاً عند تفاصيل الحياة اليومية لبريجنسكي. ومن الأشياء الطريفة في السيرة وصف روتينه اليومي في واشنطن: اهتمامه بالرياضة، ولاسيما لعبة التنس التي ظل يمارسها حتى سنوات متقدمة من عمره، وحرصه على قراءة الصحف العالمية صباحاً، ومتابعته الدائمة للأخبار الدولية حتى في أوقاته الخاصة. كما يصف المؤلف جلساته الهادئة في مطاعم واشنطن، وأحاديثه الطويلة مع زوجته موسكا، واهتمامه الدائم بالسياسة حتى في اللحظات الشخصية. هذه التفاصيل الصغيرة أضافت بعداً إنسانياً لشخصية عُرفت أساساً بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في التفكير الاستراتيجي الأمريكي.

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *