ثمة مسارٌ نظري ومعرفي غني ومتشعب صاحَبَ، وما زال، تأملَ الكتابات الذاتية، ومن خلاله يمكن التعرف على أهم المشكلات والقضايا التي طرحتها. وبما أن الأطر الإبستيمولوجية، الصريحة أو المضمرة، المعتمدة في مقاربة النصوص كانت مختلفة ومتنوعة، فقد انعكس ذلك على جهود المقاربات النظرية والنقدية، التي تفاعلت في ما بينها معرفيا، وتباينت من حيث طرق تحليلها وأجهزة تلقيها، إلى درجةٍ تكشف أننا بالفعل أمام «قارة مجهولة» تكشف في كل يومٍ أسرارَها وألغازها وعجائبها، سواء من حيث موضوعات وطرق عرضها، أو من حيث قضاياها المعرفية والجمالية.
في هذا السياق، يأتي هذا الكتاب الجماعي الذي صدر عن عالم الكتب الحديث (إربد- الأردن 2026)، ليغني النقاش المعرفي المتعلق بالكتابات الذاتية وقضاياها المتشعبة، إذ تتمحور جماع الدراسات فيه حول: مفهوم الكتابة الذاتية ومقولاتها داخل أطرها المرجعية والمعرفية؛ الخواص النوعية لهذا الشكل، أو ذاك من هذه الكتابة (سير ذاتية، مذكرات، يوميات، تخييل ذاتي، حوار سيرذاتي، نصوص روائية ورحلية، صوفية وفلسفية..)؛ وحدود الكتابة الذاتية باعتبارها محاكاة للواقع المعيش أو تشخيصا له؛ ومفهوم الذات والوعي بها داخل الخطاب، ومعايير تمثيلها باللغة وعبرها؛ وثغرات الذاكرة وإشكالية المظهر المرجعي؛ ثم الطابع التخييلي- الاستيهامي وابتكار صور الأنا ضمن هُويات متحولة.
قضايا ملتبسة
يطرح الناقد عبد الله إبراهيم (العراق) تأملاتٍ في كتابة السيرة الذاتية التي شغف بها منذ صغره، وتوطدت علاقته الوثقى بها منذ إقدامه على كتابة سيرته «أمواج»، حيث راعى أعراف نوعها السردي، ودون شهادة تداخلت فيها التجربة الخاصة بالعامة، أو هي ـ كما قال- «شهادة صريحة عن التجربة الشخصية أكثر من كونها سجلا توثيقيا للأحداث، ومع أهمية الوقائع التي تشكل قوام تلك التجربة، فلطريقة بنائها الأهمية الأولى». وعن هذا المفهوم، التزام بأعراف كتابة سيرته الذاتية، وقد اختصره في: المزج بين السري والخاص والعام، ومقدار جرعة من الاعتراف دون التمادي ببيان المحاسن والحرية في الحكم على أفعال الآخرين، والتحذير من تقادم السن قبل كتابة السيرة الذاتية، ووجوب اعتماد كاتب السيرة على يومياته أو على الوثائق التي في حوزته.
ويناقش الناقد عادل ضرغام (مصر) إشكالية النوع السيرذاتي في علاقته بالتجنيس، وقد رأى أن ذلك يشكل مدخلا مهما لتناول جزئيات مهمة، ما زالت مطروحة في مجال البحث، وما زالت في طور التكوين والبناء، لاسيما أن هذا النوع، رغم الإنتاج الغزير الذي شهده في العقود الأخيرة، يدخل في ترابطات مع أنواع أخرى، مثل الرواية واليوميات والمذكرات وغيرها من أشكال كتابة الذات التي تحاول التعبير، أو الكشف عن هوية الذات وفق الإمكانات التي يتيحها كل شكل على حدة. وحتى الشعر نفسه صار في قلب الأطروحة، فقد أخذ الشعراء يصوغون تجاربهم الذاتية شعرا، ويعبرون عنها بصورة أو أخرى. بيد أن الكتابة السيرذاتية في سياق الشعر هي غيرها في سياق النثر؛ إذ تتطلب من الشاعر أن يقول «أناه» ويستعيد ملامح سيرته بشكل مبتكر، فيما هو يعيد بَنْـيَنَتها بالوعي والذاكرة والمخيلة، وبالأحاسيس والإشراقات المجنحة، وَفْق ما تُمليه قوانين الخطاب الشعري وفاعليته التخييلية، ووَفْق مداه المتوتر بين المرجعي والتخييلي خارج أي ميثاقٍ ثابت.
من هنا، ينبه الناقد حاتم الصكَر (العراق) إلى ضرورة التوسيع في أشكال السيرة الذاتية، واقتراح أنواع جديدة مثل (الحوار السيري) الذي يقوم بكشف جوانب من السيرة الذاتية للشعراء، وبعض محطات حياتهم، مع ملاحظة التركيز عادة على الجانب الثقافي من السيرة، وما يتصل بها من حيث النشأة والبدايات والقراءات والمؤثرات والموقف من التيارات والمناهج في الكتابة الشعرية، وما يتعلق بتجربة الشاعر ذاته، وما يتداعى عنها من تفاصيل تؤطر تلك التجربة، وتكشف بعض المرجعيات والتأثيرات والآراء والرؤى والمواقف من قضايا الكتابة تنظيرا وممارسة، وكذلك ما يتشكل لدى الشعراء من رؤية لموضوعات الصلة بالتراث والآخر والواقع والقضايا الكبرى وغيرها. ولهذا يعمل الناقد على تجنيس الحوار السيري نوعيا، وبحث خلفياته وكيفياته ومزاياه، والبعد الجمالي أو الفني فيه، عبر نماذج من نصوص حوارية أُجريت مع شعراء من المشرق والمغرب (محمود درويش، أدونيس، وديع سعادة، صلاح فائق، عبد الكريم الطبال، مليكة العاصمي).
ينبه حاتم الصكَر إلى ضرورة التوسيع في أشكال السيرة الذاتية، واقتراح أنواع جديدة مثل (الحوار السيري) الذي يقوم بكشف جوانب من السيرة الذاتية للشعراء، وبعض محطات حياتهم، مع ملاحظة التركيز عادة على الجانب الثقافي من السيرة
ويدرس عبد القادر الشاوي (المغرب) السيرة الذاتية لعباس محمود العقاد المسماة: (أنا)، وقد نشرها في الناس وهو يومئذ قد ناهز السبعين، من منظور معرفي يتبنى خطاب الأنا بما هو تعبير إبستيمي شخصي عن اعتقاد معرفي (العلم بالشيء) يكونه كاتب السيرة الذاتية عن حياته عبر مسيرها التطوري، مهما كانت أوضاعها وحالاتها والعوامل، الإيجابية والسلبية، التي أثرت فيها، وهو الذي يتحدد في التحليل بزمنين: زمن الكتابة (من خلال النظام اللغوي) حين يشرع إنشائيا في تأليف وقائع حياته الماضية في جريانها العام، انطلاقا من الصوغ البياني الذي به تتشكل على الأنحاء المختلفة التي يختارها للتواصل مع القارئ المفترض. أما الزمن الثاني فهو زمن ذاتي يرتبط بالقرار الذي يقرره الكاتب لعملية الكتابة، بوصفها حركة جسدية نابعة من إرادة (أي ليست ميكانيزما أوتوماتيكيا)، واستجابة لشعور داخلي يحثه على ذلك، سواء تعلق الأمر بمبرر خارجي، أو كان من تقدير شخصي ينبني على اعتبارات خاصة. ومن هذا المنظور ـ كما يتصوره عبد الباحث – فإن خطاب الأنا القائم على الإبستيمي الشخصي، يحول الكتابة السيرذاتية إلى تجربة (عالمة) في سرد مراحل التطور الشخصي، انطلاقا من الماضي في اتجاه حاضر الكتابة، أي أن السيرة الذاتية تتحول إلى تجربة أدبية معقولة، لا متصورة، أي تلك التي تتشكل في أفق المعرفة بالذات، من خلال التكوين الثقافي، أو الأهمية الشخصية في مجال من مجالات المعرفة الأدبية، أو من خلال الرتبة، عندما يرتبط النص السيرذاتي بنوع من «القدسية المتصورة»، أو الاعتبار الخاص، التي لها على صعيد المجتمع، أو في مجال المعرفة، درجة معتبرة في سلم القيم السائدة في مرحلة من مراحل التطور العام.
وتدرس الباحثة عزيزة الطائي (سلطنة عمان) سيرتين للكاتبة الفلسطينية عائشة عودة، هما: «أحلام بالحرية» و»ثمنا للشمس» باستحضارها لمضمون المقاومة من أجل الحرية، وبنية الكتابة التي تتفرع في حبكة هذا النصين السير- سجنييْن، عندما يبدأ السرد بالانفتاح على تحولات امرأة تعي ما حولها، وتجاهد لأجل كرامتها، وهي تسعى إلى كشف حقيقة ممارسات المحتل الصهيوني لشعب بنسائه ورجاله، بما تسعفه الذاكرة، وما تشهده الحادثة بين الماضي والحاضر في تضافرهما بجدلية وجودية تصل حكاياتها الواقعة في الحقيقة إلى مستوى التخييل والتجريد. فالسيرتان هما أقرب إلى الواقع السياسي، والألم الجمعي في الكشف عن معاناة الشعب الفلسطيني، وبالتحديد نضال المرأة الفلسطينية ومقاومتها للاحتلال، عندما كتبت عن تجربة نضال المرأة الفلسطينية في سجون الاحتلال. وتسعى الباحثة لإبراز تموضع الذات الساردة أمام جدلية تهميش المجتمع للأنثى في مقابل مواجهتها للمحتل، معتمدة على المنهج التحليلي والنفسي للإجابة عن العلاقة العضوية بين فعل الكتابة الذاتية وخصوصية التجربة عند الكاتبة عائشة عودة، من منظور الكاتبة الأنثى وتمثلات حضورها، والخوف من فقدان ذاتها والوطن، وانعكاس ذلك كله على لغة الخطاب.
وتقارب الباحثة رشا الفوال (مصر) أشكال الكتابة الذاتية من خلال مجموعة من النصوص الروائية؛ مثل «القوقعة، يوميات متلصص» لمصطفى خليفة، و«يا صاحبى السجن»لأيمن العتوم، و«أقفاص فارغة» لفاطمة قنديل، ودملان» لحبيب عبد الرب سروري، و»المزاحمية» لسمير الأمير، و»المحارم» لفكري داوود، وتناقش أهمية هذه الكتابات، ليس فقط بوصفها تمثيلات سردية للذات، بل كآليات دفاعية يلجأ من خلالها الكُتاب إلى الحكي وصولا إلى التخفف من وطأة التجربة، أو إعادة تأويلها، أو التحكم في سياقها الرمزي. وتختلف هذه الآليات تبعا لنوع الكتابة الذاتية التي يتبناها كُل نص، سواء كانت سيرة ذاتية صريحة، أو كتابة يوميات، أو استبطانا للذات عبر الأقنعة والتقنيات السينمائية والتخييل.
وتهتم الباحثة نجوى عمامي (تونس) بدراسة الخواص النوعية لكتابة اليوميات الخاصة، إذ تبحث من خلال يوميات كمال الرياحي «واحد- صفر للقتيل»، رحلةَ الأنا المأزوم والضعيف الهش في مواجهة العراقيل وشواغل الحياة، وتتتبع ما مرت به ذاته المأزومة، وهي تعيش مُجْبَرة تجربة السفر إلى الجزائر للعمل، تجربة شعرت قبل البدء فيها بأنها مميزة، لذلك تحتاج إلى تدوين أهم لحظاتها يوما بيوم، لأن كتابة اليومي تُثبت المعيش وتقيده وتحافظ على توهجه وحرارته، فتمنح الكاتب القدرة على قهر النسيان. فالباحثة تحلل علاقة الذات/ المرجع الواقعي بالذات/ الموضوع المحكي، فيما هي تتناول أبرز الخواص النوعية لهذا الشكل من الكتابة الذاتية، باعتبار أن الكاتب فيه يغوص في ذاته ليلا ليخلو إلى نفسه مُحاوِرا الأنا، وهو يُدون على دفتر ما مر به في يومه المستعاد: التأريخ ووتيرة كتابة اليومي، الاستمرارية والتشظي، ثم الطابع الحميم في هذه اليوميات.
المرجعي والتأويلي
وعلى افتراض أن الرواية التاريخية أو الرواية التي تستعير المدونة التاريخية قد تحولت إلى استراتيجية تأويلية قائمة المعالم، وأنها تختار مادتها التاريخية بقصدية فلسفية، أو تصوغها في قالب روائي بقصدية جمالية لتنتهي إلى تأويلية مآلية للوجود والقيم، يطرح الناقد محمد بازي (المغرب) إشكالات نظرية ومنهجية في العلاقة بين الرواية والتاريخ بإزاء الممارسة التأويلية. من منظور التأويليات الجديدة، أو بالأحرى من خلال نظرية الأدب القاصد يعتكف الباحث على دراسة رواية «الفقيه» لحسن أوريد ويشرعها على التأويل بكل ألوانه اللغوية والفلسفية والفكرية والتاريخية والدينية والروحية، بما أنها تحمل رؤية قوية ـ كما يقول- عن النموذج التنويري القديم، الذي نحتاجه للحفاظ على الهوية الدينية، والوطنية، والثقافية، وبناء الإنسان، واحترام اختياراته الوجودية. فهي أنموذج الرواية الثقافية التي تدعو إلى فهم فلسفة التعايش بين الأفكار، والتصورات، والديانات، والثقافات، بل تضع الإنسان في صلب حقيقة صراعه مع أهواء النفس، ورغبته في الهيمنة والتسَيد والانتصار بالعدوان والقوة. فصاحب الرواية استعار نموذجا أو منوالا تاريخيا هو نص «ناصر الدين على القوم الكافرين» لأحمد شهاب الدين بن قاسم الحجري أو أفوقاي، دون المساس بهذه الشخصية التاريخية أو اتهامها بما لا يليق بمقامها، بل يزيدها حضورا ثقافيا دالا، ورهانه في الرواية هو تشييد أطروحة ناضجة لها قصدية رفيعة تتمثل في تحريك الفكر والثقافة الأدبية والتاريخية والفلسفية لربط الإنسان العربي المسلم بهويته وإثرائها بتمحيص المفاهيم الوجودية كالإيمان والمحبة والولاء وحقيقة التعايش والتدين الصحيح.
يتناول الباحث مراد الخطيبي «الذاكرة الموشومة» لعبد الكبير الخطيبي ليس باعتبارها رواية ما بعد استعمارية، بل كـ«سرد ذاتي» أو «سيرة ذاتية»
وهو يدرس بعض سمات الكتابة الذاتية في الأدب المغربي الحديث، يتناول الباحث مراد الخطيبي (المغرب) «الذاكرة الموشومة» لعبد الكبير الخطيبي ليس باعتبارها رواية ما بعد استعمارية، بل كـ«سرد ذاتي» أو «سيرة ذاتية». وتتجلى سمات الكتابة الذاتية في هذا العمل من خلال وصف الكاتب لطقوس ولادته، وطفولته، وحياته في مراكش كطالب داخلي في ثانوية سيدي محمد، وسنة شهادة البكلوريا في ثانوية ليوطي في الدار البيضاء، وحياته الجامعية في باريس كطالب علم اجتماع في السوربون، ثم عودته إلى المغرب بعد حصوله على الدكتوراه سنة 1965. فمن البداية يتمثل تصوير الذات كهوية ثقافية من خلال استحضار هذه الطقوس والأحداث. ورغم عنف المستعمِر لبلده، ومعاناته من العنصرية والكراهية أيام كان طالبا في السوربون بين 1958 و1964، يُقدم سارد «الذاكرة الموشومة»، الآخر هنا بوصفه مصدرا للمعرفة، من خلال ذكر مفكرين وفلاسفة وأدباء كبار كان لهم تأثير كبير عليه. ويؤكد الباحث أن هذه السيرة الذاتية تتضمن مفاهيم تمثل جوهر مشروع عبد الكبير الخطيبي الفكري القائم على سياسات الهوية. كما يناقش الباحث خالد التوزاني (المغرب) الكتابات الذاتية في الأدب المغربي من خلال نماذج رحلية وروائية؛ مثل «ماء الموائد» بـ«الرحلة العياشية» لأبي سالم العياشي، و«سيرة حمار» لحسن أوريد. وإذا كانت الرحلة الحجازية غايتها الارتقاء بالنفس، من خلال مناسك الحج وتحويل مشقة السفر إلى متعة بالظفر، وحيث تصبح الذات أكثر انفتاحا على من حولها، فإن الكتابة الذاتية في الرواية تهدف إلى التعبير عن عدم الرضا عن واقع مؤلم، والرغبة في تقويمه، ومن ثم، يمكن القول بأن هذه الكتابة، تملك مشروع التغيير؛ حيث تروم التفكير في إصلاح النفس أكثر من التعبير عما يخالج هذه النفس من مشاعر وأحاسيس، وتروم تغيير الأفكار أكثر من مجرد التعبير عن المواقف.
ويستقرئ الباحث عبد الإله البريكي (المغرب) خصائص كتابة الذات عند الصوفية، من خلال أعمال بعض العارفين الذين سجلوا تجاربهم في مدونات من قبيل «المنقذ من الضلال» للغزالي، و«الفهرسة» لابن عجيبة، و«الفتوحات المكية» لابن عربي ومدونات أخرى يقتضيها البحث، مُنْطلقا من إشكالية التعبير عن الذات من خلال ثنائية الظاهر والباطن والتدرج في الأحوال والمقامات، وصولا إلى مقام القرب ومحل الإشراقات والتجليات. ويلفت الناقد محمد علوط (المغرب) إلى تعدد الهويات الأجناسية للسيرة الصوفية؛ فالمتن السيري الصوفي لا تؤطره هوية أجناسية موحدة ذات بنية إطلاقية، ولا يخضع لنسق بنائي ثابت محكم التواتر، فهو قابل على مستوى الخصائص الخطابية أو صيغ الخطاب لأن يتمظهر كخطاب سردي، أو كخطاب شعري. وهذا التعدد على مستوى التظهير الأجناسي – في نظره- يلحمه نسق دلالي ناظم يتمثل في أن كل سيرة صوفية أوليائية هي سيرة تعلم، كما وقف عليه في كتاب «الفهرسة» لابن عجيبة الحسني، ووسمه بـ(كرونوتوب الطريق). ويقارب محمد صلاح بوشتلة (المغرب) علاقة نيتشه يسير الفلاسفة التي اطلع عليها، بشكل يُظهر مكانة القراءة السيرية عنده في الحُكم على هؤلاء الفلاسفة، ويُظهر مدى اطلاعه على الكثير من السير الذاتية، وهذا ما تؤكده عناوين أرشيف مكتبته التي تَضجُ بسير أعلام الأدب والفلسفة والسياسة، والتي كان يستميت في الاستعانة بها، والرجوع إليها للتدقيق في ملفات المفكرين المعروضة حالاتهم أمامه في هذه الشذرة أو تلك، كي يحمل مطرقته ويقضي بالحكم الفصل في حق كل واحد منهم.
وفي الدلالة الفلسفية لكتابات الذات، يقارب محمد الشيكَر (المغرب) هذه الكتابات استنادا إلى التقليد الذي يعتبر فعل التفلسف تورطا في حياة فلسفية شخصية، واضطلاعا بالتفكير الفلسفي بما هو «تمارين روحية»؛ إذ تتصادى في لُحمتها سائر التعبيرات الملفوظة التي تجعل من صيرورة تشكيل المعنى، وإنتاج الحقيقة والقبض على استعارات الأشياء والأحياء، محكيات ذات منتجة للخطاب، ومروية حياة حميمية خاصة، وليس مطلقا أدبيا متعاليا على الذات ومفارقا لتجربتها الأنطولوجية الشخصية. ولأن كتابات الذات ـ كما يقول- لا تنتظم بداءة ضمن جنس تعبيري محدد المدارات، بل تؤشر على أرخبيل تلفظي مترامي الحدود، ملتبس النهايات، وإن ما صَدَقَهَا ينسحب باللزوم على كل التعبيرات الأدبية الملفوظة التي تنهض على إيثوس خطابي أو تلفي في الأنا سندها المرجعي وميثاق تلقيها الهيرمينوطيقي، وذلك من قبيل الكتابات الأتوبيوغرافية واليوميات الخاصة، ومحكيات التخييل الذاتي والمحكيات الحية وما لف هذه الكتابات.
كاتب مغربي