في ختام أسبوعين من تبادل كثيف للنار في ساحتين، ثمة مجال لمراجعة واعية لإنجازات الحرب ودور إسرائيل فيها. في الجانب الإيجابي، تتوافر في الحرب إنجازات عسكرية مبهرة، ولا سيما في الجبهة الإيرانية؛ للإسرائيليين سبب وجيه للتفاخر بأداء الجيش الإسرائيلي، وقبل الكل بسلاح الجو. في الجانب الأقل إيجابية، إسرائيل والولايات المتحدة أخطأتا في تقدير رد النظام الإيراني وحزب الله. فهما باقيان ويردان النار. وأهم من هذا، استنتجتا بأن الأسوأ بات خلفهما. لقد كان تعيين زعيم أعلى جديد، من ناحية نفسية على الأقل، نقطة الانعطاف. فقد دلّ على قوة حيوية النظام. والآن، لم يتبقَ لهما غير الصمود، وضرب العدو، واستنزافه وإعادة بناء المنظومات التي تضررت. هذا تحليل تشارك فيه محافل في الجيش الإسرائيلي.
كل هذه النقاط تتطلب تفصيلاً وشرحاً. لكن يسبق التفسير ما يلي: إسرائيل في حرب، لكنها لا تقودها. وهي تسير في الظلام. تلوح علامة استفهام كبيرة فوق كل عمل لها: متى يقرر ترامب، المرشد الأعلى عندنا، إعلان النصر ووقف النار. ينشأ من علامة الاستفهام هذه عدد لا يحصى من القرارات، بدءاً بقرار قائد سلاح الجو: ماذا يقصف اليوم؟ منشآت إنتاج بالصناعة العسكرية الإيرانية، أم محطات الباسيج؟ هل يضرب مخازن صواريخ أم قيادات في الحرس الثوري؟ هو لا يعرف إذا كان لديه شهر آخر، أسبوع آخر، يوم آخر. العاجل ينافس الهام. فهو ما كان ليريد أن ينهي الحرب في وضع “الأسد الصاعد 2” – علاج مؤقت مع ادعاءات دائمة.
الآن ارتفعوا طابقاً واحداً إلى أعلى، إلى رئيس الأركان. فرئيس الأركان يقرر تخصيص القوات للحرب في لبنان دون أن يعرف أين سيسمح الأمريكيون له بالتقدم – حتى 7 كيلومترات، حتى الليطاني، حتى الزهراني – وكم من الوقت يملك حتى يأمروا بوقف القتال. في إيران نقاتل أمام عدو مشترك؛ وفي لبنان الإدارة الأمريكية سيد الطرفين. في الأسبوع الأخير، مارس الأمريكيون ضغطاً شديداً على إسرائيل للامتناع عن أي عمل يمس بجيش لبنان وحكومته. لم يعارضوا مواصلة قصف الضاحية التي أفرغت من سكانها. سلاح الجو يضرب منشآت الإنتاج التي كانت في الطوابق السفلى لأبراج سكنية.
المتفق عليه مع الأمريكيين وجوب إضعاف حزب الله أكثر، على أمل أن يتحلى الجيش اللبناني بالشجاعة ويواصل العمل. لكن هذا لا يحصل الآن. حزب الله لا يضعف، بل العكس؛ فهو يفاجئ إسرائيل بقدرته على إطلاق الصواريخ والمُسيرات إلى الشمال كله، بما في ذلك حيفا والكريوت، وبقدرته على تنسيق النار مع إيران. ليس صدفة على أن ركز الإيرانيون في الليالي الأخيرة على الشمال. حزب الله يعمل وكأنه لا يملك ما يخسره: مثلما أثبت شمشون في حربه ضد الفلسطينيين، فاليأس قوة.
ومن هناك، اصعدوا إلى طابقي “البنت هاوس”: الكابنيت، ورئيس الوزراء. الكابنيت مشلول؛ ليس فيه مداولات لا عن أهداف الحرب، ولا عن نقطة النهائية، ولا عن اليوم التالي، بل ولا حتى ادعاء بالبحث: هو ليس في الصورة. الوزراء يتلقون تقارير جزئية بين الحين والآخر، مع التشديد على بشائر طيبة، ويركضون وهم يحملون الفتات لمراسلي القنوات التلفزيونية. يسارع المراسلون للبث. ألا يريد الشعب بشائر طيبة؟ إذن سيحصل الشعب على بشائر طيبة. في ختام الحرب، ستجرى لقاءات صحافية مع كل منهم مليئة بالأكاذيب.
نتنياهو جلب ترامب إلى الحرب. هذا إنجاز مبهر: ما كان لإسرائيل قدرة على السير إلى هذه الحرب وحدها. تهديد نتنياهو بفتح هجوم في أيار كان خدعة. والآن، يستخدمها معارضو الحرب في أمريكا. فهم يقولون إن إسرائيل كانت الغاوية، أما ترامب فكان المغوي.
نتنياهو جلب ترامب إلى الحرب وبهذا انتهى دوره. بخلاف رؤساء وزراء سابقين – بن غوريون في حرب الاستقلال، وغولدا في حرب يوم الغفران – هو لا يدير الحرب. ضغطته على الزر الذي يطلق ذخيرة مُسيرة في إيران، في أثناء زيارة في قاعدة بلماحيم، جسدت ابتعاده عن مركز القرار.
المنظومات العسكرية للدولتين دخلتا في عمل مشترك، مثمر جداً. الأمريكيون يركزون في جنوب إيران وفي الدفاع عن مضائق هرمز؛ والإسرائيليون في الغرب والشمال. الأمريكيون يشحنون طائرات سلاح الجو بالوقود، هذا أتاح لطائراتنا في أن تنزل في العشرة أيام الأولى أكثر من عشرة آلاف قنبلة على إيران، ثلاثة أضعاف كل ما قصف في أثناء حملة “الأسد الصاعد”.
لكن القرارات تتخذ في مكان واحد: البيت الأبيض. المكالمات الهاتفية اليومية بين نتنياهو وترامب تستهدف الإبقاء على نار الحرب في قلب ترامب: نتنياهو كزبون، كمؤيد، كضاغط. لكن ترامب لا يتقاسم مع نتنياهو ما يفكر به حقاً، ولا قراراته بشأن ما سيأتي. كل ساعة يطلق لوسائل الإعلام رؤية أخرى.
التذبذب الترامبي يتسلل إلى الأسفل. الجيش الإسرائيلي يواسي نفسه بأن جنرالات أمريكا لا يعرفون أكثر منهم. مثلما علم القط أليس في بلاد العجائب – إذا لم تعرفي مكاناً تصلين إليه، فلا يهم في أي طريق تسيرين. وزير الخارجية ماركو روبيو حاول، بتشجيع البنتاغون، صياغة ثلاثة أهداف عملية للحرب: تدمير الصواريخ والمنصات؛ وتدمير الصناعة العسكرية؛ وتدمير الأسطول. أما ترامب فسارع ليخرب عليه، وأعلن عن تغيير النظام؛ أو لا – هذا منوط بالساعة.
هناك ثبات في انعدام ثبات ترامب: فقد أوقف الهجوم الأمريكي على الحوثيين فجأة في آذار الماضي؛ وأوقف حملة “الأسد الصاعد” في إيران، وادعى بإنجازات لم تكن، وجر الجميع إلى كذبته؛ وأوقف الجولة السابقة ضد حزب الله في لبنان. إذا أوقف الحرب في إيران بلا بيان مسبق، يمكن لإسرائيل أن تنظر إلى الحرب كإنجاز، وليس كتفويت فرصة. ولا يزال السؤال مفتوحاً: هل كان يمكن عمل شيء ما لتحييد 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب، كأس الفوز المقدس؟
في الحلف مع ترامب، حظيت إسرائيل بقوة عسكرية لم يسبق أن حظيت بها، وفقدت سيادتها. هذه هي الصفقة. المرة الوحيدة التي حاولت فيها إسرائيل إبداء الاستقلال هي الهجوم على منشآت النفط الإيرانية. الأمريكيون عرفوا على ما يبدو مسبقاً، لكنهم لم يعرفوا حجم الضرر. وعملوا مثلما عملوا بعد قصف غبي لفيلا في قطر: على طريقتهم، أوضحوا لإسرائيل قيود قوتها. هذه الحيلة لن تكررها إلا إذا سمحوا لها بذلك.
ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 13/3/2026