لندن- “القدس العربي”:
قالت مجلة “” في مقالها الافتتاحي بعددها الأخير، إن الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، تعتبر هجوما على الاقتصاد العالمي. وأضافت أنه مهما حدث لمضيق هرمز، فإن أسواق الطاقة العالمية قد تغيرت للأبد. فبعد اكتشاف كلفة التعرفات الجمركية التي فرضها بالجملة على دول العالم، يكتشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ثمن الحرب.
ففي 9 آذار/ مارس، أعلن ترامب أن الحملة العسكرية ضد إيران ستنتهي “قريبا جدا”، وهو تصريح أدى إلى تراجع أسعار النفط من 120 دولارا إلى 80، مع أن سعر البرميل كان قد استقر قبل الحرب على 70 دولارا. إلا أن إغلاق إيران مضيق هرمز أدى لمنع نسبة 15% من التوريد العالمي. وأظهر ترامب الذي يواجه انتخابات التجديد النصفي وناخبين قلقين من التضخم، بأنه لن يتحمل مسؤولية الكلفة هذه، تماما كما تراجع عن حربه التجارية عندما اهتزت الأسواق في الربيع الماضي.
ويتميز ترامب بالفوضوية في أمور الحرب والسلام، كما هو فوضوي في سياسات الاقتصاد. ومع إغلاق إيران المضيق بعد استهدافها الملاحة فيه، عاد سعر البرميل للارتفاع ووصل إلى 100 دولار. وفي الوقت نفسه، ظلت لغة الحرب هي السائدة في أمريكا، حيث هدد وزير الحرب بيت هيغسيث بأنه سيضرب بقوة لم ترها إيران من قبل.
وتعلق المجلة أن التشوش في مواقف ترامب وإدارته نابع من قلة الخيارات الجيدة أمامه. فمع أنه كان يملك قرار خفض التوتر في الحرب التجارية، إلا أنه لا يستطيع حل مشكلة الطاقة العالمية.
ومهما حدث، فالعالم يدخل مرحلة جديدة من انعدام أمن الطاقة. وترى المجلة أن الصدمة التي أحدثتها الحرب قد تكون ضخمة، صحيح أن العالم لم يعد يعتمد كثيرا على النفط كما كان أثناء أزمة عام 1973، عندما فرضت الدول العربية حظر النفط على أمريكا وأوروبا مما تسبب بارتفاع أسعار النفط إلى أربعة أضعاف. وليس كالفترة ما بين 1979- 1980 عندما أثرت الثورة الإيرانية والحرب الإيرانية- العراقية على إمدادات النفط العالمي.
في ذلك الوقت، كان من الشائع اعتماد الطاقة الكهربائية على النفط. أما اليوم، فلا يستخدم النفط بشكل واسع، حيث يتركز استخدامه في الصناعات البتروكيماوية والنقل. ومع ذلك، تظل هذه الثورة سلاحا ذا حدين، فالطلب على النفط اليوم ثابت، لذا يجب أن ترتفع الأسعار أكثر عند حدوث أي انقطاع في الإمدادات. وهذا الانقطاع حاد للغاية: فالخسارة في الإمدادات أكبر من صدمتي السبعينيات. وحتى في أسوأ لحظات الأزمة، لم يقترب التجار من تسعير قيمة إغلاق مضيق هرمز. وبات الطلب على النفط اليوم عنيدا، ولهذا يجب أن ترتفع الأسعار لكي تواكب عملية تعطيل الإمدادات. وربما يرتفع سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن بين الطلب الثابت والعرض ليصبح 150 دولارا للبرميل.
وتستطيع وكالة الطاقة الدولية الاستفادة من مخزون الطوارئ البالغ 1.8 مليار برميل، وهي بصدد الإفراج عن 400 مليون برميل.
لكن الوصول إلى النفط غالبا ما يواجه قيودا بسبب خطوط الأنابيب أو غيرها من المعوقات. وقد أدركت الصين، التي راكمت مخزونا ضخما منفصلا، ضرورة وقف صادرات بعض المنتجات المكررة. ولأن النقل عنصر أساسي في جزء كبير من الاقتصاد العالمي، فإن أي اختناقات في خطوط النقل قد تترك أثارا كبيرة.
ولا تقتصر الصدمة على النفط فحسب، إذ لا تزال منشأة تصدير الغاز الطبيعي المسال الرئيسي في قطر مغلقة بعد غارة جوية بطائرة مسيرة، ما أدى إلى سحب ما يقارب خمس الإمدادات العالمية من السوق، واتخذ قرار بتأجيل توسيع إنتاجه. وقد أدى توقف صادرات قطر إلى حالة من التنافس الشديد في آسيا. وفي أوروبا، حيث خزانات تخزين الغاز شبه فارغة بالنسبة لهذا الوقت من العام، ارتفعت الأسعار بأكثر من النصف. ويمكن للولايات المتحدة تصدير المزيد من الغاز الطبيعي المسال، لكن طلبها على الغاز الطبيعي في ازدياد، بسبب ازدهار مراكز البيانات التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة.
وأشارت “إيكونوميست” إلى أن إيران قد تحاول إطالة أمد الحرب، كي تظهر أن زمام وقفها واستمرارها هو بيدها لا الولايات المتحدة.
وفي 11 آذار/مارس، استهدفت إيران ثلاث سفن شحن في مضيق هرمز وناقلتي نفط قرب العراق. ومثل الحوثيين في اليمن، الذين نجحوا في مهاجمة السفن في البحر الأحمر بأسلحة بدائية رغم جهود أعضاء الناتو المتقدمة لوقف ذلك، فقد أدرك النظام الإيراني أنه قادر على إطلاق طائرات مسيرة على السفن والبنية التحتية للطاقة بينما يهاجَم ويدمَر بالقنابل.
ومع نهاية الحرب، تقول المجلة، سنجد أنفسنا أمام عالم جديد قد تغير، ويعرف المرشد الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، أن نقطة الضعف الأمريكية هي أسعار الطاقة.
وفي أوكرانيا، التي اختبرت أنظمة الدفاع ضد الطائرات المسيرة، لا تزال بعض الطائرات ذات التصميم الإيراني تخترقها. ولا تنوي القوات الأمريكية احتلال إيران لوقف عمليات الإطلاق. كما لا تملك أمريكا القدرة على حماية كل ناقلة نفط، حتى لو وفرت لها تأمينا رخيصا. لذا، فإن الإضطراب في أسواق الطاقة سيتغير تبعا للتوترات الجيوسياسية، وبخاصة إذا ما قررت إيران أنها بحاجة إلى سلاح نووي لضمان أمنها.
وتقول المجلة إن الحرب على إيران وضعت التجارة والمستثمرين وصناع السياسة أمام واقع جديد يجب عليهم أن يعملوا من خلاله.
وبالنسبة للمستثمرين، بات التباين بين عالم متقلب بشكل متزايد وأسواق الأسهم المزدهرة أكثر وضوحا. وتنضم الفوضى في الشرق الأوسط إلى قائمة طويلة من التهديدات التي تواجه الأسواق، بما في ذلك السيناريوهات القاتمة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ومشاكل الائتمان الخاص وفقدان الثقة في الحكومات المثقلة بالديون. وقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية منذ بداية الأزمة، لا سيما في جنوب أوروبا وبريطانيا التي تعتمد على الغاز الطبيعي المسال المستورد.
أما الشركات، فتواجه مخاطر جديدة، حيث تعكس أسعار الطاقة خطر اندلاع حروب مستمرة. وكما كان الحال بعد وباء كورونا وبداية الحرب الأوكرانية، يتعين عليها مجددا دراسة مخاطر سلاسل التوريد الخاصة بها، بما في ذلك انكشافها على اقتصاديات الخليج، التي اهتزت سمعتها في الاستقرار، والتي يتوقع أن تشهد انخفاضا في الاستثمارات والسياح.
وأمام صناع صناع السياسات قرارات صعبة، حيث يعد تخزين الطاقة جزءا من الحل.
وتعلق المجلة في هذا الإطار، أنه كان من الحماقة امتناع ترامب عن تجديد احتياطيات النفط الأمريكية بالأسعار المنخفضة التي سادت قبل الحرب. أما الآن، فستكون تكلفة زيادة المخزونات الطارئة أعلى.
ومن المفترض أن تؤدي الأسعار المرتفعة إلى زيادة المعروض خارج الشرق الأوسط. ولكن، إلى حين حدوث ذلك، فقد تجد دول مثل الولايات المتحدة صعوبة في مقاومة إغراءات الحمائية في قطاع الطاقة.
وعندما يبدأ منتجو النفط ومصافي النفط، بما في ذلك الصين والهند، بتقييد الصادرات في محاولة لحماية مستهلكيهم من ارتفاع الأسعار، قد يكون الضرر الذي يلحق بالدول الأخرى بالغا.
ومن هنا، سيتعين على البنوك المركزية التعامل مع تهديد تضخم متجدد يزيد من خطر كل من الركود الاقتصادي وتصاعد الأجور والأسعار.
وفي اتجاه آخر، سيجد الساسة أنفسهم أمام ناخبين يطالبون بدعم الطاقة، على غرار الدعم الذي قدم في الدول الغنية بعد غزو روسيا لأوكرانيا، والذي تجاوز 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول الأوروبية، مما زاد من ديونها. وهذا من شأنه أن يحول العبء إلى الدول الأفقر، لا سيما في آسيا، ففي عام 2022، عانت بنغلاديش من انقطاع التيار الكهربائي.
وفي النهاية، من الصعب التنبؤ بكيفية انتهاء هذه الأزمة. ولكن حتى لو أحسنت الدول سياساتها، فمن الواضح بالفعل أن الحرب قد جعلت الاقتصاد العالمي أقل ازدهارا وأكثر تقلبا وعقدت من كيفية إدارته.