موقع مؤلف النص المؤقلم من مؤلف النص المصدر


ثمة أمران يجعلان من رحلة الحسن بن محمد الوزان نصا مصدريا: الأول أن تأليفها في القرن السادس عشر الميلادي جاء في وقت كان فيه قالب القصة الأجناسي قد اكتمل بنيانه وترسخت قواعده. والثاني أن الرحلة تمثل خلاصة ما جرى على هذا القالب المكتمل والمستقر من عمليات تطوير حصلت في عصر النهضة. وتمخض عن ذلك التطوير تحوّل الرحلة من كونها شكلا أدبيا إلى أن تكون نوعا سرديا، ينتمي إلى الأصول نفسها والتقاليد عينها، ولكن بمواضعات ثقافية خاصة. معها أصبحت نصوص الرحلة التراثية نماذج، تتجلى أهميتها في قابليتها للأقلمة على مرَّ العصور. ومن ذلك أقلمة أمين معلوف لها في روايته (ليون الافريقي). وهي توصف بأنها نص جديد، اتخذَ من المتخيل السيري – ويُسرد على لسان الوزان نفسه – شكلا فنيا لأقلَّمة النص المصدر (وصف افريقيا).
ولا ريب في أنَّ غالبية الدراسات النقدية التي تناولت هذه الرواية بالتحليل والشرح، كانت قد اعتمدت على منهجيات أحادية سياقية أو نصية، واتجهت نحو مسائل فنية وثيمات ثقافية محددة كالتداخل، أو التعالق النصي، أو التناص، وثنائية الأنا والآخر، وجدلية السلطة والمثقف، وتعددية الهوية واللغة، والمنفى والهجرة، ومسائل أخر، تَستقرئُ العلاقات وتَبحثُ في الملامح الواقعية والأبعاد الاجتماعية والإنثروبولوجية. وما لذلك كله من صلات بالتاريخ والكولونيالية، مع اهتمام ملحوظ بدراسة واقعتي سقوط غرناطة واحتلال القاهرة.
والمتحصل من وراء هذه المنهجيات الأحادية والتوجهات الثقافية، هو أننا لا نكاد نجد للوزان صورة مختلفة عن صورته المعتادة رحالة عربيا. الأمر الذي يشي بتهميش جانب آخر من شخصية الوزان الفكرية. وهو ما يتجلى واضحا في ما ألفه من كتب، بسببها أدى دورا علميا خطيرا. ما جعل مهمته في تأليف كتابه (وصف افريقيا) ملتبسة أو مبهمة. والغريب أن ما ألفه الوزان من كتب، عدا (وصف افريقيا)، اختفى في ظروف غامضة وفي ظل حقبة تاريخية مفصلية بالنسبة إلى الأوروبيين عامة، والعلماء الإيطاليين بوجه خاص.
الأمر الذي يحتاج تسليط الضوء على النص المصدر بغية معرفة موقع مؤلفه من مؤلف النص المعدَّل، أو المؤقلَّم من خلال توظيف أدوات نقدية تتعدى التجزئة المنهجية – أحادية كانت أو بينيّة- إلى منهجية متعددة التخصصات، تسمح بتحليل جوانب معتمة تتعلق بتحديد مدى الإخلاص للمصدر أو الاستيلاء عليه.
إن مصدرية رحلة الوزان، تأتي من كونها رحلة شاملة جامعة، فيها أودع المؤلف الحسن الوزان العلوم مثل، الفلك والأنواء والسياسة والجغرافيا والتاريخ والإنثربولوجيا والميثولوجيا والطب والاقتصاد وغيرها جنبا إلى جنب تجريب الجمع بين أنواع سردية مختلفة مثل، السيرة والمقامة والخطابة والرسالة والمنامة والمذكرات واليوميات. والميزة التي تحسب للوزان أنه استطاع مدَّ الحبكة القصصية في كتابه مدَّا، معه طال محتوى قالب القصة. فتعدد المحتوى البنائي للنص من جهة، وبقي القالب من جهة أخرى على حدوده المعهودة منضبطا يحافظ على تماسكه وتصاعد تحبيكه. وإذا كان قالب القصة قد اكتمل على يد ابن طفيل (1100- 1185م) في قصته (حي بن يقظان)، فإن رسوخ هذا القالب جاء على أيدي القصاصين والمؤلفين الذين أتوا بعد ابن طفيل. ومن بينهم الحسن الوزان.
فكيف تمكَّن أمين معلوف من أقلمة قالب القصة المكتمل فنيا وتاريخيا في قالب الرواية المهيمن عالميا في عصرنا الراهن؟ جاءت أقلمة كتاب (وصف افريقيا) في رواية (ليون الافريقي) في شكل سيرة أوتوبوغرافية، وظّف فيها معلوف المتخيل السيري في رصد حياة هذه الشخصية التاريخية، موجها السرد وجهة واقعية، تعالق فيها الماضي بالحاضر، أو محكي التاريخ بمحكي الواقع. وهذا ما سمح له بأن يؤقلم كثيرا من جماليات النص المصدر، ويوجهها لخدمة منظوره الأيديولوجي. مما كان خافيا في أسفار الوزان التي توزعت بين المغرب وفاس والسودان والأطلس الكبير وبلاد حاحا ومراكش وسوس والحجاز والإستانة وليبيا وتونس، من ثم عودته مجددا إلى المغرب.

وكان لمعلوف أن يكشف عن جماليات أخر، بيد أنه بقي محكوما بالمتخيل السيري، فلم يتعمق في حقيقة الوضع الدقيق الذي كان الوزان عليه، بسبب ثقافته الموسوعية التي وجهت أنظار الطامعين بعلمه إلى مراقبته مراقبة خفية، والتجسس على حركاته حتى تمكّن القرصان الإيطالي من اختطافه. فاستغلت إمكانيات الوزان المعرفية وقدراته الأدبية أفضل استغلال. ووُجهت نحو أغراض، تصبُّ في صالح الأوروبيين. فقد كان الوزان جغرافيا ولغويا وراصدا فلكيا ومؤرخا أدبيا وعالما في شؤون القبائل العربية، وخبيرا أنثروبولوجيا بأجناس البشر وطبائع الحيوانات والطيور وحياة النباتات والحشرات، وعارفا بأنواع العلاجات لمختلف الأمراض البشرية وغير البشرية. ولعل في وجود لوحة أو بورتريه لحسن الوزان، رسمها الفنان الإيطالي رسيباستيانو ديل بيومبو، إشارة غير خافية إلى المكانة التي حظي بها هذا الرحالة في عصر النهضة، وكتعبير عن امتنان الإيطاليين للوزان على ما قدمه إليهم من خدمات وخبرات ومعلومات، بسببها بلغوا ما بلغوه في ما بعد من هيمنة عسكرية وتجارية، فاستحوذوا على خيرات شعوب افريقيا، وارتادوا آفاقا جديدة، بحثوا فيها عن مزيد من الهيمنة الاستعمارية على قارة آسيا.
وعلى مستوى أقلمة البناء الفني للنص المصدر، حوَّر المؤلف أمين معلوف دور الشخصية الرئيسية/ الوزان من كونه عالما ورحالة إلى أن يكون شخصية بورجوازية مأزومة، فيها الوزان سارد شاب يكتب مغامرات رحلاته، إلى أربع ممالك في افريقيا هي فاس والسودان وتلمسان ونوميديا وفق نسق (التأطير) ولم تحدد الرواية اسم هذا الابن، أو السنة التي فيها دوّن الأب وصاياه تلك. وقد تعمد أمين معلوف كتابة مقاطع هذا المخطوط بخط غامق وبشكل مائل تمييزا له عن المتن القصصي، الذي هو عبارة عن قصة ضمنية شغلت الجزء الأعظم من السرد الروائي. واتخذت شكل متخيل سيري، سار فيه على تقاليد السرد العربي بدءا من أول يوم في الرحلة، واستمرارا إلى آخرها. وكان لتقانة الاسترجاع الزماني دور مهم في استعادة السارد للأحداث التي مرت به في رحلاته، وكان في أثناء تدوينه لسيرته يذكر بعض المسائل الدالة على ما له من مقدرة علمية وجغرافية وتاريخية وسياسية، مكّنته من الإحاطة بما كان سائدا في عصره.

وكان التركيز في بناء المتخيل السيري على ما يمكن لأي رحالة أن يواجهه في البر أو البحر، من مفاجآت ومنغصات. واستعمل معلوف للقصة الضمنية الأقواس، وبها نصصَّ بعض المقاطع في إشارة إلى أنها مستلة من مخطوط (تاريخي) وهي طريقة حصيفة في تأكيد ملكية الوزان الفكرية. ولا يعني استعمال الأقواس أنَّ الروائي لم يحوِّر النص المصدر، وإنما هو أسلوب التكبير الخارجي Zooming out لحياة الوزان. ومما عمد إليه أمين معلوف في توظيف هذا الأسلوب، تقسيم فصول الرواية تقسيما تأريخيا، حسب التقويمين الهجري والميلادي باليوم والشهر والسنة. وأعطى لكل عام عنوانا خاصا، هو بمثابة توصيف يختزل مجريات أحداث ذاك العام. ويبدأ التسلسل التأريخي بعام سلمى الحرة 894 هـ/ 5 كانون الأول/ديسمبر 1488- 24 تشرين الثاني/نوفمبر 1489) وسلمى هي والدة الوزان. وانتهى التسلسل بعام المرتزقة الألمان 933 هـ( 28 تشرين الأول/أكتوبر1526 – 6 أيلول/سبتمبر 1527 م) وفيه فرَّ الوزان من قبضة العصابات، وتمكن من العودة إلى المغرب عبر تونس.

ومن الأساليب أيضا اعتماد النص المؤقلَّم على السرد التسجيلي في توثيق سيرة الوزان. وهذا على خلاف ما اشتمل عليه النص المصدر ( وصف افريقيا) الذي جاء مبنيا على فكرة تقديم الوصف العلمي والملاحظات التجريبية على المسائل الشخصية. وكان من تبعات السرد التسجيلي في النص المؤقلَّم أن طغت الصيغة التأريخية على الرواية، فضاعت فرصة البناء على ما في النص المصدر من استباقات كثيرة. كان من الممكن الإفادة منها، من قبيل ما ذكره الوزان من معلومات عن كتبه، ومنها إشارته إلى أنه سيبسط العقائد الأربع في كتيب بعنوان «اللغة في العقيدة والشريعة الإسلامية على مذهب مالك»، أو قوله: (آمل أن أدرس مسألة الديانة الإسلامية دراسة شاملة في ما يتعلق بهذه النقط المهمة والاختلافات المشاهدة فيها بين مسلمي افريقيا وآسيا وذلك في كتاب آخر بعد أن يتم تأليف هذا الكتاب).
ولا شك في أنّ أقلمة النص المصدر في شكل سردي محدد «سير ذاتي» كان قد حال أيضا دون الالتفات إلى ما في النص المصدر (وصف افريقيا) من صيغ وأنماط فنية أخذت مساحة خاصة منه. من ذلك مثلا استعمال السردين العجائبي والغرائبي. وهو أمر معتاد إذا علمنا أن الخيالية تقليد من تقاليد السرد العربي القديم، سار الرحالة الوزان عليها في سرد ما رآه من مشاهد وصور، فيها العجيب والغريب والمحاكاة الساخرة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *