ماذا قصد أردوغان بـ “الشبكات المتعطشة للدماء؟


إن إغلاق مضيق هرمز والتقارير التي تفيد بزرع ألغام في الممر التجاري في الخليج الفارسي، وهجوم بمسيرة على ناقلة نفط في ميناء عُمان، واستمرار إطلاق النار على الإمارات، وإغلاق منشآت الغاز في قطر، وخفض إنتاج النفط في العراق بنسبة 60 في المئة… كل ذلك يندرج ضمن إطار حرب الاستنزاف التي تشنها إيران في الأيام الأخيرة. تستند استراتيجيتها إلى تقييم يبدو منطقياً، يفيد بأن الضرر الذي لحق بممرات الملاحة في الخليج الفارسي لم يتسبب فقط في ارتفاع أسعار النفط وانهيار بعض أسواق الأسهم، بل قد يحدث سلسلة من ردود الفعل، حيث ستؤثر أسعار النفط على أسعار الكثير من السلع الاستهلاكية الأخرى وتزيد التضخم في دول كثيرة في المنطقة وتخفض مستوى المعيشة، لا سيما في الدول الفقيرة – كثير منها في الشرق الأوسط – وربما تثير بعد ذلك احتجاجات واضطرابات مدنية.

بهذه الطريقة تقدر إيران أن بإمكانها استخدام ضغط كبير على ترامب الذي دعا إلى حرب قصيرة جداً. إضافة إلى ذلك، هذا سيجبره على التفاوض مع النظام الذي سعى إلى إسقاطه وبشروط تعيد لإيران قوتها كقوة عظمى. وقد أوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا الموقف عندما صرح الثلاثاء بأن بلاده لا تسعى إلى وقف إطلاق النار، بل إلى الدفاع والانتقام. في غضون ذلك، غرد الأمين العام للمجلس الأعلى القومي علي لاريجاني: “حتى الذين هم أقوى منك (بالإشارة إلى ترامب) لم ينجحوا في إرادة الأمة الإيرانية، احذر من أن تباد أنت نفسك”.

شرط إيران المسبق لأي مفاوضات الآن هو الالتزام بوقف إطلاق النار، وضمان عدم تعرض إيران لهجوم آخر. كان هذا أحد الشروط الأساسية التي وضعتها إيران في جولات المفاوضات السابقة بشأن اتفاق نووي جديد. ولكن بينما كان من المفترض أن يكون الالتزام بعدم الهجوم جزءاً من اتفاق شامل في تلك المفاوضات، يبدو الآن أن إيران تقدر بأنها تستطيع الفصل بين قسمي المفاوضات: اتفاق عدم اعتداء يؤدي إلى وقف إطلاق النار، ومحادثات لاحقة، في زمان ومكان تحدده إيران، حول هذه القضايا.

ملخص إيراني مؤقت لنتائج الحرب بعد 13 يوماً يظهر أنه رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بمؤسسات النظام، واغتيال عشرات المسؤولين الكبار وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وقصف المنشآت النووية وقواعد الصواريخ وأماكن إنتاجها، وشل بعض الاتصالات العسكرية بشكل أدى إلى تعطيل سلسلة القيادة – لكن النظام لم يسقط ولم تندلع الاحتجاجات مجدداً، وما زالت الشوارع تخضع لسيطرة مشددة من قبل قوة الباسيج والشرطة والحرس الثوري. وفي الوقت نفسه، استكملت عملية اختيار المرشد الأعلى الجديد، رغم أن المرشد مجتبى خامنئي لم يبدأ عمله بعد بسبب إصابته.

ترى إيران أنها قد رسخت توازناً إقليمياً جديداً للرعب. ويوضح قرارها مهاجمة دول الخليج الجارة التي تشمل شركاء تجاريين هامين مثل الإمارات وقطر وسلطنة عمان، إضافة إلى السعودية والبحرين والكويت – التي سعت بجهد لبناء علاقات اقتصادية ودبلوماسية معها في السنوات الأخيرة – طبيعة التهديد. وقد ثبت خط تقييمها السابق بأن دول الخليج وبسبب علاقاتها الوثيقة مع الإدارة الأمريكية والاستثمارات الكبيرة التي قدمتها وتعهدت بتقديمها لأمريكا والعلاقات الودية بين قادتها وترامب ستشكل درعاً واقياً لها.

وقد فشلت هذه الدول في منع حرب الـ 12 يوماً في حزيران الماضي، ولم توقف الهجوم الحالي. وكان رد فعل دول الخليج متراخياً إزاء الهجمات واسعة النطاق التي تعرضت لها، بما في ذلك الإمارات، الشريكة الثانية لإيران، التي عانت من هجمات بمسيرات وصواريخ أكثر مما عانت منه إسرائيل في البداية؛ وقطر الشريكة في أكبر حقل غاز في العالم. والآن تستطيع إيران أن “تثبت” لهم بأنهم هم الذين بحاجة إلى درع واق. لم تشكل هذه الدول “التحالف العسكري” الذي كان من المفروض أن يكون محوراً أمريكياً إسرائيلياً عربياً ضد إيران. فقد تحول اعتمادها على الدفاع الأمريكي والتواجد العسكري الأمريكي في أراضيها إلى “شعور زائف بالأمان”. والسلاح الكثير الذي حصلت عليه من الولايات المتحدة ودول أخرى لا فائدة منه، بل أصبح دون جدوى. من الآن فصاعداً سيتعين عليها إعادة النظر في استعدادها الأمني والسياسي.

في هذا السياق، يعتبر التميز الذي وضعته إيران باختيار أهدافها أمراً هاماً جداً. فبينما تمطر إيران دول الخليج بنيرانها، بقيت تركيا حتى الآن بعيدة عن أي أذى يذكر. في الحالتين اللتين أطلقت فيهما صواريخ في المجال الجوي التركي، واعترضتها أنظمة الدفاع التابعة لحلف الناتو، سارعت إيران إلى نفي مسؤوليتها عن إطلاق النار، وهو النفي الذي دحضته تركيا.

حسب تفسير تتناقله مصادر تركية، فقد استعدت إيران لاحتمالية فصل أجزاء من الجيش والحرس الثوري عن القيادة. لذلك، قسمت الوحدات القتالية إلى 6 – 7 مراكز مستقلة تعمل بحسب أوامر معدة مسبقاً. ويبدو أن هذه الأوامر شملت أيضاً مهاجمة قواعد أمريكية في تركيا. وحسب هذا التفسير، فقد أطلقت وحدة من هذه الوحدات المستقلة الصواريخ دون معرفتها عن تغيير السياسة من قبل صانعي القرار الإيرانيين.

مع ذلك، ينبغي أن يثير هذا التفسير قلق تركيا، إذ يوضح أنها كانت جزءاً من “بنك الأهداف” المخطط لها. وهناك عدة تفسيرات تكتيكية لامتناع إيران عن مهاجمة تركيا، منها الإدراك بأن قوة تركيا العسكرية تفوق قوة الدول العربية. إضافة إلى ذلك، هذا قد يدفع تركيا إلى حشد دول الناتو لمساعدتها، ما سيوسع نطاق الهجمات ضدها.

تضم قاعدة انجرليك في تركيا سلاحاً نووياً تحت رقابة أمريكية. وتتشارك تركيا وإيران مصلحة مشتركة في محاربة نزعة الأكراد الانفصالية، وتعتبران التنظيمات الكردية المسلحة تهديداً لأمنهما القومي. وقد تصبح تركيا الآن وجهة لمئات آلاف الإيرانيين الذين يرغبون في الهرب من الحرب.

مع ذلك، وبغض النظر عن هذه الاعتبارات العملية، فإن إيران تخطط بالفعل لما بعد الحرب. ففي ذلك اليوم، يتوقع أن تعيد دول الخليج، رغم عدم مشاركتها في الحرب وتعهدها مثل تركيا بعدم السماح باستخدام أراضيها لمهاجمة إيران، النظر في سياستها تجاه إيران. عند هذه النقطة قد تصبح تركيا البديل المحتمل للشراكة الاقتصادية القائمة، وربما تشكل أيضاً قوة دعم سياسية وأمنية.

لقد وصفت تركيا في إيران بأنها “الدولة التي خانت إيران” عندما ساعدت، بل وخططت، بحسب إيران، لإسقاط نظام الأسد بقيادة أحمد الشرع. تركيا حليفة لأمريكا، لكنها ساعدت إيران أيضاً في الالتفاف على العقوبات الأمريكية، وتطورت العلاقة بين الدولتين بشكل كبير عندما ساعدت قطر في مواجهة الحصار الذي فرضته عليها السعودية والإمارات والبحرين ومصر في الأعوام 2017 – 2021.

لعبت تركيا دوراً رئيسياً في استئناف المفاوضات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة. ورغم أن إيران فضلت في نهاية المطاف عقد المحادثات في عُمان بدلاً من إسطنبول، إلا أن تركيا استمرت في لعب دور الوسيط من وراء الكواليس. تركيا حليفة لأمريكا، لكنها خلافاً لكل دول الخليج، تكن العداء لإسرائيل وتخوض صراعاً من أجل الهيمنة الإقليمية ضدها.

في هذا السياق، يجدر الانتباه إلى تصريحات أردوغان. ففي اجتماع لحزب العدالة والتنمية أمس، قال بصراحة: “لقد شنت إسرائيل مؤخراً حرباً على الجارة إيران، وألحقت أضراراً جسيمة، وفي الوقت الذي كانت فيه إمكانية حل المشكلات من خلال المفاوضات قائمة، أدت الحسابات الخاطئة وسوء التقدير، وبالطبع استفزازات الشبكات المتعطشة للدماء، إلى إغراق المنطقة مجدداً في دوامة الدماء والعنف”. ما هي هذه الشبكات المتعطشة للدماء التي يتحدث عنها أردوغان؟

وقال أردوغان: “نحن ندرك النوايا الحقيقية من وراء الحملات التي تديرها اللوبيات المعادية لتركيا، ولن ننجر إلى ألاعيبها. تركيا الآن تختلف كلياً عن تركيا أمس. فقد انتقلت من الدور السلبي إلى دور الدولة التي تغير قواعد اللعب”. هكذا يسعل فهم من كان يقصد.

لكن هذه التقييمات والاعتبارات تعتمد كالعادة على التغريدة القادمة التي سينشرها ترامب. فإذا قرر انتهاء الحرب بانتصار له، وأن كل ما يحتاجه الآن ورقة للتوقيع، فيمكن الافتراض بأن تركيا هي التي ستقدم الطاولة والقلم والورقة.

تسفي برئيل

هآرتس 12/3/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *