يأتي هذا الحوار مع الباحث المغربي مصطفى رجوان كنافذةٍ تُطلّ على عالمٍ يلتقي فيه السرد بالحياة، وتتعانق فيه القراءة بالكتابة في رحلةٍ واحدة من الاكتشاف والدهشة. وهو في هذا الحوار المتشعب لا يتحدّث عن نفسه بقدر ما يتحدّث عن تجربته مع الكلمة، وعن المدن الصغيرة التي تزرع في النفس رغبة في البحث عن مدنٍ أخرى داخل اللغة، وعن الدروب التي قادته من مقاعد الدراسة إلى رحاب النقد والتأمل في التراث العربي. وفي حديثه عن النقد، لا يضع رجوان نفسه في صفّ المنظّرين، بل في صفّ المتأمّلين، الذين يكتبون لأنهم وجدوا ما يستحقّ أن يُقال، لا لأنهم أرادوا أن يقولوا شيئا. من هنا تتجلّى ملامح مشروعه النقدي: مشروعٌ يسعى إلى إعادة اكتشاف البلاغة والسرد في التراث العربي، وإلى البحث في ما وراء النصوص من رؤى وأفكار، تعيد إلى البلاغة جوهرها الفلسفي وتحرّرها من القواعد الجامدة.
البدايات والنشأة
*حدّثنا بداية عن نشأتك، عملك، تعليمك، وكيف بدأت الاهتمام بالسرد في التراث العربي قراءة ودراسة؟
– يقع هذا الحديث في كتاب الحنين والألفة، وهو حديث ذو شجون. نشأتُ في مدينةٍ تحتاج إلى مدنٍ أخرى قريبة لتعريف نفسها، لكنها حاضرة في مكانٍ ما من الخريطة، في جهة تادلة في المغرب. عملي الأساس هو التدريس، وأنا أستاذ عرضيّ في بعض الجامعات. أما اهتمامي بالسرد فهو قديم، يوازي وعيي بالحياة. فالسرد حياة متخيّلة، والحياة لا تمضي إلا بسردياتٍ تجعلنا نواصل السعي ونؤدي أعمالنا اليومية بتفانٍ. السرد في التراث العربي غابةٌ كثيفة، لا أرغب في مغادرتها، لكن غالبا ما تحجبها شجرة كبيرة تُسمّى الشعر. أما اشتغالي النقدي فقد بدأ حين أدركتُ أن لديّ ما يمكن مشاركته مع الآخرين، وأنني أودّ أن أخبرهم بلذةٍ اكتشفتها. الكتابة عندي ليست فعلا مقصودا لذاته، بل ثمرة قراءاتٍ كثيرة ونوعية. القراءة هي الأصل، وهي التي تلد الكتابة، لذلك أعدّ نفسي قارئا جيّدا يشارك أفكاره بجرأة، لا كاتبا في المقام الأول.
البلاغة فلسفة حياة

*يوصف كتابك «الكائن البلاغي» بأنه كتاب في فلسفة البلاغة أكثر منه في البلاغة ذاتها، ما الذي يعنيه هذا الانتقال من البلاغة علما إلى البلاغة فلسفة؟
– البلاغة ليست علما، بل طريقة في التفكير وقيمٌ وأسلوب حياة. هي ضدّ القواعد وضدّ الاستقرار. لقد تربّت البلاغة في حجر الفلسفة، على يدي أفلاطون وأرسطو، سواء في البلاغة الحجاجية أو الشعرية. والبلاغة العربية نشأت عند المتكلمين المعتزلة كما يخبرنا الجاحظ في «البيان والتبيين». حين تنفصل البلاغة عن الفلسفة تصبح سطحية وجوفاء، لذلك نحن لا نحتاج إلى «البلاغة»، بل إلى فلسفة البلاغة، لأن الفلسفة تعلّم فضيلة السؤال وعمق التفكير وتُربك النمطي والمألوف. في كتاب «الكائن البلاغي» حاولتُ قراءة «البيان والتبيين» من جديد، رافضا أن يكون كتاب الجاحظ مضطربا أو مسترسلا في الاستطراد، بل منظما ببنيةٍ تحكمها مفاهيم النطق والعقل والاستطاعة، التي ترجمها الجاحظ إلى الفصاحة والبيان والبلاغة. ثم تابعتُ ذلك بكتاب «بلاغة السرد: الحكاية المركّبة في كتاب البيان والتبيين»، حيث كشفتُ عن أن هذا النص العظيم يحمل سردية كبرى ما زالت قابلة للقراءة والاكتشاف كلما عدنا إليه.
البلاغة الثقافية: إنقاذ البلاغة من نفسها
* نلمس في مؤلفاتك سعيا إلى توسيع مفهوم البلاغة، من أداة لغوية إلى رؤية فكرية وثقافية. كيف تعرّفون «البلاغة الثقافية» اليوم؟
-لا أريد سجن أعمالي المستقبلية في أي خانة، لكن أرى في «البلاغة الثقافية» حلا مثاليا لإنقاذ البلاغة من نفسها. البلاغة تعيش بالحركة والارتياب، وتموت بالتقعيد والاطمئنان. وأعتقد أن كتاب «الطعام والكلام» لسعيد العوادي، الحائز جائزة الشيخ زايد، قد تجرّأ على ما كنّا نصبو إليه. البلاغة الثقافية هي البلاغة الأولى في الثقافة العربية، بدأت مع الجاحظ، لكنّ ورثته قطعوا أوصالها وأساؤوا فهمه. إنها بلاغة تسائل ولا تقعد، تنفتح ولا تضيق، تستمع لكل الخطابات ولا تقصي أحدا. هي بلاغة خفيفة الروح، ممتعة، غير متجهّمة، تمنح القارئ متعة الفهم، وتمنح البلاغي دور المؤوّل الذي يعيد تقديم النصوص في حلّة جديدة.
في مواجهة النص الحديث
*هل ما زالت البلاغة العربية القديمة قادرة على تحليل النصوص الحديثة، أم أننا بحاجة إلى بلاغة جديدة في رأيك؟
-لا أعدّ البلاغة العربية القديمة تقليدية، بل بعض قراءاتها فقط هي التقليدية. قد تكون البلاغة فقدت روحها في بعض المراحل، لكنها لم تمت. لقد ظهرت بلاغات جديدة في كل عصر: عند الجاحظ والجرجاني وابن الأثير وحازم القرطاجني وغيرهم، وكلّ منهم قدّم رؤية مختلفة يمكن البناء عليها.
البلاغة ليست أدواتٍ أو مصطلحاتٍ جامدة؛ إنها مبادئ وقيم. وكل نصٍّ يخلق أدواته الخاصة، لكن الثابت أن البلاغة تقوم على الإنصات، والتفكير، وقبول الاختلاف، وهي قيمٌ لا تتقادم.
البلاغة في زمن التحوّل الرقمي
* كيف يمكن للبلاغة أن تواكب الخطاب الرقمي الجديد القائم على السرعة والاختزال؟
– جاء مفهوم البلاغة في الأصل ليستوعب التلون والاختلاف. البلاغة تعيش بالتكيّف وإعادة التكيّف، وتستوعب خطابات الإنسان كافة، من دون أن تعبأ بتغيّر الوسيط. البلاغة هي التواصل، سواء أكان بالكلمة، أم بالصورة، أم بالرمز. وسائل التواصل الاجتماعي، والوسائط الجديدة، والإعلانات، والذكاء الاصطناعي، كلها خطابات إنسانية تستحق التحليل، لأنها تعبّر عن زمننا وتؤثّر في وعينا. البلاغة، إذن، ليست حنينا إلى الماضي، بل أداة لفهم الحاضر.
عن الجوائز ودورها في الإبداع
* فزت بعدة جوائز مرموقة. ماذا مثّل لكم هذا التتويج؟
– هناك أيادٍ ممدودة للباحث في العالم العربي، هذه الأيادي الكريمة شجعت الباحثين والمبدعين، ومنحتهم الدعم المادي والمعنوي للاستمرار. الجوائز مكوّن أصيل في الثقافة العربية؛ فهي صلة وصل بين المبدع وصانع القرار. حتى الجاحظ، وهو كاتبي المفضّل، نال جوائز على كتبه. ولا أنكر أن فوزي بأولى الجوائز منحني الثقة على أنني شاعر وكاتب جيّد، فكانت حافزا للمضيّ قُدما في البحث والكتابة.
آفاق الكتابة ومشاريع المستقبل
*ما المشاريع النقدية والبحثية التي تعمل عليها في المرحلة المقبلة؟
– أصدرتُ في سنة 2023 كتاب «نعيش لنحكي: بلاغة التخييل في كليلة ودمنة»، ثم تلاه كتابٌ آخر هو أطروحة الدكتوراه التي طال اشتغالي عليها، بعنوان «حبكات وشخصيات: المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية، وقد صدرت هذا العام. منذ ذلك الحين وأنا أفكّر في حساسية جديدة في الكتابة، حساسيةٍ تجمع بين قوة البحث وجِدّة الرؤية النقدية. لم يعد يكفيني أن أكتب ضمن الإيقاع المعتاد للدراسات الأكاديمية. فالكتب والدراسات صارت تصدر بوتيرةٍ سريعة، لكنّ الكثرة لا تعني دائما الإضافة، لا أدعو إلى وقف هذا السيل، بل إلى التأنّي وإعادة التفكير في معنى الكتابة ذاتها. إنني أبحث عن صوتٍ مميّز لا يلتبس بأصوات الآخرين، وعن كتابةٍ تتجاوز منطق التقرير الأكاديمي إلى فضاء التأمل والابتكار. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل واقع الباحث الأكاديمي الذي قد يُضطرّ إلى الكتابة بدافع العمل والترقّي الوظيفي. هذه الأعمال، رغم قيمتها البيداغوجية والعلمية، ليست دائما من النوع الأثير إلى نفسي. أمّا الكتابة الأثيرة حقّا فهي تلك التي تولد من شغفٍ حرّ، ومن حاجةٍ فكرية وجمالية خالصة، لا من متطلبات السياق المؤسسي. هي كتابة تُشبهني وتعبّر عن رؤيتي، وتسعى لأن تترك أثرا لا يُنسى.
*خالد عواد الأحمد: كاتب وصحافي سوري مقيم في المملكة الأردنية الهاشمية