نستعيد بعض ما أهمله انشغالنا عن اللغة في مستويات «التحقّق» بتعبير صوفي بقراءة الشعر، ذلك الاتجاه الذي لا يقود سوى إلى الذات، لأنّ الإيقاع والموسيقى كامنين في الوقوف على مسار الشعر، وهو يبحث عن جوهر المعنى، عن المحبة، عن السؤال الذي غاب في متاهة الأجوبة الجاهزة في عصر تحوّل حتى الذكاء إلى اصطناعي، فما بالك بالإنسان، هذا الذي فقد بوصلة «التأويل» فصار شكله دالا عليه، وذاب المخبر في غلالة المظهر، فكان «صعب تأويل الهديل»، شذرات عبد الحميد إيزة، شعرية ترسم وجهة الذات نحو ذاتها في مسالك تتّسم بالمعاناة والتأمّل وسلوك درب العشق، والتحليق في «المقامات» لا بقصد الوصول، ولكن برغبة السير: «الكتابة كالحرباء، تأخذ لون مزاج الكاتب».
تنسلخ الكتابة من لونها الواحد المتمثل في الحرف الكاشف، إلى مستويات من التمظهر تشي بأمزجة متعدّدة للشاعر، الذي يصّاعد مقام المعنى ليعثر على تعدّده.
التأويل هامش التحقق
تتحوّل كتلة الجسد إلى بؤرة للعمل، إذ ستتأسّس الجرأة في النّظر إلى النبض، «الجبّة» بتعبير الحلاج، وحده ذلك الأثر يقود إلى شيء من الحقيقة: «يشرب من عين تنبع جهة القلب.. ويقيم في الغياب». مقام الغياب، حضورُ الأسئلة التي تواجه كتلة الاستهلاك، شكل الأناقات في الجسم وما تخفيه الضرورة الحياتية، مرآة الظهور، ذلك السؤال الذي يُواجَهُ به الشكل ليحيل إلى «الغياب»، حيث تقيم البداهة الشعرية النّاهضة بسؤال المحبة.
«صعب تأويل الهديل»، الهديل صوت، والصوت ظهور، والشعر غياب ونأي عن الشكل، هي الأشياء حين يتغيّاها الشاعر لتقول ما لم يُقل، ما لم تعثر عليه الدربة اللغوية في قواميسها، الإشارة والرّمز والدلالة، عناصرُ القول المتخفي في ما لا نراه، ونروم تأويله لنصل فسحة المقام على لهيب الشوق الذي يُغْني عن الرّؤية: «أين أعلّق هذه اللوحة الرائعة وقلبي مكتظ بالصور؟»، هل نرى صور القلب أم ندركها، اللوحات أمام النّظر، ونظر الشعر إلى الداخل، والداخل محمّل بدهشة الغياب، حين تتعدّد الصور التي لا تشبه «الشكل» وتستعصي عن التحديد، ولا تقول شيئا سوى أنّها صور تجعل الشذرة ملاذ الكلام حين تعجز الذات عن التعبير، عن الملل وهي داخل متاهة الإغراء، إغراء الظاهر، الحياة هامش الوجود والنص هامش التحقّق.
المقام وهج والتحفة سجن
حين نمسك بالأشياء ونشعر لذّة إغرائها نقع في حبّها، نصاب بأنانية التفرّد بامتلاكها، لكن حقيقة الأمر أنّ تلك الأشياء ليست أكثر من وجه آخر للتحقق في عالم لا نمتلكه، فقط نقع على مظاهره، الجوهر ليس لنا، نشعر بأنّنا نجد متعة فيما نراه، هل فعلا نحن مستمتعين بالمشاهدة: «لا أدري أعاشق أنا أم جامع تحف؟». عند حافة النظر تتحرّك الحياة كما لو أنّها مجموعة أشياء تمتلك سلطة الإغراء الذي به تثير شهوة التملّك عند النّاس، والمسافة بين الإغراء والتملّك تقع خارج مجال العشق، لأنّ نهاية الشيء ستكون بين اليدين وما ترومه الروح يقع في القلب محل الحنين، فجامع التحف يتوهّم الجمال في الصور لا في الدافع إلى إبداعها، ولهذا الوصول لديه مرتبط بامتلاك التحفة لا بالمعاناة في تلقيها، مصدر التحفة قد يدقّ حتى عن من أوجدها، لأنّ المصدر ليس من عناصر الظاهر، خيالات تتحرّك في غرف ليست ذات لون ولا رائحة ولا ضوء، تقع في ما وراء «أنا» التي تتمظهر كغيرها من أشياء العالم، ليست حقيقة ولا مجازا، إنّها بين ذلك تبحث عن هوية في شيء ما يسكنه الجمال، ويحيي في الروح ما لا يستطيع النص الإبلاغ عنه سوى بما يمكن شعوره كتحقّق وفق حواسنا القاصرة.
هذا التحقق القاصر عن الإيصال، يستعيض في الوجود بمكنة الإيجاد، يتمظهر في معترك الحياة بمظهر المنتج، إنتاج الحياة لكن في صورة «جامع التحف»، الذي ليس هو مبدعها، الجوهر يكمن في الإبداع، وحين تصيب الإنسان دهشة الإبداع، تقذف به حرارتها في حياض المبدع القادر، تلك تجربة العارفين في تنحّيهم عن «أنا»، تلك التي لا تعود بهم سوى لمناط الكينونة في زيف الظاهر، ترابية البدء الجسدية التي تعتبر نهايته: «عجبا لفانٍ كيف يقول: أنا!؟». الفناء في الظاهر عودة إلى الأصل الترابي، أما الفناء في اللامرئي فهو عين الشهود في عالم المعشوق، ولهذا كان المقام عوض «التحفة»، فالمقام وهج، لمعٌ بعيد لا ندركه إلا بمقدار ما يدفعنا إلى الفناء المدجّج بالانبثاق المتكرّر، ذلك نسق الروح في عدم إدراكها، والتحفة تقف عند شهوة الجمع، إذ تُسجَن وتَسجِن معها جامعها.
العشق بوصفه شوقا
يمدّ السّفر في عوالم اللاوصول بالمقدرة على حمل الشوق، لا أحد يستطيع أن يتشوّق دون احتراق، لهذا الوصول صعب، وليس ذا أهمية عند من توهّجوا بضوء الشوق، لا يلزم حينذاك أكل ولا شرب، فتلك عناصر الانتماء إلى التراب، لكنّ الشوق شيء من الروح، والروح في سفر دائم زادها الضوء الوهّاج في آخر النفق الوجودي، الذي بعده الإطلالة على عالم المطلق: «ما حاجتي إلى الحقيبة في سفري إليك؟». سؤال الإحراج الوجودي الذي لا يكتفي فقط بأن تكون الذات مجرّد مِزْوَدٍ لحشر ما يفنى، بل يروم سؤال الاستغناء عن «الحقيبة»، أن تكون في مرابع الشوق مستعلية بحقائق المقام لا بنظرها إلى وقائع «الدَّرَكْ»، فالدّرك سفلي والمقام علوي، والروح شعلة الجسد، لذلك لا حاجة للشعلة بحقيبة تُذَكِّر بالاحتياج لعالم الظاهر، التخلي أداة السفر نحو اللاّمرئي في إغراءات الروح، حينها يتحقّق العشق بما هو شوق: «العاشق طاهٍ جيد، عيبه أنّه يحترق قبل أن تستوي الوجبة». هل يصيب الشبع عاشقا يهيم على وجهه في دنيا الروح؟ الشبع لمن يأكل ويبحث عن سدّ للرمق، والعاشق وقوده الجوع في سؤاله عن معشوقه، لو شبع لأصابته لوثة الحواس، تلك التي وصل بها إلى درجة الانمحاء أو بتعبير رامبو «اضطراب الحواس» والاحتفاظ فقط بحرارة الشوق، العاشق ملامسٌ يقظ لهوامش الشوق، لذلك يحترق قبل أن يصل، والوصول ليس من اهتماماته، المسافة وما تخفيه من شوق هي لون ظاهره ومتخفّيه.
دال الأنا بين الخالد والعابر
يوم أن قال الشيطان «أنا»، دخلت هذه الكلمة في التعالي على المتعالي وحده، وبذلك كان يجب إسقاطها من قواميس السّائرين إلى المعروف بحق، ولهذا جعل الهروي أول أبواب «منازل السائرين» «اليقظة»، الانتباه إلى الذات، الرجوع إلى النفس، استعادة الوعي بحقيقة العبد في مساره نحو معبوده (جلّ شأنه)، كل هذا يساهم في «التخلّي» عن «أنا» التفاخر والأفضلية والاندراج في مقام «المعرفة: «لا تصح طهارة قلب العارف إلا برفع الأنا»، فالعارف ليس هو من عرف الطريق، بل هو من اهتدى إلى نفسه ورفع عنها لبس حقيقتها في «منازل السائرين»، الطريق لا يُرى إلا بعين الداخل، ولا يدرك إلا حين تنزاح كتلة «الأنا» من وعي التعالي والكينونة في عالم مؤقت. تنكشف الذات في عالم الغربة فلا تستعير من التعالي مسموع الكلمة الدنيّة «أنا»، لأنّها حينذاك تتوسّد في الطريق رعشة الشوق وتتطهّر باليقظة.
تستعيد الشعرية ألق النهوض من «نومائية المعاش» إلى «يقظانية المعاد»، فتتعلق بشيء لا يمكن أن تتّصل به ذاتٌ أخرى لا ترى أحلامها: «ترى بأي مصباح نرى أحلامنا»؟
هو مصباح التخلي عن الذات، عن ذات تحيل إلى ذاتها بأناها المكثف بالغرور، غرور المعرفة والمادة وحداثة معطوبة: «باسم الحداثة نزعنا هالة التقديس عن كل شيء.. فكان اللامعنى واللاجدوى». ينزوي الشاعر في صومعة الفرد، «أنا»، تلك اللازمة للدخول في طقس الانفصال عن العالم، عن المحسوس، الشاعر ليس نبيا، الشاعر روح الأشياء حين لا تُشكل سوى علامات في عالم العبور، العالم ليس خالدا، وبالتالي، تصبح الأنا دالاً على الزوال وليس الأبدية، «أنا» التعالي تحيل إلى الخلود، ولا خلود إلا للدّائم بحق.
كاتب جزائري