رام الله – «القدس العربي»: مع دخول الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران يومها الحادي عشر تتضاعف تداعياتها على القضية الفلسطينية، في ظل أنها تتجاوز الحرب الإقليمية بقليل، حسب الدكتور علي الجرباوي، أستاذ العلوم السياسية والإدارة العامة في جامعة بيرزيت منذ عام 1981 والمتخصص في الشؤون الفلسطينية والتنموية.
ويرى الجرباوي، الوزير الفلسطيني السابق، أن القضية الفلسطينية في ظل الحرب أصبحت بمثابة الصراع المنسي، حيث يغيب عن العالم ما يحدث في الضفة الغربية، وتُترك غزة لمصيرها من دون أي اهتمام.
تحاور «القدس العربي» الجرباوي حول تداعيات الحرب وتوسعها على القضية الفلسطينية، وهو يرى أنه في حال خرجت إسرائيل منتصرة فيها فإن الفلسطينيين سيدفعون الثمن، ويؤكد أن مقولة «الصراعات الصغيرة تدفع ثمن الصراعات الكبيرة» تنطبق علينا تماما. وفيما يلي نص الحوار:
□ قلت قبل أيام ووصفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أنها «حرب شبه إقليمية»، ونحن اليوم في نهاية اليوم العاشر على الحرب… ماذا تقول في توصيف هذه الحرب أمام التداعيات الجديدة؟
■ نحن أمام حرب إقليمية منذ اليوم الأول. فما يدور حاليا من أحداث يطال كامل الإقليم، كما أن هناك العديد من الدول الأخرى التي أرسلت عتادا عسكريا وبوارج وطائرات… إلخ، وأصبحت ترتبط بالحرب بطريقة أو بأخرى. وبالتالي نحن أمام مشهد لحرب إقليمية ذات نفحة عالمية أيضا.
وبالتالي نحن في مراقبة للأمور وتطوراتها بهدف معرفة إلى أين تتجه مساراتها، حيث إن هناك العديد من القوى تدخلت في هذا الصراع. إنه صراع يبدو من الظاهر يدور بين إسرائيل وأمريكا وإيران، لكنه في الحقيقة أصبح صراعا يتضمن دولا إقليمية كبرى، والأمور متداخلة بين بعضها البعض.
كما أن الأمر صعب، في ظل أن تداعيات هذه الحرب لا تطال الإقليم وحده بل تطال العالم كله. هناك أزمة نفط وغاز مسال، وهذا يتأثر به العالم كله. مثال آخر، الأمريكيون أوقفوا العقوبات على روسيا من أجل أن تضخ نفطها وغازها للعالم، والهند مثلا من أجل تعويض ما نقص بفعل إغلاق مضيق هرمز، كما أن أوروبا التي تأخذ الغاز المسال من دولة قطر ستعتمد على روسيا في غازها أمام نتائج الحرب. الأكيد بالنسبة لي أن هناك تداعيات هائلة حاليا، وستنشأ في قادم الأيام من هذه الحرب.
□ماذا حول ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، هل ما زال الوقت مبكرا لتوقع معرفة تداعيات الحرب على القضية الفلسطينية؟
■ هناك تداعيات مباشرة وهناك تداعيات بعيدة المدى. التداعيات المباشرة أن صراعا من هذا النوع يغطي على صراعات أقل منه حدة بالنسبة للعالم. ما يجري في غزة مثلا يعكس ذلك، حيث توقف الحديث عن المرحلة الثانية التي كان يجري الحديث عنها قبل الحرب. مثلا معبر رفح أعيد إغلاقه رغم أنه لم يفتح كما يجب سابقا. أما هجمات المستوطنين فنلحظ أنها أصبحت دموية. السؤال الصادم: من في العالم كله يسأل عما يجري هنا في الضفة أو القدس؟
ومن يقرأ المشهد في الضفة يجد أن هناك هجمة إسرائيلية شرسة علينا تغطي نفسها بالحرب على إيران. العالم نسيَنا، ونحن بمثابة الصراع المنسي حاليا. أنا أرى أن العنوان حاليا هو «الصراع المنسي»، وإسرائيل تستغل الوضع كي تقوم بعملية تسريع لما كانت تقوم به في الضفة من استيطان وأمور أخرى. هذه خسائر آنية على وضعنا وواقعنا الحالي.
أما على المدى البعيد وبعد أن نعرف ما سيترتب على هذا الصراع، وتحديدا على إيران وكل المنطقة المحيطة بنا، سنرى النتائج. فإذا خرجت إسرائيل منتصرة في هذه الحرب على إيران، وتمكنت من تغيير النظام في إيران أو إضعافه لدرجة كبيرة، فإن ذلك ستكون له نتائج علينا وعلى الإقليم ودول الخليج التي ستنشغل بنفسها أكثر. لذلك نحن سندفع الثمن، كما أن المقولة التي مفادها أن الصراعات الصغيرة تدفع ثمن الصراعات الكبيرة تنطبق علينا تماما.
□ ماذا نفعل فلسطينيا غير أو إلى جانب سياسة الانتظار التي يمكن القول إنها تشكل لغة الموقف رسميا على الأقل وحزبيا؟
■ بالوضع الحالي ووفق معطياته ومع الإقليم والعالم لا يوجد ما يمكن فعله، فالجميع منشغل في الحرب على إيران. دول الخليج منهمكة، والعالم العربي في وضع ترقب وصعب جدا. كما أننا لا نتوقع شيئا من أوروبا أو إدارة ترامب، وليس هناك الكثير ما يمكن فعله. ما يمكن فعله في ظل الهجمة الحالية على السلطة وإضعافها ماليا وتكثيف الاستيطان هو أن ننتبه إلى حالنا داخليا بهدف ترتيب أوراقنا الداخلية. فالاشتغال بوضعنا وتحسينه داخليا واجب مهم في ظل أنه ليس هناك الكثير مما يمكن فعله دوليا وإقليميا.
□كمراقب للوضع الداخلي الفلسطيني هل ترى أن هناك ما هو أولوية بحيث يتم التركيز عليها؟ أنا لا أرى أن هناك مثلا خطابا يوحد ويجمع الفلسطينيين أو يعزز لحمتهم الداخلية. هل تتفق مع ذلك؟
■ نحن إزاء أزمة مالية خانقة وهذا ينعكس على السلطة الفلسطينية، كما أن اقتصاد الضفة الغربية كله يعاني. تقريبا نحن أمام اقتصاد منهار بفعل سياسات إسرائيل التي تحتجز كل أموال الفلسطينيين، والعالم ليس بوارد دعمنا ماليا في ظل هذا الواقع والحرب الدائرة. لذلك الأزمة المالية تنعكس في ظل عدم قدرتنا على إدارة الوضع الداخلي. وأنا أتفق معك حول أن الخطاب الفلسطيني عليه الانتباه إلى أوضاعنا الداخلية بصورة أفضل مما هو الوضع عليه حاليا.
□ هجمات المستوطنين وانتشار حالة عدم الأمان وعدم وجود خطاب سياسي يعزز ثقة الجماهير.. ألا ترى أن احتمالات التصعيد في الضفة أصبحت أكبر؟
■ الوضع الاقتصادي سيئ جدا، نلحظ بوضوح أثر غياب السيولة المالية. الاقتصاد منهار و»الدنيا واقفة» كما يقال. أما هجمات المستوطنين فقد أصبحت أكثر شراسة، وفي ظل الأوضاع الحالية أصبحت الهجمات أصعب مما كانت قبل الحرب، وهو ما يترافق مع الوضع المالي الفلسطيني. نحن بحاجة إلى لحمة وطنية تقرب المستوى الرسمي من المستوى الشعبي، لحمة تعزز الثقة، وهذا لن يحل المشكلة تماما لكنه على الأقل يعطي شعورا أفضل مما هو موجود حاليا.
□ هناك من يرى أن إعلان الحرب على إيران يعني بوضوح نهاية حل الدولتين، أنت رأيت أن حل الدولتين انتهى منذ زمن… ما رأيك في الدلالات؟
■ حل الدولتين انتهى من زمان. ما تبقى منه هو شعار يستخدم فقط. أين ستكون الدولة الفلسطينية في ظل مشروع حل الدولتين؟ الدولة تُنهب وتُقطع أوصالها. هنا بوضوح أقول إن موضوع حل الدولتين انتهى. التمسك به كشعار يأتي من دون أي جدية إقليمية ودولية، والشعار يستخدم من أجل شراء الوقت فقط من الإقليم والمجتمع الدولي، كي يستمر العالم في إدارة الصراع ولا يعمل على حل الصراع. وهذا يتكشف بوضوح الآن، فحل الدولتين غير موجود، خصوصا ونحن إزاء حكومة إسرائيلية تعلن ليلا نهارا وبأوضح الطرق أنه لن يكون هناك حل الدولتين.
وفي هذا الموضوع، وعلى الأقل لأنفسنا، علينا أن نجد استراتيجية بديلة ونطرح أسئلة جوهرية واستراتيجية من شاكلة: ماذا نفعل بحالنا على المدى القريب والأبعد؟ فحل الدولتين لم يعد متاحا على الإطلاق. والمؤكد أننا حتى اللحظة لم ندخل في مرحلة للبحث عن إجابة على هذا السؤال، والسبب يعود إلى أن الكل مرتاح لعملية رفعه للشعار الذي لم يعد قادرا على ترجمة نفسه على أرض الواقع.
□ الصراع يبدو اليوم محملا بحمولات دينية من تصريحات السفير هاكابي لغاية تصريحات وزير الدفاع الأمريكي الأخيرة، كيف تنظر إلى ذلك؟
■ من الواضح تماما أن تبرير هذه الحرب وكل ما يجري إسرائيليا من هجمة علينا ومحيطنا يحمل نفحات دينية بوضوح. لا يمكن لأحد أن ينكر ذلك، حيث إننا إزاء حكومة يمينية دينية صهيونية متطرفة تقف خلفها أيديولوجية دينية. وهي تترجم من خلال الاستيلاء على كل فلسطين التاريخية والتوسع خارجها كما نرى في سوريا ولبنان، وهناك أطماع أوسع من ذلك. أما سؤال: هل تتحقق هذه الأطماع أم لا تتحقق؟ فهذا سؤال آخر يمكن المجادلة فيه. لكن هل هذه الأيديولوجية موجودة وهي التي تدفع بأطماعها وسلوكها السياسي؟ أرى أن الجواب نعم.
□ هل يمكن أن تؤثر هذه الحمولة الدينية علينا؟
■ أنت ترى ما يجري في القدس من منع صلاة وإغلاق الأقصى واقتحامات المستوطنين… إلخ. أصبحنا نرى أن هناك صلوات علنية، فيما لا أحد يحرك ساكنا على مستوى العالم الإسلامي الذي يظهر لنا على أنه في حالة لامبالاة. أنا غير متأكد أن رد فعل العالم الإسلامي على قدر التحدي من قبل الصهيونية اليمينية المتطرفة.