الحرب على إيران: موازين القوة واحتمالات الحسم


أخيراً فعلتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مجدداً، بعد طول تفكير وتدبير واستعداد: نفّذتا حرباً ثأرية ضد إيران، بعد فشل تجربتهما القاسية صيفَ العام الماضي، فماذا تراها تكون النتيجة؟ ثمة صعوبة شديدة في التكهن، لأن الحرب تبدو طويلة وقاسية ومدمّرة. ما يمكن رصده ووصفه واستشرافه، هو ما حشدته أطراف الحرب من قوات وقدرات ظاهرة، وأساليب في الاشتباكات الميدانية، وأهداف عسكرية وسياسية معلنة وبرسم التنفيذ.
على صعيد الحشد والاستعداد، نشرت الولايات المتحدة أسطولاً كبيراً من حاملات الطائرات والمدمرات والبوارج في المحيط الهندي، وفي قواعد غير بعيدة عن إيران. أما إسرائيل فقد أنجزت تعبئة متكاملة، برية وجوية وبحرية، مقرونةً بتعبئة سياسية واسعة قوامها، اقتناع راسخ بأن الكيان يواجه خطراً وجودياً لا سبيل إلى الخلاص منه إلآّ باستئصال مصدره.
في المقابل، استخلصت إيران دروساً من حرب العام الماضي، والتزمت استراتيجية قوامها، مواجهة العدو الصهيوأمريكي المصمم على إنهاء نظامها السياسي وقهرها كلياً للحؤول دون نهوضها مجدداً. على صعيد القدرات، اتضح أن للولايات المتحدة قواعد عسكرية متكاملة في السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت والأردن والعراق وتركيا. غير أنها تشكو من «نقص كبير في الذخائر»، وأن الباحثة كيلي غريكو حذرت من «أنها تستهلك الذخائر بوتيرةٍ أسرع كثيراً من قدرتها على إنتاجها، ما قد يُجبر ترامب، خلافاً لرغبة نتنياهو، على إنهاء الحرب بما يخدم مصالح امريكا فقط» (مقال للجنرال الإسرائيلي المتقاعد يتسحاق بريك في صحيفة «معاريف» بتارخ 4 مارس 2026، المنشورة ترجمته العربية في «مختارات من الصحف العبرية»). أما إسرائيل «فإنها تواجه تحديات داخلية خطرة قد تهدد تماسكها الوطني، ومنها عجز مالي هائل يمكن أن يتفاقم بعد الحرب» كما يؤكد الجنرال بريك في مقاله المشار إليه آنفاً. إيران حرصت على تعزيز قدراتها في جميع المجالات، إذ قامت بإخفاء صواريخها الباليستية بعيدة المدى ومصانعها الحربية في بواطن الجبال. غير أنها تشكو من انعكاسات أزمة اجتماعية حادّة سبّبتها العقوبات الاقتصادية، التي فرضتها عليها الولايات المتحدة وما زالت طيلة العشرين سنة الماضية. وتتحسب إيران من احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى تمويل وتسليح واستخدام بعص الفصائل الكردية المعارضة للجمهورية الإسلامية في شماليّ غرب البلاد، المحاذي لإقليم كردستان العراق، حيث توجد جماعات كردية مستعدة للتعاون مع مثيلاتها في إيران. على صعيد الأساليب والوسائل العسكرية المعتمدة في الحرب، تستخدم الولايات المتحدة طائراتها الحربية المتطورة الرابضة في إسرائيل، كما على حاملتين للطائرات، متمركزة إحداهما مقابل ساحل فلسطين المحتلة، والأخرى في المحيط الهندي. أما إسرائيل فتعتمد على طائراتها الحربية الأمريكية المتطورة التي تمكّنها من الوصول إلى آفاق إيران البعيدة، كما على مسيّراتها الحربية في تعقّب وإصطياد مقاتلي المقاومة في شتى مناطق لبنان، ولاسيما في عمليات القصف الوحشي لبيئة المقاومة، الذي بلغ ذروته بتهجير سكان ضاحية بيروت الجنوبية، بما لا يقل عن عشرين ألفاً منهم.
على صعيد الأهداف العسكرية والسياسية المعلنة والجاري تنفيذها تقوم إسرائيل بتهجير سكان المناطق المتعاطفين مع المقاومة، بدءاً من سكان القرى الحدودية في جنوب لبنان ومدينتي صور والنبطية، وصولاً إلى صيدا، ناهيك من ضاحية بيروت الجنوبية المشار اليها آنفاً. لعملية التهجير هذه هدف رئيس: إفراغ بعض المناطق، لاسيما منطقة جنوب نهر الليطاني، من سكانها، تمهيداً لإعلانها منطقة عازلة ومفرغة حتى من قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني. كل ذلك بدعوى توفير «حماية أمنية كاملة» لسكان المستوطنات الإسرائيلية الكائنة في شمال فلسطين المحتلة. وفي هذا السياق، قامت إسرائيل بتنفيذ عملية لافتة، إذ حاولت بكوكبة من الحوّامات المحمّلة بعشرات جنود الكوماندوز احتلال منطقة المقابر في بلدة النبي شيت، الكائنة على أحد مرتفعات سلسلة جبال لبنان الشرقية، بغية استخراج جثة أحد طياريها (رون أراد) الذي اختفت آثاره منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. ولئن نجح رجال المقاومة وأهالي البلدة بإفشال العملية الإسرائيلية شبه الانتحارية متكبّدين نحو 30 شهيداً، إلاّ انهم لم يتمكّنوا من إحصاء عدد القتلى (وبالتالي الجثث) التي تكبّدها العدو من أجل العثور على جثة طيار صهيوني واحد.

الحرب تبدو طويلة ومدمّرة. ما يمكن رصده، هو ما حشدته أطراف الحرب من قوات وقدرات ظاهرة، وأساليب في الاشتباكات الميدانية، وأهداف عسكرية وسياسية معلنة وبرسم التنفيذ

في مساء اليوم الثامن لبدء العدوان الصهيوأمريكي الشامل على إيران دولةً وشعباً، وعلى قوى المقاومة في فلسطين المحتلة ولبنان وسوريا والعراق، استخلصتُ الحقائق والعِبّر والتوصيات الآتية:
*الولايات المتحدة هي إسرائيل الكبرى، والكيان الصهيوني هو أمريكا الصغرى، ولا يمكن الفصل بينهما، أو الاعتقاد بأن في وسع أيّ دولة أو طائفة أو حزب أو جماعة في عالم العرب والمسلمين، إقامة علاقة خاصة مع أمريكا تقيه أخطار ومطامع إسرائيل الصغرى.
*استهدف التحالف الصهيوأمريكي في عدوانه على إيران، إسقاط نظامها السياسي لضمان تفكيكها وإنهاء خطرها على إسرائيل الصغرى، وعلى مصالح إسرائيل الكبرى في عالم العرب والمسلمين.
*استخدم التحالف الصهيوأمريكي العصبيات الطائفية والإثنية والمناطقية لتفكيك الدول العربية المعادية له، كما لتفكيك إيران، لكن قوى المقاومة العربية والأوساط النهضوية المؤيدة لها استطاعت إحباط هذه العملية بصورة عامة، رغم بقاء بعض المجتمعات في بعض الأقطار العربية أسيرة ثقافة التغرّب، وبالتالي أسيرة الاعتقاد بأن الغرب عموماً، وامريكا خصوصاً، حريصان على الدفاع عنها وحماية مصالحها وتحالفاتها. أما في إيران فقد أنتج العدوان الصهيوأمريكي، رداً عكسياً تمثل في التفاف مختلف فئات المجتمع الإيراني حول قيادة الدولة المقاوِمة، وعبّرت عن ذلك بتظاهرات يومية في كبريات مدن البلاد.
*استوعبت إيران الدروس المستفادة من الحرب في صيف العام الماضي، فأعدّت نفسها في شتى الميادين، ولاسيما في مجال تصنيع وتطوير الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، خصوصاً صاروخ خورمشهر-4 البالغة حمولته نحو طنين من المواد شديدة الانفجار والتدمير، الأمر الذي ألحق أضراراً هائلة بمختلف مناطق إسرائيل وبناها التحتية.
* تمكّنت إيران من تعطيل فعالية القواعد العسكرية الأمريكية في الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر والبحرين والكويت والأردن والعراق. كما تمكّنت من إبعاد قطع الأسطول الأمريكي عن سواحلها وأراضيها ما حدّ من فعاليتها.
*حرصت إيران على عدم المسّ بمرافق الدول العربية التي تحتضن قواعد عسكرية أمريكية، الأمر الذي أحبط محاولات واشنطن لتعبئتها سياسياً وإعلامياً ضدها.
*كان لافتاً عدم انخراط اليمن جيشاً ومقاومةً في القتال ضد التحالف الصهيوأمريكي، وقد تبين أن السبب هو عدم حاجة إيران وقوى المقاومة العربية إلى مشاركته في الوقت الحاضر. غير أن اليمن يبقى مستعداً للانخراط في الوقت المناسب نصرةً للمقاومة في فلسطين ولبنان وإيران.
*دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء إسبانيا وأيرلندا، أيدت بفتور حرب التحالف الصهيوأمريكي على إيران، ولكنها لن تتأخر في وضع قواعدها في المنطقة، خصوصاً في قبرص واليونان وتركيا، بتصرف الولايات المتحدة إذا اقتضت الحاجة.
*لا مبالغة في القول إن حرب أمريكا وإسرائيل على إيران قد تتحوّل تدريجياً إلى حرب عالمية ثالثة. ذلك أن عدد الدول المشاركة فيها مباشرةً، أو مداورةً تتوزع على قارات العالم الخمس. صحيح أن ميادين القتال تنحصر حالياً بمنطقة غرب آسيا، لكن احتمال إزدياد دعم روسيا والصين لإيران، قد يحفّز ترامب المزاجي والمتقلّب على أن يتخذ بنزق، قبل ستة أشهر من الانتخابات النصفية في بلاده، قراراً يؤدي إلى إشتباك عسكري في أحد مسارح الصراع قد يتطور إلى ما هو أخطر.
هذه باختصار مشهدية الحرب في يومها الثامن: مضيق هرمز المغلق يمنع تدفق النفط والغاز إلى شتى دول العالم ما يتسبّب بوتائر من التضخم (وبالتالي الغلاء) في دول عدّة كبرى وصغرى، واضطراب سياسي واقتصادي يعقّد العلاقات بين مختلف الدول، وإصرار إسرائيل على تركيع إيران «لدرء خطرها الماثل» في وقتٍ تبدو إيران قادرة على إطالة أمد الحرب، والتسبّب بأزمة اقتصادية خانقة في الدولتين المصممتين على تركيعها مهما كان الثمن، فماذا يمكن أن يحدث؟
أرى أن مّن ينتصر في الحرب هو مَن يقاتل ويتحمّل ويصمد اكثر، وأن إيران تبدو قادرة على الوفاء بهذا الشرط في حين يجد ترامب ونتنياهو نفسيهما أمام خيارين خطيرين:
الأول: الاقتناع بأنه يتعذّر عليهما تركيع إيران، فيبادران إلى البحث عن مخرجٍ من الحرب، بتسويةٍ تُتيح لقادة الأطراف المتحاربين فرصةً لحفظ ماء الوجه.
الثاني: اتخاذ قرار جنوني باستخدام أسلحة تدمير ساحق وشامل يقوّض إيران.. ويدمّر معها العالم برمته عاجلاً أو آجلاً.
ليس من شك في أن غالبية الدول والشعوب والقيادات والناس الطيبين تفضّل على مضض الخيار الاول.
كاتب لبناني
[email protected]



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *