نيرودا وماكرون: ثقافة الجمهورية الخامسة


ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطبة رسمية أوضح خلالها أنه أصدر الأوامر بإرسال حاملة الطائرات «شارل دوغول» إلى الشرق الأوسط، ترافقها قطع أسطول وفرقاطات لتعزيز قدرات فرنسا البحرية، بالإضافة إلى نشر طائرات «رافال» وأنظمة دفاع جوي ومعدات عسكرية أخرى. وإذْ لم يتغافل عن تحميل إيران المسؤولية الأساسية عن تدهور الوضع الإقليمي، فإنه أغفل المسمى الأوضح والأدقّ: الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، الشعب والمنشآت والبنى التحتية، قبل الملالي وآيات الله ومنظومات «الباستيج» و»الحرس الثوري».
إلى هنا والواقعة منتظَرة من رئيس دولة أوروبية كبرى، عضو في الحلف الأطلسي وصديق/ حليف للولايات المتحدة في السراء والضراء؛ وحاله في هذا لم تختلف، إلا في بعض حيثيات الشكل والإخراج، عن مواقف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمستشار الألماني فردريش ميرتس. ما لفت الانتباه في المقابل، وأثار تعليقات وتساؤلات ما كانت خطبة ماكرون ستثيرها أصلاً، هو هذا التفصيل: أنه حرص على وضع نسخة من الترجمة الفرنسية لكتاب «إقامة على الأرض»، عمل الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا.
لم يكن اختيار نيرودا اعتباطياً بالطبع، وبالتالي لم تكن التساؤلات قد دارت حول دوافع ذهاب ماكرون إلى هذا الشاعر تحديداً؛ ذلك لأنّ نيرودا، إلى كونه أحد كبار شعراء القرن العشرين، اكتسب أيضاً صفة المناضل الميداني المنخرط في قضايا شعبه وبلده، والمتطوع المقاتل في صفوف الجمهوريين الإسبان ضدّ نظام الجنرال فرانكو؛ فضلاً عن شخصيته الدبلوماسية، إذ كان سفير التشيلي في فرنسا، بقرار من رئيسها سلفادور أللندي قبيل اغتياله خلال انقلاب قاده بينوشيه بتدبير من المخابرات المركزية.
كان اللافت، في ناظر هذه السطور على الأقل، هو انتقاء هذا العمل بالذات، الذي كُتبت قصائده بين 1925 و1945، ولم تصدر ترجمته الفرنسية الكاملة إلا سنة 2023 ضمن منشورات غاليمار. وليس هنا المقام المناسب للتعريف المفصّل بـ»إقامة على الأرض»، وقد تكفي الإشارة إلى أنه أحد «أصعب» الأعمال من شاعر كانت قصائده، الغنائية منها والغزلية خصوصاً، تسير على شفاه رعاة وفلاحين وصيادين، وتُلقى على أسماع جموع حاشدة. وهو أغلب الظنّ العمل الأكثر احتواء على نزوعات نيرودا السوريالية، ثمّ الرمزية التجريبية، والتصادي مع تيارات الحداثة الأوروبية عموماً والفرنسية على وجه الخصوص..
لم تكن هذه هي السمات التي جذبت ماكرون إلى هذا الكتاب، بل موضوعات شتى متداخلة حملتها القصائد حول ويلات الحروب ومنعطفات المصائر وما يهدد البشر وجودياً وشعورياً وبيئياً؛ وكأنّ سيّد الإليزيه شاء مغازلة مناهضي الحرب عن طريق قصيدة نيرودا، ما دام من المتعذر عليه، ومن غير الوارد أصلاً، أن يعارض الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية علانية. وهنا، استطراداً، مناسبة جديدة ضمن ملفّ حاشد عنوانه علاقة الجمهورية الخامسة الفرنسية (1958 وحتى اليوم) بالفكر والفلسفة والثقافة؛ وكيف كانت أفانين الالتفاف على الخصومة بين المفكرين والفلاسفة والمثقفين الفرنسيين من جهة، والساسة وكبيرهم الجنرال شارل دوغول شخصياً، هي سيدة اللعب والألعاب.
ولعلّ بين أبكر فصول السجال كانت رسالة نيسان (أبريل) 1958 التي توجه بها إلى الرئيس الفرنسي رونيه كوتي أربعةُ من كبار مثقفي فرنسا تلك الأزمنة: روجيه مارتن دوغار، أندريه مالرو، فرنسوا مورياك، وجان ـ بول سارتر؛ احتجاجاً على مصادرة كتاب «السؤال»، الذي وقّعه الناشط والصحافي هنري أليغ، وسرد فيه أساليب أجهزة الأمن الفرنسية في تعذيب وقمع الجزائريين. جدير بالانتباه أنّ أقدار هؤلاء سوف تتباعد أو تتقاطع في الموقف من الجنرال دوغول، سواء لجهة الاحتكام إليه أو الاستوزار عنده (كما في نموذج مالرو)، أو الاختلاف معه والتظاهر ضده خلال موجة احاجاجات 1968 (سارتر وسواه).
مثقف فرنسي بارز آخر، جان ـ جاك سيرفان شريبر، سوف يطلق مجلة الـ»إكسبرس»، التي سوف تنضمّ إلى إعلام الحزب الشيوعي الفرنسي ومجلات «الأزمنة الحديثة» و»فرانس أوبسرفاتور» وسواها، لتشكيل حركة معارضة جذرية لسياسات دوغول والدستور الناظم للجمهورية الخامسة؛ وفيها سوف تُنشر مقالات نارية لأمثال بيير منديس فرانس (الذي اتهم دوغول بقيادة عصيان ضدّ الجمهورية)، ومورياك (الذي ناشده إحلال السلام في الجزائر)، وسارتر نفسه (الذي حرّم على الجنرال المتقاعد خوض غمار السياسة والترشح لرئاسة الجمهورية)…
في عقود لاحقة، سوف تشهد فرنسا تهافت الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي على حشر اسمه في سجلات البانتيون، حيث يرقد «الخالدون» أمثال فولتير وجان ـ جاك روسو وفكتور هيغو ولوي باستور وإميل زولا وليون غامبيتا وجان جوريس وجان مولان؛ فاقترح نقل رفات الفيلسوف ألبير كامو ولكن الأسرة رفضت المكرمة، ثمّ اقترح نقل شاعر المارتينيك الكبير إميه سيزير ساعياً إلى إحداث صدمة ثقافية/ عرقية باختيار شخصية من أطراف فرنسا: أسود البشرة، راديكالي الفلسفة، ظلّ معارضاً ثابتاً لسياسات اليمين الفرنسي عموماً، وساركوزي نفسه بصفة خاصة. ماكرون، من جانبه، لن يفوّت فَرص مقبرة العظماء هذه، فنقل رفات ثلاثة حتى الساعة، بينهم جوزفين بيكر الراقصة والمغنية والممثلة الأمريكية/ الفرنسية؛ فكانت بذلك أوّل امرأة سوداء يستضيفها صرح عريق يعود إلى سنة 1764.
لرؤساء الجمهورية الخامسة الفرنسية ألعابهم إذن، ولثقافتها ألاعيب؛ أياً كانت مقاصد الحقّ وأجندات الباطل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *