في صباح مثقل بظلال الفقد، غاب صوت روائي عراقي ظل يكتب كمن يقاوم خراب العالم بصمت اللغة. رحلت الروائية العراقية لطفية الدليمي في العاصمة الأردنية عمّان بعد معاناة طويلة مع المرض، تاركة وراءها تجربة أدبية وفكرية بارزة تجاوزت حدود السرد إلى التأمل في الإنسان والتاريخ والمعرفة. وبرحيلها، لا يفقد المشهد الثقافي العراقي اسما مهما في الرواية والترجمة فحسب، بل يخسر أيضا واحدا من أكثر الأصوات هدوءا وعمقا في مقاربة القلق الإنساني وأسئلة الحرية والذاكرة.
ونعى اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين الدليمي، مؤكدا أن تجربتها تمثل نموذجا متفردا في الثقافة العراقية الحديثة، حيث امتزجت الرواية بالترجمة والتأمل الفكري ضمن مشروع إبداعي متكامل. وأشار بيان الاتحاد إلى أن كتابتها انطلقت من المخيلة قبل التنظير، ومن اللغة قبل الصياغة النظرية، ومن عزلة فكرية خلاقة أتاحت للنص أن ينمو بعيدا عن ضجيج المشهد الثقافي.
لم تكن الكتابة عند لطفية الدليمي ممارسة جمالية منفصلة عن الوجود، بل كانت وسيلتها لفهم العالم بوصفه شبكة معقدة من التوترات بين الإنسان وتاريخه وذاكرته ومصيره. لذلك لم تنشغل بالحكاية بوصفها غاية مكتفية بذاتها، بقدر ما جعلت من الرواية أفقا للتأمل في أسئلة المعرفة والحرية والقلق داخل عالم مضطرب. وفي هذا المعنى، بدا مشروعها السردي أقرب إلى محاولة دائمة لاختبار المعنى الكامن خلف الوقائع، لا مجرد تسجيلها.
وخلال مسيرتها الطويلة، أصدرت الدليمي عددا من الأعمال الروائية والمقالات والترجمات التي رسخت حضورها في الثقافة العربية المعاصرة، لا بوصفها إضافة كمية إلى المكتبة العربية، بل باعتبارها مساهمة نوعية في إعادة التفكير في العلاقة بين الأدب والمعرفة. فقد كانت ترى أن النص ليس وعاء للحكاية وحدها، بل مساحة للتفكير، وأن اللغة ليست أداة وصف فحسب، بل وسيلة لاكتشاف ما يتوارى خلف الأشياء.
وعلى امتداد تجربتها، بدت رواياتها أشبه ببنى فكرية تتخذ شكل السرد. فالشخصيات في عالمها ليست عناصر درامية تتحرك داخل حبكة تقليدية، بل كائنات وجودية تعيش تحت ضغط الأسئلة الكبرى التي تحاصر الإنسان في زمن مضطرب. وكانت الرواية لديها محاولة لفهم القلق الإنساني أكثر من كونها تمثيلا مباشرا للحدث التاريخي.

ولدت لطفية الدليمي عام 1943 في مرحلة شهد فيها العراق تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة. ونشأت في فضاء كانت تتصاعد فيه أسئلة الحداثة والهوية، وهو ما انعكس مبكرا على علاقتها بالقراءة التي تحولت مع الوقت إلى قدر شخصي قادها نحو الكتابة. وقد درست اللغة العربية وآدابها في جامعة بغداد، في زمن كانت فيه الحياة الفكرية في العاصمة تتسم بحيوية لافتة، وكانت المقاهي الثقافية والصحف والندوات تفتح أبوابا واسعة للنقاش حول مستقبل الأدب العربي وأسئلته الكبرى.
وبعد التخرج، انخرطت في العمل الثقافي والصحافي والتربوي، لكنها لم تعتبر تلك الأنشطة بديلا عن مشروعها السردي الخاص. فقد ظلت ترى في الكتابة ممارسة تقوم على الصبر والتراكم الداخلي، حيث ينضج النص في العمق قبل أن يظهر إلى العلن. ومع سبعينيات القرن الماضي، بدأت ملامح مشروعها تتضح بصورة أكبر، وظهرت نصوصها في الصحف والمجلات الثقافية بنبرة مختلفة عن كثير من السرد العراقي السائد آنذاك.
لم تكن الدليمي معنية بتوثيق الحدث بوصفه واقعة تاريخية فحسب، بل كانت تنظر إلى ما يكمن وراءه من أثر نفسي وتاريخي في حياة الفرد. ومن هنا جاءت أعمالها لتتجاوز المباشر والآني، وتتجه إلى تفكيك ما يتركه العنف والتحول السياسي من تشققات داخل الذات الإنسانية. وفي هذا السياق، برزت روايات مثل «سيدات زحل» و**»مشروع أومّا»** بوصفها نماذج واضحة على هذا المنحى، حيث يتحول السرد إلى مساحة فكرية مفتوحة على أسئلة السلطة والعنف والهوية ومصير الإنسان داخل تاريخ لا يمكن التحكم بإيقاعه.
وكانت الكتابة عندها أيضا شكلا من أشكال الدفاع عن الحرية، لكن الحرية في نصوصها لم تظهر كشعار سياسي مباشر، بل كسؤال وجودي يخص الإنسان في بحثه عن معنى وجوده. ولهذا بدت الشخصيات النسائية في كثير من أعمالها أكثر من مجرد تمثيل اجتماعي للمرأة، إذ كانت تعكس كائنات تحاول فهم ذاتها داخل منظومات تضغط على الحركة والرغبة والخيال. ومن خلال هذا البناء، كانت الدليمي تطرح سؤالا أوسع عن قدرة الإنسان، رجلا كان أم امرأة، على الحفاظ على استقلاله الداخلي في عالم يثقل عليه بالتاريخ والمجتمع والسلطة.
وإلى جانب الرواية، شكلت الترجمة جزءا أساسيا من مشروعها الثقافي. فقد نقلت إلى العربية عددا من الأعمال الفكرية والأدبية، وكانت تنظر إلى الترجمة بوصفها حوارا حضاريا لا مجرد نقل لغوي. وكانت تؤمن أن الأدب لا يتطور داخل عزلة ثقافية، وأن الانفتاح على التجارب العالمية شرط من شروط تجدد الكتابة العربية. لذلك اتسم اختيارها للنصوص المترجمة بدقة فكرية واضحة، إذ مالت إلى الأعمال التي تثير أسئلة الإنسان والتاريخ والمعرفة، مؤكدة أن الترجمة فعل ثقافي ومعرفي بقدر ما هي فعل فني.
ولم يكن حضور الدليمي في المشهد الثقافي حضورا صاخبا. فقد اختارت طريقا يقوم على المسافة التأملية لا على المباشرة الخطابية، وعلى الإنصات العميق للفكرة قبل الدفع بها إلى سطح النص. وكان هذا البطء جزءا من جماليات تجربتها، لا علامة على التردد، بل خيارا فنيا وفكريا يميزها عن كثير من الاتجاهات السردية التي انجذبت إلى الإيقاع السريع والمباشرة العالية.
وعاشت الدليمي في زمن عراقي مضطرب شهد حروبا وحصارا وانهيارات سياسية متلاحقة، لكن هذه الوقائع لم تتحول في نصوصها إلى تقارير تاريخية، بل إلى أسئلة تتعلق بمصير الإنسان داخل العنف. فالتاريخ في عالمها السردي لا يظهر بوصفه خلفية صلبة وواضحة، بل كقوة خفية تؤثر في حياة الأفراد وتعيد تشكيل قلقهم ونظرتهم إلى العالم. ومن هنا برز السؤال المركزي في مشروعها: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على توازنه الداخلي في زمن سريع التحول، قليل اليقين، ومفتوح على الخسارات؟
ويبقى من تجربة لطفية الدليمي أكثر من الكتب التي نشرتها. يبقى نموذج الكاتب الذي يرى الأدب شكلا من أشكال التفكير، لا مجرد وسيلة للحكاية. فقد علمت قراءها أن الرواية ليست قصة مغلقة، بل طريقة للنظر إلى العالم، وأن اللغة ليست أداة وصف فقط، بل وسيلة لاكتشاف المعنى الكامن خلف الأشياء. وهذا ما يجعل إرثها جزءا أصيلا من الذاكرة الأدبية العراقية الحديثة.
رحلت لطفية الدليمي، لكن النص الذي بدأته لا يزال مفتوحا. فالأدب بطبيعته لا يعرف النهاية. يغيب الكاتب، لكن الكلمات تواصل حياتها في وعي القراء. يتوقف الصوت، غير أن المعنى يواصل رحلته عبر الزمن. وفي هذا الأفق، لا يبدو الرحيل خاتمة نهائية، بل انتقالا من حياة الكاتب إلى حياة النص، حيث تظل الأسئلة التي طرحتها الدليمي تعمل بصمت في ذاكرة الأدب، وتواصل مهمتها القديمة: إثارة السؤال الذي لا يجد جوابا نهائيا.
كاتب عراقي