باريس- “القدس العربي”:
قالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية، إن السعودية والإمارات اللتين تتنافسان في السودان ومعركة السيطرة على الموانئ في البحر الأحمر، جعلتا من أفريقيا أحد ميادين صراع النفوذ بينهما. فهل ستغيّر الضربات التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران موازين القوى؟
ما يزال من الصعب قياس حجم التأثيرات بدقة، لكن لا شك أن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط بعد الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ 28 فبراير، ستكون لها تداعيات كبيرة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الأمني أو الدبلوماسي.
فمن تأثير الارتفاع الحاد في أسعار النفط على الاقتصادات الأفريقية، إلى العواقب المحتملة طويلة الأمد للتحولات الجيوسياسية، مروراً بتأثير الحرب على حركة التجارة، قد تجد القارة نفسها مرة أخرى في مواجهة تداعيات أزمة خارجية لا يملك قادتها سوى القليل من القدرة على التأثير فيها، تضيف “جون أفريك”.
بعد مقتل علي خامنئي، أصبح نظام طهران -الذي يشكل إسقاطه الهدف الرئيسي للحرب التي أطلقها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو- منخرطاً في محاولة لتوسيع نطاق الصراع إقليمياً، عبر تكثيف الضربات التي تستهدف دولاً يعتبرها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، حليفة لإسرائيل والولايات المتحدة. وفي ظل مواجهة عدو مشترك، يبرز السؤال: هل ستضع الدول النفطية في الخليج خلافاتها جانباً ولو مؤقتاً؟ تتساءل المجلة.
يطرح هذا السؤال بإلحاح خاص في ظل المواجهة القائمة منذ عدة أشهر بين السعودية والإمارات العربية المتحدة. ورغم أن هذا التوتر ليس جديداً، إلا أنه بلغ مرحلة جديدة في 30 ديسمبر عام 2025، عندما تعرض ميناء المكلا اليمني لوابل من القصف. وكانت الضربة السعودية تستهدف شحنة أسلحة قالت إنها كانت موجهة إلى انفصاليي المجلس الانتقالي الجنوبي، ويُعتقد أنها أُرسلت من قبل الإمارات، وهو ما نفته أبوظبي لاحقاً.
وقبل شهر من ذلك، ظهر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في صورة مصافحة رمزية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي كان قد استقبله في البيت الأبيض. وبالإضافة إلى التوترات المتعلقة باتفاقات أبراهام والاعتراف بإسرائيل، تناولت المناقشات أيضاً الملف السوداني المعقد، حيث تدور حرب أهلية دامية. ففي هذا الصراع، تدعم الإمارات قوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”، بينما تدعم الرياض المعسكر المقابل، أي القوات المسلحة السودانية الموالية لعبد الفتاح البرهان.
حرب تحالفات
تنقل “جون أفريك” عن كميل لونس، الخبيرة في الجغرافيا السياسية والمتخصصة في شؤون الخليج لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن الجديد حقاً هو أن هذه المنافسات أصبحت تظهر إلى العلن. وتشير إلى أن السعودية تتبع استراتيجية تهدف إلى مواجهة النفوذ الإماراتي في المنطقة بأكملها. حتى إن ولي العهد السعودي أرسل رسالة طويلة إلى مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد ينتقد فيها الأنشطة الإماراتية في السودان واليمن، وفق ما نشره موقع “ميدل إيست آي” في 20 فبراير الماضي.
ولا تخلو هذه التوترات من تأثيرات في شرق أفريقيا، تتابع “جون أفريك”، حيث تقيم كل من السعودية والإمارات علاقات وثيقة مع عدد من دول المنطقة. وتقول كميل لونس إن التوترات الحالية أصبحت شديدة، ما يعزز فكرة وجود “محورين” متنافسين، الأمر الذي قد يدفع البلدين إلى مطالبة شركائهما في المنطقة بالاصطفاف إلى جانب أحدهما.
ومع ذلك، تؤكد الباحثة أن العلاقات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد “حرب بالوكالة”، إذ إن معظم دول المنطقة تحافظ على علاقات مع الطرفين في الوقت نفسه، كما يظهر من خلال حجم التبادل الاقتصادي مع كل منهما.
دبلوماسية الموانئ
وواصلت “جون أفريك” موضّحة أن المعركة تدور بشكل رئيسي على الصعيد الاقتصادي. فبينما تقدم السعودية دعماً سخياً لجيبوتي، تضخ الإمارات استثمارات كبيرة في السودان وإثيوبيا وأوغندا، حيث يبلغ حجم استثمارات أبوظبي في القارة ثلاثة أضعاف استثمارات الرياضة.
وفي إطار هذه الاستراتيجية، تلعب شركة الموانئ العملاقة “دي بي وورلد” التي تتخذ من دبي مقراً لها، دوراً محورياً في ما يُعرف بـ“دبلوماسية الموانئ” التي تعتمدها الإمارات على الساحل الشرقي لأفريقيا، وهو ممر أساسي للتجارة العالمية. وترى كميل لونس أن هذه السياسة تمثل وسيلة لتعزيز النفوذ في المنطقة وبناء علاقات وثيقة مع السلطات المحلية في الدول المعنية، تتابع “جون أفريك”.
غير أن هذه الاستراتيجية تواجه بعض القيود. فمنذ عام 2018، تخوض جيبوتي وشركة “دي بي وورلد” نزاعاً حول إلغاء عقد امتياز تشغيل محطة الحاويات في ميناء دوراليه. وقد حكمت محكمة تحكيم في لندن مؤخراً لصالح الدولة الجيبوتية، رافضة مطالب التعويض التي قدمتها الشركة.
ومع ذلك، لم ينهِ هذا القرار التوترات، خصوصاً مع وجود قضايا جيوسياسية أعمق. فقد صرّح الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله في مقابلة مع “جون أفريك” قائلاً: “إن الإمارات هي الطليعة الإسرائيلية في منطقتنا. فهي التي بادرت، بطريقة ما، إلى الترويج لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وقد اغتنمت إسرائيل هذه الفرصة بسرعة”.
عقارات مرتبطة بقوات الدعم السريع في دبي
لكن اهتمام دول الخليج بأفريقيا لا يقتصر على الطموحات الاقتصادية فقط، توضّح “جون أفريك”، مشيرة إلى أن الإمارات تعتمد أيضاً بشكل كبير على التعاون الأمني، خصوصاً في مجال مكافحة القرصنة في الصومال. ومع ذلك، تبقى علاقتها بقائد قوات الدعم السريع السوداني حميدتي الأكثر إثارة للجدل. ويقال إن الشيخ محمد بن زايد يقدم له دعماً يشمل نقل الأسلحة والمساعدات المالية عبر شبكة لوجستية تمر عبر ليبيا وتشاد وأوغندا وإثيوبيا، وفق “جون أفريك”.
وكشفت تحقيقات نشرها تحالف الصحافيين الاستقصائيين الأمريكي “ذا سنتري” في 24 فبراير الماضي، عن جانب آخر من هذه العلاقات. فقد رصد التحقيق أربع عقارات في دبي مملوكة لأعضاء في قيادة قوات الدعم السريع التابعة، وتبلغ القيمة الإجمالية لهذه الممتلكات نحو 1.7 مليون دولار.
وحدة مؤقتة في مواجهة إيران
في ظل تعرضها لقصف إيراني منذ السبت، أظهرت دول الخليج موقفاً موحداً غير معتاد. ففي مساء الأحد، وبعد اجتماع عبر الفيديو لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، دانت هذه الدول الهجمات الإيرانية بشكل جماعي، محذرة من أنها ستتخذ “جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمنها واستقرارها وحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، بما في ذلك إمكانية الرد على العدوان”.
ومع ذلك، تقول “جون أفريك”، ليس من المؤكد أن هذا التوحد الظرفي سيؤدي إلى تهدئة حرب النفوذ بين الرياض وأبوظبي في أفريقيا.