ضجيج الطائرات الإسرائيلية وعواء الكلاب و«شخير» العم أقلق طفولته ليلاً
بيروت ـ «القدس العربي»: «يوماً ما ولد» فيلم روائي قصير يجعل الصعب ممكناً. عندما يظهر أطفال ثلاثة من فتحة خزّان ماء على السطح، يشعر المتلقي أنه سيكون حيال فرجة شيقة، وشقاوة جميلة، لكنّ التالي يتجاوز الشقاوة وصولاً إلى خيال إبداعي نحتاجه كباراً كنّا أم صغاراً.
«يوماً ما ولد» فيلم لبناني حصد جائزة الدب الذهبي كروائي قصير في مهرجان برلين السينمائي. فيلم حقيقي، وطبيعي في مكانه وبيئته. صبية ثلاثة يتراكضون، يدبكون ويغنون على إيقاع نادراً ما يفارقهم. إنه هدير الطائرات والدرونز الإسرائيلية، والذي يقتحم حتى أسرتهم ليلاً. ويقرر الطفل الخارق بقدراته إسكات الطائرات.
مع مخرجة الفيلم ماري روز اسطا هذا الحوار:
• أسقط الطفل طائرتين إسرائيليتن في شمال لبنان وفاز فيلم «يوماً ما ولد» بالدب الذهبي عن فئة الأفلام القصيرة. كيف تغير مزاج لجان التحكيم؟
• بحسب من تحدثت إليهم بعد عروض متتالية في المهرجان، أن المشاهدين لا يربطون مشاهدتهم فقط بالواقع السياسي القائم، لأن السياسة موجودة في خلفية المكان الذي يعيش فيه الطفل «بطل الفيلم»، وهو لا يعبّر عن مشاعره الخاصة حيال الموضوع بأي خطاب. الواقع السياسي يجسّده صوت الطائرات الإسرائيلية التي تخترق سماء القرية. علاقة الطفل بها مشابه لعلاقته بالطبيعة والمنزل، عالم لم يختاره هو. ولهذا تقبّل الجمهور الواقع بسلاسة، كحقيقة واقعية مفروضة علينا تماماً كما تعامل معها الطفل. المشاعر الطاغية على الفيلم تتمثل بحضور الطفل، والعلاقة المتناقضة بينه وبين عمه، والتوتر الناتج عن رغبة الطفل بالتحرر من سيطرة العم المتمثلة بالخوف عليه من المجتمع. للعم رغبة بأن يخفي الطفل طاقاته الخارقة كي لا تُستعمل ضده، والطفل يعجز عن ضبط ذاته. وهكذا تُقفل الستارة بدون أن تتملك المشاهد مشاعر رؤية فيلم بخطاب سياسي صارخ مع ان كلمة إسرائيل تلفظ في الفيلم، والولد يسقط طائرتين حربيتين إسرائيليتين. وأظنه انطباع لجنة التحكيم التي وافقت على مشاركة الفيلم في المسابقة، ومن ثم لجنة التحكيم التي منحته الجائزة. وربما هذا انطباعي الخاص، وربما رأت اللجان فيه خطاباً سياسياً واختارته رغم ذلك.
○ لماذا ألحّ عليك هذا السيناريو؟
• رغبت باكتشاف قدراتي في إدارة طفل خلال التصوير، لكوني بصدد فيلم روائي طويل محوره طفلة بين عمر السابعة والثامنة. كنت أحتاج لتجربة عملية. وأرغب بالعمل على السحر والخيال والأمور غير الواقعية، وهذا ما يتيحه عمر الطفولة.
○ وكيف حملك الخيال إلى طفل خارق؟
• أؤمن بقدرات الطفولة الخارقة، وليس للخيال حدود. في الطفولة نصدّق ما يدور حولنا، وهكذا تتولد طاقة إيجابية نعجز عن التحكم بها. يبدأ النضوج فتتراجع الثقة بالحياة وتضمحل، وتتلاشى الإيجابية. وهكذا نتحكم بخطواطنا وبما نقوله برقابة مسبقة.
○ وماذا عن فكرة إسقاط الطائرتين؟
• كنت بعمر المراهقة خلال عدوان سنة 2006، سمعت صوت الطيران الحربي على ارتفاع منخفض جداً، وعشت بمشاعري سريعاً صوت القصف قبل حدوثه وصرخت «بوم». وسريعاً حدث الانفجار، وكانت محطة كهرباء بصاليم المستهدفة. كمراهقة شعرت وكأني السبب في البلاء الذي حصل. حادثة بقيت ماثلة أمامي، وولدت فكرة إسقاط الطائرتين من خلال قوى خارقة لدى طفل.
○ لماذا والدة الطفل غير موجودة؟
• لأن مشاعري وقناعتي تقول إن الأم نادراً ما تقمع طفلها، فقررت عدم وجودها. وأخترت العم وصياً على الطفل لتكون العلاقة أكثر وضوحاً، وأقل تعقداً مما قد تكون مع الأم والأب.
○ طفل خارق وانتصار على الطائرات الحربية الإسرائيلية. نحتاج لنصر وتحقق بالوهم. هل أشعرك السيناريو بالقوة؟
• بل أشعرني بالأمل بأن يوماً ما سيكون النصر لنا. إلى حينه خذلنا العالم وحتى ولو سمع صرختنا، وكثيرون وقفوا معنا، إنما المسار لم يفتح بوجهنا بعد، ولهذا لجأت إلى الخيال. أدرك أننا نمتلك القوة، وأتمنى لو ندخل إلى ذواتنا ونستخرجها ونستعملها دفاعاً عن النفس.
○ لنذهب إلى مهرجان برلين. كم مرّة عُرض الفيلم؟ وماذا عن الأسئلة التي واجهتك؟
• عُرض خمس مرّات، وفي واحدة منها كان الحوار مع الجمهور، وحوارات مع المسؤولين في المهرجان خلال العروض الأخرى. أسئلة تشبه أسئلتك «من أين فكرة الطفل الذي يمتلك قدرات خارقة»؟ شرحت حادثة 2006 التي عشتها، وتوسعت حول استباحة الطيران الإسرائيلي لأجوائنا وصوته المزعج. أن يقتحم صوت غرفة مراهق، فهذا مصنوع من ذاكرتي وليس من الواقع. كتبت الفيلم قبل الحروب التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر 2023. لكن وخلال التصوير تحوّل الفيلم إلى واقع، والصوت الذي كان بذاكرتي عاد حقيقياً.
○ سجّلت صوت الطائرات خلال التصوير؟
• بل استعملنا أصواتاً مسجلة من قبل آخرين. وفي الفيلم أصوات من غزّة. وصوت الدرونز مسجّل في بيروت. جميع الأصوات تُعبّر تماماً عن سماعنا لها كمواطنين. المرة الوحيدة التي جرى فيها حوار مع الجمهور كانت الأسئلة جميلة للغاية. مراسلة صحافية شاهدت الفيلم وأثنت على صوت الطائرات، وصوت انفجارها. وقالت بأنها كانت مراسلة صحافية خلال الحرب في سوريا، وكانت على مسافة قريبة من سقوط إحدى الطائرات وانفجارها. ففي حالة الطفل وعمه لم يعد حضور الطائرات يعنيهما، فمشاعرهما «نمّلِت» حيالها، ولم يعودا يرفعان رأسيهما لمشاهدتها. تلك المراسلة قالت بأنها وخلال عرض الفيلم عاشت مشاعر مماثلة لدى سقوط الطائرة قريباً منها في سوريا. «الفيلم مشغول وكأنه جزء من الواقع»، هكذا قالت المراسلة. وهذا أسعدني. ومن الأسئلة التي لفتتني «لماذا غابت المرأة؟» آسفة للقول بأن السؤال أبكاني على المسرح. فلم يخطر لي حضور المرأة بعد استبعاد حضور الأم للأسباب السابقة الذكر. وكان جوابي أن رجال منطقتنا يولدون وكأنهم مستعدون للموت دفاعاً عن أرضهم وأهلهم وذاتهم. وتالياً ليس لديهم مساحة للأحاسيس، حتى اننا نُحصي الضحايا نساء وأطفالاً، وكأن الرجال وقود. نعم أسئلة الجمهور في المهرجان كانت قوية وفجائية.
○ وماذا قلت عن لبنان كتقديم للفيلم في عرضه الأول؟
• اُدرك أن كثيرين لا يعرفون أين يقع لبنان فشرحت: هو قرب سوريا من الشرق والشمال، وفي الجنوب يقع شمال فلسطين. «قامت الدني وما عرفت تقعد». وكتبت الصحف اليهودية في نيويورك «مهرجان برلين السينمائي سياسي بامتياز». انتبهت لردة الفعل المتصاعدة، وشخصياً كنت أستعمل تعابير تلقائية نرددها في لبنان، نتكلم عن «فلسطين»، ونتلفظ بإسرائيل لنقول إنها قصفت وقتلت ودمرت. صورتها في أذهاننا مرتبطة بالعنف. إنها الحقيقة التي نعيش فيها، والتي ترافقني أينما كنت. ولدى تسلمي جائزة الدب الذهبي لم يكن في بالي سوى الحديث عن أطفالنا الجميلين الذي تقتلهم إسرائيل يومياً. أن نصبح أعداداً من القتلى في القاموس العالمي، فهذه قلة احترام متناهية لأرواحنا.
○ لنتعرّف منك إلى مسار الكاميرا في عكار حيث جرى التصوير. شاهدنا أستوديو طبيعيا بدون أي تعديل؟
• إنه بيت جدي، كان في طور البناء في القسم الثاني من ستينيات القرن الماضي. انهار بنك إنترا وخسر جدي ماله، وتوقف المشروع. بيت جدي كان من المنازل الأولى في القرية تُشيد بالباطون. منزل أشبهه بلبنان الذي كان منارة الشرق، ومنذ أزمة إنترا وهو يتابع انحداره. بات المنزل بنظري رمزاً للعظمة العالقة في الماضي، وعاجزة عن مواكبة الحاضر. أجيال مرّت عليه، رحلوا وتركوا مقتنيات متراكمة فيه. غيرت فقط أماكن بعض الحاجات لتكون أكثر مؤامة للفيلم. وحدها الملابس أحضرتها إلى المكان.
○ لقطة الأطفال الثلاثة يظهرون فجأة من فتحة على السطح جسّدت الكثير من الحيوية. كيف تقرئين فيها كمخرجة؟
• في الحقيقة كنت أنتظر بشغف أن يُطرح هذا السؤال. في الواقع هو خزّان ماء فارغ، كان ملعبي خلال الطفولة، أختبئ فيه مع أولاد خالي. عندما يأتي الكبار بحثاً عنّا نقطع أنفاسنا، ويذهبون خائبين. الألعاب ما تزال موجودة داخله. وكذلك كرسي سيارة بيجو أحضرناها في الطفولة من سيارة للكسر. كمخرجة استخدمت هذا البيت كما استخدمته في طفولتي، كما استراق النظر من فتحة الحائط، وتعود لمرحلة الطفولة. أحييتها جميعها لتركيب العلاقة بين الطفل وعمه.
○ وكيف أقنعت الطفل بالتمثيل؟
• عندما تعرّفت إلى خالد حسن أخبرني أنه يحب الغناء وليس التمثيل. دخل لعبة التمثيل لأنني وعدته بالغناء الذي لم يكن من ضمن السيناريو. الأغنيات التي رددها ليست متداولة إلا في محيطهم. فهو يعيش في أكروم على الحدود اللبنانية السورية، والغناء الذي تضمنه الفيلم، شعبي، يردده الناس في الحفلات والأعراس. والطفل الثاني في الفيلم طارق اسبر ابن خالة خالد حسن. تصرُّف الأطفال الثلاثة سوية كان حقيقياً وطبيعياً. والطفل الثالت مارفن الأشقر من حلبا يلعب الموسيقى، وجوده كان ضرورياً للحفاظ على الإيقاع في أداء خالد. لهذا كان الجميع حقيقيون لأنهم في مكانهم الطبيعي.
○ وكم استلزمت إدارتهم من جهود كونهم غير محترفين؟
• كانت الجهود ضرورية. عملت مع خالد حسن على مدار ستة أشهر. كنت أزور القبيات وأكروم يومياً لأتواصل معه ونتحاور، ونلتقي الدكتور انطوان ضاهر ليتعرّف إليه ويتقرّب منه. ومعه اكتشفت النهر الذي ظهر في الفيلم، وأضفت المشهد إلى السيناريو قبل أسابيع من التصوير. خالد حسن أضاف الكثير منه إلى الفيلم، وكانت له ذات ملامح الطفل الذي أردته، الهدوء، والثقة، والصوت الدافئ، والذكاء، والتفتح. كنت أنقله من مشهد إلى آخر، ومن ثمّ أتركه ليكون هو نفسه.
○ كان طيعاً؟
• نعم كثيراً. لكن أذكر في مشهد كان يفترض أن يقول «مْسَبِّه»، وامتنع. سألته وماذا ستقول كبديل؟ فاختار «لأنَكَ إنتاية». وهو تعبير لا أحبه كإمرأة، فهو يهين الرجل لتشبيهه بالمرأة من جهة، ويصنف المرأة كعاهة من جهة أخرى. استعملت التعبير لأنه حقيقة يُردد في الشارع اللبناني.
○ وماذا عن الدكتور انطوان ضاهر؟
• هو طبيب وليس ممثلاً، صوته الحقيقي لطيف ورقيق. فرحه متواصل. استلزم صوته الكثير من الجهود ليتناسب مع شكله. وخلال أحد التمارين اتصلت به سكريترته من المستشفى، وكان الشرط ليتمكن من الإجابة بأن يحكيها بصوت العم وليس الدكتور انطوان. وفعل، لكن السكرتيرة اعتذرت لتقول «الرقم غلط طلبت الدكتور انطوان». ضحك وأكد لها أنه هو. حينها وجدت أن صوته بات جاهزاً لبدء التصوير.
○ وكيف تصفين حال السينما المستقلة؟
• حرب دائمة. إن لم يكن أحدنا شغوفا فلن يستطيع متابعة العمل. لم يطلب أحدهم من المخرجين صناعة أفلام. وما من أحد راغب بسماع «النق». المخرج ليس بطبيب ولا مزارع ولا طبّاخ، وليس بشخص أساسي في الحياة اليومية للمجتمع. لكنه بالتأكيد مهم في حياة الشعوب، ومهم للتاريخ وبخاصة في المراحل المفصلية لتخليد الذاكرة. على المخرج أن يقدم فيلمه للبشر بحالة طبيعية كهدية، الـ«نق» يكون في مكانه الطبيعي لوزارة الثقافة على سبيل المثال.
○ عملك المقبل طويل أم قصير؟
• بل روائي طويل، وكنت لأجله في ورشة عمل مع «الراوي» في الأردن. وصل السيناريو إلى مرحلة متقدمة جداً وبدأنا بعملية التمويل. وفي الوقت عينه أعمل مع الفنان البصري والرسام البرازيلي اللبناني علي خضر على فيلم تجريبي.