أي تغيير ينتظر إيران؟


العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أعلن عنها الخميني في 1 نيسان/أبريل 1979 والغرب هي علاقة إشكالية معقدة منذ اليوم الأول لتأسيسها. فبعد أن تخلت الولايات المتحدة عن حليفها الشاه الذي اضطر للخروج من إيران في 16 كانون الثاني/يناير 1979 ليبحث عن ملاذ آمن، ويمهّد الطريق أمام عودة الخميني الذي كان يعيش في باريس؛ وهي عودة لم تكن بعيدة عن موافقة ضمنية غربية؛ تراوحت تلك العلاقة بين العدائية التي تجسّدت في لقب الشيطان الأكبر الذي أطلقه الخميني على الولايات المتحدة، وإقدام نشطاء النظام الإسلامي في ذلك الحين على احتجاز الأمريكان في السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، والهجوم على الجنود الأمريكان والفرنسيين عبر حزب الله في لبنان عام 1983؛ وبين التعاون والتخادم كما حصل في قضية إيران كونترا عام 1985، وإسقاط نظام طالبان في أفغانستان عام 2001، وكذلك نظام صدام حسين في العراق عام 2003؛ واعتماد سياسة غض النظر عن جهود النظام الإيراني التخريبية المباشرة أو عبر أذرعه، في مجتمعات ودول المنطقة (سوريا، العراق، لبنان، فلسطين، اليمن، دول الخليج). بل وصل الأمر بالرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما إلى حد تفضيل «الإرهاب الشيعي المنضبط» على «الإرهاب السياسي المنفلت»، وعقد صفقة النووي مع النظام الإيراني عام 2015، ومكّنه من الوصول إلى مليارات الدولارات التي كانت قد جمدت بناء على العقوبات الأمريكية. كما تجاهل أوباما خطط ومساعي قاسم سليماني الذي أدخل ميليشيات حزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية إلى سوريا لدعم بشار الأسد في حربه على السوريين الثائرين على استبداد سلطته وفسادها.
ورغم الحملات الإعلامية الصاخبة بين نظام ولي الفقيه والولايات المتحدة في عهد ترامب الأول ومن بعده عهد بايدن، وإقدام الأول، رغم الامتعاض الأوروبي، على إلغاء الاتفاق النووي؛ ورغم الوعود الغربية بدعم الاحتجاجات الشعبية الإيرانية في مواجهة النظام، إلا أن كل ذلك لم يخرج عن نطاق الوعود الشكلية التي لم تتحول يوما إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض.
ولكن الأمور تغيرت بصورة لافتة بعد عملية حماس والفصائل المتحالفة معها في السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023 وهي العملية التي استهدفت المستوطنات وقطعات الجيش الإسرائيلي في المناطق المحاذية لقطاع غزة. إذ كان التوجه بناء على التوافقات الأمريكية الإسرائيلية هو إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة؛ وكان ذلك على الأكثر في أجواء التنافس الشديد بين القوى العالمية الكبرى على مكامن الموارد والأسواق التجارية، والتحكّم بالممرات وطرق المواصلات الاستراتيجية، والرغبة في إعادة صياغة المعادلات الإقليمية في ضوء ذاك التنافس، وتعطيل الجهود الإيرانية المتواصلة المتصاعدة في ميدان السعي من أجل امتلاك القنبلة النووية. فكل هذه العوامل دفعت بالأمريكان والإسرائيليين إلى تجاوز استرتيجية التعايش والتخادم مع النظام الإيراني، وكانت الخطوة الأولى في هذا المجال هو التوجه نحو القضاء على أذرع النظام الإيراني في دول الإقليم.
وكان التصادم الإسرائيلي الإيراني المباشر الذي عُرف بحرب 12 يوماً، والدخول الأمريكي على الخط، وإعلان ترامب بأنه قد حقق جميع الأهداف، خاصة من جهة تدمير إمكانيات إيران النووية، هذا رغم تشكيك الجميع في حقيقة ما أعلن عنه.
وفي أجواء الانسدادات التي واجهتها الجهود الساعية للتوصل إلى صيغة من السلام بين روسيا وأوكرانيا، وبرودة العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتوجّه قسم من الأوروبيين نحو الصين لتلافي آثار ما اعتبروه حرباً تجارية أمريكية عليهم؛ فوجئ العالم بدق طبول الحرب مجدداً من جانب إدارة ترامب وبتناغم واضح مع حكومة نتنياهو. ورغم الجهود التي بذلت دوليا وإقليمياً لبلوغ توافقات تُبعد شبح الحرب عن المنطقة، وهي جهود أسهمت فيها دول مجلس التعاون الخليجي، بقسط كبير من المساعي الإيجابية؛ اُتخذ قرار الحرب، وتبيّن للجميع أن جولة المفاوضات الأخيرة بين الجانبين الأمريكي والإيراني التي عقدت في جنيف بوساطة عُمانية، لم تكن سوى خطة تمويهية للتغطية على ما كان يجري على أرض الواقع.
وكانت الضربة الأولى التي قضت على معظم القيادات الإيرانية الفعلية وفي مقدمتها المرشد. وكانت الحرب المفتوحة المستمرة منذ أسبوع، وليس من المعلوم متى ستنتهي.
ولكن الأمر الذي يثير الانتباه في هذه الحرب هو أنه لأول مرة يتم الحديث حول الرغبة في تغيير النظام الإيراني، ويتم الإفصاح عن الرغبة في رؤية حكومة جديدة تكون على استعداد للتفاهم مع الولايات المتحدة؛ ويبدو أن هناك خطوات ملموسة في هذا المجال. وهذا ما يُستشف من أحاديث ترامب حول البدائل، والإعلان عن اتصال هاتفي جرى بينه وبين مصطفى هجري زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يعد أقدم وأكبر حزب بين الأحزاب الكردية في إيران؛ وهو الحزب الذي أسسه قاضي محمد عام 1945 رئيس أول جمهورية ذات حكم ذاتي في التاريخ الكردي المعاصر (1946)، وترأسه لاحقاً الدكتور عبدالرحمن قاسلمو الذي اغتالته المخابرات الإيرانية في جلسة المفاوضات بينه وبين النظام الإيراني في فيينا عام 1989، كما اغتالت خلفه الدكتور صادق شرف كندي مع إثنين من رفاقه في برلين عام 1992، وتولى زعامة الحزب منذ ذلك التاريخ مصطفى هجري. ولهذا لم يكن من قبيل الصدفة اختياره من جانب الاستخبارات الأمريكية ليتحدث معه ترامب. وهو الأمر الذي أثار الكثير من التكهنات بخصوص قرب الهجوم البري في إيران، هجوم تتشكّل نواته من قوات البيشمركه التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني وبقية الأحزاب الكردية الإيرانية في مختلف مناطق كردستان إيران.
ما الذي ينتظر إيران؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لمآلات الحرب الجارية حالياً على الأرض الإيرانية، وامتداداتها في الإقليم وانعكاساتها على مجتمعات ودول المنطقة (دول الخليج والعراق ولبنان وحتى تركيا وربما أبعد)؟
هل ستكون هناك وساطة دولية لإيقاف الحرب وفق شروط أمريكية إسرائيلية لن تتجاوز حدود إعطاء ضمانات تؤكد تخلي النظام الإيراني بتركيبته الحالية عن مشروعه النووي، ووضع ضوابط على مشروعه الصاروخي، وتحويل أذرعه إلى قوى سياسية تمارس نشاطها بعيداً عن الأوامر الإيرانية والسلاح الذي من المفروض أن يكون حكراً على الدولة؟
أم ستستمر الهجمات على النظام الإيراني حتى تحدث تحولات داخلية ضمن بنيته الداخلية، وتصبح الطريق معبدة أمام تشكيلة معدلة في منظومة الحكم، تكون أكثر استعداداً للتفاهم مع الولايات المتحدة والدول الغربية، ومستعدة لعلاقات غير عدوانية وأكثر انفتاحية مع محيطها الإقليمي؟
وهناك احتمال ثالث، ينسجم أكثر مع تطلعات الشعوب الإيرانية، يتمثل في إسقاط النظام الحالي بكامل أركانه ومنظومته الإيديولوجية، ليحل محله نظام سياسي آخر، يعبّر بصورة أفضل عن إرادة سائر المكونات المجتمعية والتوجهات السياسية والجهات المناطقية الإيرانية. ولكن هذا الاحتمال يستوجب توافق قوى المعارضة الإيرانية بأجنحتها وانتماءاتها المختلفة، وهذا ليس بالأمر السهل راهناً. كما أنه يحتاج إلى توافق حسابات القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف الإيراني، وهذا التوافق هو الآخر ليس في دائرة اليسير حالياً، بل متشابك مع أولويات القوى العالمية المتنافسة حول الريادة التكنولوجية بجوانبها المدنية السلمية والعسكرية؛ إلى جانب التنافس حول القيادة الاقتصادية والسياسية ومناطق النفوذ في مختلف أنحاء العالم.
ويبقى الاحتمال الرابع الأصعب، وهو احتمال انهيار إيران ككيان سياسي موحد، كما حدث مع يوغوسلافيا في بداية تسعينات القرن المنصرم، وذلك نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتصاعد النزعات القومية والدينية، وتراجع تأثير القوى التي كانت تبقي على وحدة يوغوسلافيا بفعل نزعاتها القومية المتشددة وتوجهاتهم السلطوية. وهكذا قُسمت يوغوسلافيا إلى جملة دول رغم اعتراض الكثير من دول الجوار والقوى الدولية خاصة روسيا. وكان هذا التقسيم سابقة أكدت أن الحدود ليست مقدسة في حال تعارضها مع تطلعات الشعوب وضرورات المحافظة على الأمن والاستقرار في هذه المنطقة أو تلك، خاصة إذا كانت منطقة حيوية بالنسبة للجوار الإقليمي والمحيط الدولي كما هو الحال بالنسبة إلى إيران.
من المتعذر حاليا في خضم الهجمات الجوية والصاروخية العنيفة المتبادلة بين الأمريكان والإسرائيليين من جهة والإيرانيين من جهة أخرى، ترجيح كفة هذا الاحتمال أو ذاك، لأن ما يجري أقرب إلى التصفيات الإيديولوجية العقائدية؛ تصفيات تتحكّم بها أمزجة شخصية لا تلتزم بالمعايير والمواثيق الدولية التي شكّلت نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي أمزجة يحاول أصحابها أن يفرضوا آراءهم على الجميع، وإلزامهم بقبول ما هو مفروض.
بقي أن نقول: من الواضح أن النظام الدولي قد دخل مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد، ولكنها مرحلة ستتجلى تبعاتها من خلال تبدل المعايير وقواعد التعامل، وطبيعة التحالفات والاصطفافات، وحدوث تحوّلات نوعية في الجغرافيا السياسية للدول والبنى السكانية في المجتمعات (نتيجة الحروب الداخلية ومتغيرات البيئة والسياسات الجديدة في ميدان الهجرة).
*كاتب وأكاديمي سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *