من الجبهة إلى الحي… الحرس الثوري والحياة اليومية للإيرانيين


في الأيام الماضية عاد اسم الحرس الثوري الإيراني إلى واجهة النقاش السياسي في المنطقة. كثير من التحليلات باتت تتحدث عن الحرس الثوري بوصفه المؤسسة الأكثر تأثيراً في بنية الدولة الإيرانية. ولعل ما جرى في الأيام الماضية أعاد التأكيد على ذلك، إذ بدا الحرس الثوري، في نظر كثيرين، صاحب القرار الفعلي في البلاد، بينما تراجعت أصوات السياسيين في مؤسستي الرئاسة والخارجية.
لكن إذا تجاوزنا هذه المعادلة، فإن هناك سؤالاً أكثر إشكالية يتعلق بطبيعة هذه المؤسسة ودورها داخل إيران نفسها. فالحديث عن الحرس الثوري غالباً ما يبدأ من صورته بوصفه قوة عسكرية أو جهازاً أمنياً، غير أن الواقع يبدو أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فهذه المؤسسة لم تعد تقتصر على إدارة الملفات العسكرية أو الأمنية، بل أصبحت تمتلك حضوراً واسعاً داخل المجتمع الإيراني نفسه. كما باتت ترتبط بشبكات تنظيمية واجتماعية واقتصادية، تمتد داخل الشارع الإيراني، عبر مؤسسات ومنظمات متعددة تعمل في الأحياء والجامعات والمؤسسات الاقتصادية. هذا التغلغل الاجتماعي، يجعل فهم دور الحرس الثوري أكثر تعقيداً، لأن تأثيره لا يظهر فقط في مؤسسات الدولة، بل في الحياة اليومية للمجتمع أيضاً. ولفهم هذا الجانب من دور الحرس الثوري، يمكن العودة إلى كتاب «المجتمع الأسير: ميليشيا الباسيج والسيطرة الاجتماعية في إيران» للباحث الإيراني سعيد غولكار. يتناول هذا العمل إحدى أهم المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري، وهي منظمة الباسيج، التي تشكل في الواقع الامتداد الاجتماعي لهذه المؤسسة العسكرية داخل المجتمع الإيراني.

بدأ الباسيج في الأصل كقوة تعبئة شعبية في السنوات الأولى بعد الثورة الإيرانية. ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية 1980)ـ 1988) توسع هذا التنظيم بسرعة كبيرة، إذ انضم إليه مئات الآلاف من المتطوعين، خصوصاً من الشباب والطلاب. في تلك السنوات ارتبط دور الباسيج أساساً بالجبهة، حيث شارك المتطوعون في العمليات العسكرية إلى جانب الجيش والحرس الثوري. لكن نهاية الحرب لم تعن نهاية دور هذه المؤسسة. فبدلاً من أن تتراجع، أو تختفي، أعادت الدولة تنظيمها داخل المجتمع، لتتحول تدريجياً من قوة تعبئة عسكرية إلى شبكة اجتماعية واسعة، مرتبطة بالحياة اليومية في المدن الإيرانية. أحد أبرز مظاهر هذا التحول يظهر في الأحياء السكنية. فقد أنشئ ما يعرف بقواعد المقاومة للباسيج، وهي وحدات محلية صغيرة تنتشر داخل الأحياء وغالباً ما تكون مرتبطة بالمساجد. هذه القواعد ليست مجرد مكاتب تنظيمية، بل تعمل في كثير من الأحيان كمراكز اجتماعية داخل الحي. ففي العديد من المناطق تنظم جلسات دينية أسبوعية للشباب، أو دروس في القرآن والتفسير، كما تعقد لقاءات حول تاريخ الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية. وفي مناسبات مثل ذكرى الثورة أو ذكرى الحرب تنظم هذه القواعد معارض صور للشهداء أو فعاليات تذكارية يشارك فيها سكان الحي. كما أخذت هذه القواعد تشارك أيضاً في أنشطة اجتماعية يومية داخل الأحياء. ففي بعض المناطق تنظم حملات لمساعدة الأسر الفقيرة أو توزيع سلال غذائية خلال المناسبات الدينية، بينما تنظم في مناطق أخرى أنشطة للشباب مثل البطولات الرياضية أو البرامج الثقافية. وفي حالات أخرى تقيم دورات تعليمية أو برامج دينية للشباب. هذه الأنشطة وغيرها تجعل الباسيج جزءاً من الحياة اليومية داخل الأحياء، بحيث يتعامل معه السكان بوصفه مؤسسة محلية موجودة في قلب المجتمع. كما أن الانتشار داخل الأحياء يمنح الباسيج أيضاً معرفة واسعة بالمجتمع المحلي، لأن أعضاءه غالباً ما يكونون من سكان الحي أنفسهم، فهم يعرفون العائلات والعلاقات الاجتماعية داخل المنطقة، التي لا تقتصر على العلاقات الاجتماعية فقط، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية في الأحياء. وفي كثير من الحالات تصبح قواعد الباسيج، مركزاً للنشاط الاجتماعي في الحي، حيث يشارك أعضاؤها في تنظيم المناسبات الدينية أو الفعاليات الثقافية أو الأنشطة الشبابية. كما قد تُستخدم هذه القواعد أحياناً كوسيط بين السكان وبعض مؤسسات الدولة، حيث تُنقل عبرها شكاوى السكان أو مطالبهم المحلية. وهذا الدور يجعل الباسيج جزءاً من الحياة اليومية داخل المجتمع المحلي، لكنه يمنحه في الوقت نفسه قدرة على متابعة التحولات الاجتماعية داخل الأحياء وفهم مزاجها العام.

ولا يقتصر حضور الباسيج على الأحياء السكنية، فالجامعات تمثل مجالاً آخر مهماً لانتشار هذه الشبكة. فقد أنشئت تنظيمات للباسيج داخل الجامعات الإيرانية مثل باسيج الطلاب وباسيج الأساتذة. تنظم هذه التنظيمات أنشطة متعددة داخل الحرم الجامعي. ففي بعض الجامعات، مثل جامعة طهران، تعقد ندوات فكرية حول الثورة الإيرانية أو حول الحرب العراقية الإيرانية، كما تقيم معارض صور أو فعاليات ثقافية مرتبطة بتاريخ الثورة. وفي بعض الأحيان تنظم حلقات نقاش سياسية أو لقاءات فكرية مع شخصيات دينية أو سياسية مرتبطة بالنظام. كما تنظم بعض تنظيمات الباسيج في الجامعات رحلات طلابية إلى مناطق المعارك السابقة داخل إيران، حيث يتعرف الطلاب على مواقع الحرب وتاريخها. ولعل هذا التركيز على ذاكرة الحرب ليس أمراً عرضياً، بل يرتبط بالدور الرمزي الذي تحتله الحرب العراقية الإيرانية في الخطاب السياسي للنظام. فالحرب تُقدم بوصفها لحظة تأسيسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وتُستخدم سردية التضحية والشهادة لتعزيز الهوية الثورية وربط الأجيال الجديدة بتاريخ الثورة.
ولا يقتصر دور الباسيج على النشاط الاجتماعي والثقافي، بل يمتد أيضاً إلى المجال الأخلاقي والرقابي داخل المجتمع. يوضح الكتاب أن الباسيج لعب دوراً في حملات ما يسمى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي حملات تهدف إلى مراقبة السلوك الاجتماعي في المجال العام. ومن بين أبرز المجالات التي ظهر فيها هذا الدور مسألة الحجاب. ففي بعض المدن شارك أفراد من الباسيج في حملات اجتماعية تهدف إلى تعزيز الالتزام بالحجاب في الفضاء العام، سواء عبر التوعية، أو عبر المشاركة في مبادرات مرتبطة بالرقابة الأخلاقية. ويشير الكتاب إلى أن هذا الدور جعل الباسيج جزءاً من منظومة أوسع من المؤسسات التي تسعى إلى تنظيم المجال العام وفق القيم التي تبناها النظام بعد الثورة.
إلى جانب هذا الانتشار الاجتماعي توسع الباسيج أيضاً في المجال الاقتصادي. فقد أنشأ مؤسسات اقتصادية خاصة به، من أبرزها مؤسسة تعاون الباسيج، وهي مؤسسة تعمل كمظلة لعدد من الشركات والمشاريع الاستثمارية. بعض هذه الشركات يعمل في مجالات التجارة والخدمات، بينما يعمل بعضها في مشاريع مرتبطة بالبناء أو الاستثمار. وتشير الدراسة إلى أن هذه المؤسسة تؤدي دوراً مهماً في توفير الموارد المالية للباسيج، كما تساعد في توفير فرص عمل لبعض أعضائه. في بعض الحالات يحصل أعضاء الباسيج على وظائف داخل الشركات التابعة لهذه المؤسسة، أو يستفيدون من خدمات اقتصادية تقدمها مثل، القروض أو المشاريع الصغيرة. كما تشارك بعض الشركات المرتبطة بالباسيج في مشاريع اقتصادية محلية مثل، مشاريع البناء أو الخدمات التجارية. هذه الأنشطة الاقتصادية تخلق شبكة مصالح مرتبطة بالباسيج وتساعد على توسيع حضوره داخل المجتمع. كما أن ارتباط الباسيج بالحرس الثوري يمنحه موقعاً خاصاً داخل الاقتصاد الإيراني. فالحرس الثوري يمتلك شبكات اقتصادية واسعة في البلاد، والباسيج، باعتباره جزءاً من هيكله التنظيمي، يستفيد من هذه الشبكات. وهذا التداخل بين الاقتصاد والتنظيم العسكري يعكس الطريقة التي أصبحت بها مؤسسات مثل الحرس الثوري والباسيج جزءاً من الاقتصاد السياسي للنظام الإيراني.

من خلال هذه الأمثلة ـ من قواعد الباسيج في الأحياء السكنية إلى تنظيماته في الجامعات إلى مؤسساته الاقتصادية ـ يتضح أن الباسيج لم يعد مجرد ميليشيا ظهرت في زمن الحرب، بل أصبح شبكة اجتماعية متغلغلة داخل المجتمع الإيراني. وهذا التغلغل يجعل هذه المؤسسة جزءاً من بنية المجتمع نفسه، لأن حضورها يمتد إلى الحياة اليومية في المدن والأحياء والمؤسسات التعليمية والاقتصادية. ومع ذلك، فإن وجود هذه الشبكات الاجتماعية والتنظيمية الواسعة لا يعني بالضرورة أن مستقبلها مضمون إلى الأبد. فالتاريخ السياسي في المنطقة يقدم أمثلة على أن الأنظمة التي بنت شبكات حزبية وتنظيمية عميقة داخل المجتمع، لم تكن دائماً محصنة من التحولات الكبرى، غذ كان حزب البعث العربي الاشتراكي في كل من العراق وسوريا يمتلك بدوره امتدادات واسعة داخل المجتمع. وكان الحزب حاضراً في المدارس والجامعات والنقابات والمؤسسات الحكومية، وكانت له منظمات طلابية وشبابية وانتشار واسع داخل الأحياء والجيش وأجهزة الدولة. لكن تجربة العقود الأخيرة تشير إلى أن هذه الشبكات يمكن أن تتفكك بسرعة عندما تتعرض الدولة نفسها لتحول كبير. ففي العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 انهارت البنية التنظيمية لحزب البعث بسرعة رغم اتساعها السابق داخل المجتمع. وحتى في سوريا، حيث حكم حزب البعث والأجهزة الأمنية لعقود طويلة، أظهرت التطورات الأخيرة أن هذه الشبكات يمكن أن تضعف أو تذوب نهائياً عندما يتغير ميزان السلطة.
من هنا يطرح النقاش حول الحرس الثوري سؤالاً مفتوحاً: هل يمكن لمؤسسة متغلغلة في المجتمع مثل الحرس الثوري وشبكاته المرتبطة به، وعلى رأسها الباسيج، أن تواجه يوماً مصيراً مشابهاً لما حدث لشبكات حزبية أخرى في المنطقة؟ أم أن الحالة الإيرانية مختلفة، لأن هذه المؤسسة لم تتشكل فقط كجهاز عسكري أو حزب سياسي، بل كشبكة مركبة تجمع بين القوة العسكرية والتنظيم الاجتماعي والامتداد الاقتصادي؟
لعلّ الحرب، بأيامها الثقيلة، ستتكفّل وحدها بالإجابة عن هذا السؤال، وعن أسئلة أخرى ظلّت معلّقة حول جمهورية آيات الله في إيران…
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ
وما هو عنها بالحديث المرجم

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *