باريس- “القدس العربي”:
قالت صحيفة “لوموند” إنه لا نائب الرئيس ولا وزير الخارجية يستفيدان من استعراض القوة العسكرية الذي يجري من دون استراتيجية واضحة ويتعارض مع عقيدة “ماغا”. فالصراع هو أولاً صراع دونالد ترامب، الذي لا يبدو مهتماً كثيراً بمستقبله السياسي أو بمن سيخلفه.
وأضافت “لوموند” أن الحرب ليست مجرد عمل عسكري، بل هي أيضاً كاشف سياسي. فكل من نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، وهما مرشحان محتملان لوراثة التيار الترامبي، يتعاملان بطريقة مختلفة تماماً مع الهجوم على إيران. الأول، الذي يشعر بالحرج من هذه المغامرة العسكرية غير المؤكدة، يلتزم الصمت ويتوارى عن الأنظار كما لم يفعل منذ بداية هذا العهد. أما الثاني، المؤيد لفكرة إسقاط النظام الإيراني، فقد تعثر سياسياً في الملف الذي كان يتقدم فيه بثقة.
في الثاني من مارس الجاري، ارتكب ماركو روبيو أول خطأ سياسي مهم له في ممرات الكونغرس، حيث دافع عن فكرة حرب وقائية ضد إيران بسبب نيات إسرائيل، وذلك خلال حديث مع الصحافيين. وقال إن الولايات المتحدة كانت تعلم أن هناك عملاً إسرائيلياً سيحدث، وكانت تعلم أنه سيؤدي إلى هجوم إيراني ضد القوات الأمريكية، وكانت تعلم أيضاً أنه إذا لم يتم استهداف الإيرانيين بشكل وقائي قبل بدء تلك الهجمات فإن الخسائر الأمريكية ستكون أكبر.
أثار هذا التصريح غضباً داخل صفوف حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، حيث تساءل كثيرون: هل تُجر الولايات المتحدة إلى حرب غير متوقعة بسبب إسرائيل؟
في اليوم التالي لزلّته غير المعتادة، رد روبيو على الصحافيين في مبنى الكابيتول وهو يبدو منزعجاً، مدعياً أنهم شوّهوا كلامه، وهو ما لم يكن صحيحاً، قائلا إن الرئيس كان قد اتخذ بالفعل قرار التحرك، مضيفاً أن تنفيذ العملية بالتنسيق مع إسرائيل يمنحها أعلى فرص النجاح.
ما يزال الدور الدقيق لماركو روبيو في قرار الدخول في الحرب غير واضح. لكن عندما كان سيناتوراً عن ولاية فلوريدا، وكان منخرطاً بقوة في قضايا السياسة الخارجية، دافع دائماً عن مواقف مؤيدة لإسرائيل ودعا إلى موقف صارم تجاه النظام الإيراني، تُذكِّر “لوموند”، موضّحةً أن وزير الخارجية يُعرف في الظروف العادية بإتقانه الشديد للتعبير العلني، في تناقض واضح مع بقية أعضاء الإدارة. وتظهر معرفته بالملفات خلال جلسات الاستماع في الكونغرس أو خلال تعامله مع الصحافة.
وتابعت “لوموند” القول إنه منذ عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو التي اعتُبرت ناجحة، ثم فرض انتقال السلطة على نائبته ديلسي رودريغيز، بات حلم إعادة تشكيل أمريكا اللاتينية يستحوذ على اهتمام ماركو روبيو، ولاسيما احتمال سقوط النظام الكوبي. كما أكد حضوره في مؤتمر الأمن بميونيخ في منتصف شهر فبراير/شباط المنصرم قدرته على التماهي مع خط وأسلوب الرئيس دونالد ترامب، مع الحفاظ على أسلوب مختلف عنه.
ونقلت “لوموند” عن كيرت ميلز، المدير التنفيذي لمجلة المحافظ الأمريكي المعارضة للتدخلات العسكرية في الخارج، أن حظوظ ماركو روبيو في الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2028 ضئيلة، إذ يُنظر إليه على أنه صقر تقليدي في السياسة الخارجية، كما أن قاعدته الانتخابية هشة أصلاً. ولا يعتقد أنه كان صانع قرار في هذه الحرب، بل مجرد مؤيد سلبي، وكانت المبادرة من الرئيس ترامب.
مع ذلك، يرى ميلز أنه من المبكر اعتبار ما يحدث انتصاراً لمعسكر التدخل العسكري الذي ينتمي إليه روبيو. وتشبه اللحظة الحالية انفجار نجم عملاق في نهايته. فالصقور في السياسة الأمريكية متقدمون في السن، وهناك فجوة كبيرة بين الأجيال في هذا الموضوع.
ويضيف كيرت ميلز أن كثيراً من الأمريكيين يرون أن كبار السن هم من يقودون هذه الحرب: مقدمو برامج تلفزيونية وسيناتورات في السبعين من العمر. وحذر من التقليل من نفوذهم، حيث إن قراراتهم أدت بالفعل إلى مقتل ستة أمريكيين ومئات الإيرانيين. ومع ذلك فإن الزمن لا يعمل لصالحهم.
ومضت “لوموند” قائلةً إن ما يعتبره كيرت ميلز خيانة من قبل الرئيس ترامب للعقد السياسي الذي قامت عليه حركة “أمريكا أولاً” يضع أيضاً نائبه جاي دي فانس في موقف سياسي صعب. فقد بدأ هذا الأخير بالفعل حملة غير رسمية للانتخابات الرئاسية لعام 2028، محاولاً تجسيد الجيل الجديد من اليمين الأمريكي: معاد للهجرة، ومناهض للعولمة، ومعارض للتدخلات العسكرية الخارجية.
وكان فانس يركز أساساً على قلق الرأي العام بشأن غلاء المعيشة. لكن الحرب ضد إيران، التي تفتقر إلى مبررات واضحة من الإدارة، تمثل عبئاً إضافياً عليه، خصوصاً إذا طال أمدها.
حتى الآن، تتابع “لوموند”، يتردد جاي دي فانس في موقفه، لكنه لا يعلن معارضته صراحة. فعشية اندلاع النزاع، التقى نائب الرئيس وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي الذي كان يحاول القيام بوساطة أخيرة في واشنطن لإقناع الإدارة بأن العرض الإيراني بشأن برنامجها النووي جدي وغير مسبوق.
لكن عند بدء الهجوم في الليلة التالية، لم يكن فانس إلى جانب دونالد ترامب في مقر إقامته في مارالاغو بولاية فلوريدا. وكان الرئيس محاطاً برئيسة موظفيه سوزي وايلز، ووزير الخارجية ماركو روبيو. بينما أظهرت صورة نشرها البيت الأبيض نائب الرئيس وحيداً في غرفة العمليات في واشنطن، وكانت عزلته السياسية واضحة.
وعلى منصة التواصل الاجتماعي “إكس”، بقي فانس صامتاً، رغم أنه عادة ما يشارك في السجالات السياسية. وفي يوم الثالث من مارس/آذار الجاري، ظهر لفترة قصيرة في مقابلة تلفزيونية ليهاجم مجدداً عشرين عاماً من محاولات فرض الديمقراطية الليبرالية في أفغانستان وكذلك حرب العراق. وقال إن الفرق في الهجوم الحالي هو أن دونالد ترامب حدد بوضوح ما يريد تحقيقه، وهو منع إيران من امتلاك سلاح نووي. غير أن إصراره المتكرر على أن كل شيء واضح وبسيط، بدا وكأنه يشير إلى العكس، تقول “لوموند”.
وكان فانس قال قبل انتخابات عام 2024 بقليل، في مقابلة مع أحد صانعي البودكاست، إنه قلق من الطموحات النووية الإيرانية، لكنه أضاف أنه يعتقد بقوة أن مصلحة الولايات المتحدة هي ألا تدخل حرباً مع إيران، لأن ذلك سيكون استنزافاً هائلاً للموارد وتكلفة كبيرة للبلاد.
وفي يوم السابع والعشرين من فبراير/شباط، عشية الهجوم، قال لصحيفة أمريكية إن فكرة أن الولايات المتحدة ستجد نفسها في حرب طويلة في الشرق الأوسط من دون نهاية في الأفق أمر لن يحدث.
عندما وصل فانس إلى مجلس الشيوخ في يناير/كانون الثاني عام 2023، كان قد تميز بموقفه الرافض لدعم أمريكي غير محدود لأوكرانيا خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن. وقد نشر في ذلك الوقت مقالاً قال فيه إن أفضل سياسة خارجية لترامب كانت عدم بدء حروب جديدة.
لكن الواقع يبدو مختلفاً اليوم، تقول “لوموند”، مشيرة إلى ما كتبه الصحافي الأمريكي من أصل إيراني سهراب أحمري في مقال تحليلي، أن الصقور المحافظين الجدد خرجوا فائزين في عصر ترامب، بينما وجد المثقفون الترامبيون أنفسهم بلا نفوذ. وأضاف أن فانس الذي كان ينتقد سابقاً السياسات الخارجية الأخلاقية أصبح الآن يشرف على ضربات تهدف صراحة إلى تحرير الشعب الإيراني.
في هذه المرحلة، تتابع “لوموند”، لا يبدو أن ماركو روبيو ولا جاي دي فانس يستفيدان سياسياً من استعراض القوة العسكرية ضد إيران في غياب استراتيجية واضحة. فهذه الحرب المترددة هي قبل كل شيء حرب دونالد ترامب نفسه، الذي لا يبدو مهتماً كثيراً بمستقبله السياسي أو بمن قد يخلفه. فالملياردير لم يُبد يوماً اهتماماً كبيراً بالنقاشات الأيديولوجية، ويبدو غير مكترث بالصدمة التي أحدثها هذا النزاع داخل معسكره. وأولويته، قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي، هي أن يبقى وحده في الواجهة. فالنجاحات تُنسب إليه، أما الإخفاقات فإما يتم إنكارها أو يُلقى اللوم فيها على آخرين، تختتم “لوموند”.