مع اغتيال المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، بدا إسقاط النظام لكثيرين في إسرائيل، وعلى رأسهم نتنياهو، هدفاً قابلاً للتحقق. ولكن المؤرخين وعلماء السياسة وخبراء الشؤون الإيرانية في أوساط الأكاديميا في إسرائيل ينصحون بالتفكير جيداً قبل التسرع في تحديد مثل هذا الهدف. فهم يذكرون بأن طريقة تغيير النظام قد تكون طويلة جداً في أفضل الحالات، وقد يأتي بنتائج عكسية في أسوأ الحالات. البروفيسور مئير ليتفاك، رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب، يقول: “القنابل وحدها لا تسقط نظام. لا تجربة سابقة لدينا في هذا الشأن. نحن بحاجة إلى تصدعات في الداخل”.
البروفيسور بني ميلر، الخبير في العلاقات الدولية في جامعة حيفا، قال إنه تاريخياً “سجلّ هذا الهدف، أي تغيير النظام، غير جيد”. وبحسبه، فإنه “حتى في الحالات القليلة التي نجح فيها تغيير النظام، فقد تسبب ذلك بمشكلات أكثر مما كانت عليه الحال من قبل”. مثلاً هو يشير إلى إسقاط نظام صدام حسين في العراق على يد الولايات المتحدة في 2003 ويقول: “النتيجة كانت حرباً أهلية وصعود عناصر جهادية إسلامية متطرفة وتغلغل إيران في العراق وتأسيس المحور الشيعي الذي توجه إليه أمريكا وإسرائيل الآن ضربة قوية. ربما كانت النوايا حسنة، وهي تعزيز الديمقراطية وإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط، لكن ذلك لم تنجح”.
الدكتورة كارميلا لوتمار، من جامعة حيفا، قالت: “إذا لم يكن لدى أي مجتمع تقاليد ديمقراطية فسيكون صعباً فرض زعيم من الخارج. ففي أفغانستان أسقطوا حركة طالبان وعينوا زعيماً دمية. على المدى القصير، ينفذ هذا الزعيم الدمية ما يطلب منه، لكنه بحاجة إلى كسب الشرعية في بلاده، ولتحقيق ذلك يجب أن يبتعد عنك. عند ذلك، يطرح سؤال: ما الفائدة من ذلك؟ إذا لم تعمل المؤسسات بشكل ديمقراطي فستكون العملية مصطنعة ولن تدوم لفترة طويلة”.
البروفيسور حجاي رام، مؤرخ شؤون الشرق الأوسط في جامعة بن غوريون، يقول: “يمكن إسقاط الأنظمة، وقد حدث ذلك في السابق. ولكن هل هو أمر مرغوب فيه؟ بالتأكيد لا. نحن لا نتعلم من الأخطاء، وفي نهاية المطاف نتفاجأ من نتيجة كانت متوقعة مسبقاً. سيناريو الفشل مكتوب مسبقاً”. ولتفسير ذلك، لا يبحث رام عن أمثلة بعيدة، بل يعود إلى الانقلاب الإيراني في 1953، الذي خططت له الولايات المتحدة ودعمته بريطانيا، وأسقطت حكومة محمد مصدق الديمقراطية، وتولى الشاه السلطة، الذي تم إسقاطه بعد ذلك في الثورة الإسلامية في 1979. حجاي رام يقول: “الأمريكيون هم الذين كانوا مسؤولين عن أكثر نظام معاد لأمريكا”. ومن الأمثلة الأخرى على تغيير الأنظمة الذي لم يحقق المأمول منه، الحرب في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، حيث سلحت الولايات المتحدة الجماعات الإسلامية التي ثارت ضد النظام الشيوعي المدعوم من قبل الاتحاد السوفيتي السابق. يقول ميلر: “الخطة نجحت وانسحب الاتحاد السوفيتي، وتلك اللحظة كانت بمثابة تمهيد لسقوطه في 1991، لكن الجهاديين الذين زودتهم وكالة المخابرات المركزية بالسلاح كانوا نواة منظمة القاعدة، وفي 11 أيلول 2001 هاجموا أبراج التوائم والبنتاغون. هكذا تمكنت الولايات المتحدة التي ساعدت في صعود طالبان في التسعينيات من الإطاحة بها في 2001 وأقامت جمهورية إسلامية بدلاً منها. ولكن بعد مرور عشرين سنة على الحرب، تم تمهيد الطريق لعودة طالبان إلى السلطة.
من جهة أخرى، يذكر ميلر بأن إيران ليست أفغانستان، يقول: “معارضو النظام في إيران أكثر ميلاً إلى العلمانية والتغريب والديمقراطية. هدفهم تغيير إيران في اتجاه يرضي الغرب. مع ذلك، يواجهون مشكلة صعبة: كيف سيتصدون للحرس الثوري وقوة الباسيج؟ لإسقاط نظام عنيف مثل النوع الإيراني، ثمة حاجة إلى السلاح، لكن نسبة العشرين بالمئة المؤيدة للنظام هي التي تحتكر وسائل العنف، ولن تؤثر المظاهرات السلمية وحسن النية على النظام إذا لم يشعر بأنه على وشك الانهيار.
يأمل ميلر أن تزود أجهزة المخابرات السرية المتظاهرين بالسلاح مثلما حدث في أفغانستان، أو أن تشعر الأجهزة الأمنية التي تحمي النظام، حسب رأيه، بأن القصة انتهت، فترفض إطلاق النار على المتظاهرين وتبدأ بالانشقاق. أحياناً تحدث نقطة تحول في ميزان القوى الداخلية، وعندها قد تدرك قوة الباسيج بأنها تراهن على ورقة خاسرة، وتخشى على مصيرها الشخصي في اليوم التالي لسقوط النظام.
كل من يأمل تغيير النظام على يد القاعدة الشعبية من دون تدخل من الخارج يتذكر على الفور “الربيع العربي” – موجة الانتفاضات التي بدأت في 2010 ضد الأنظمة القمعية، بما في ذلك في تونس، مصر، اليمن، ليبيا وسوريا. مع ذلك، بالنظر الى الماضي، يتفق معظم الباحثين على فشل هذا المشروع. يقول ميلر: “باستثناء عقد من الديمقراطية في تونس، أعاد الربيع العربي الأنظمة الديكتاتورية مثلما في حالة مصر، أو خلق دولاً فاشلة مثل ليبيا واليمن.
استغرقت سوريا حوالي 15 سنة بعد أحداث الربيع العربي. ففي كانون الأول 2024، في هجوم شنته قوات المعارضة، سقط حكم عائلة الأسد بعد أكثر من نصف قرن. هل يمكن تطبيق هذا النموذج في إيران أيضا؟ في حالة سوريا، كانت المعارضة مسلحة وحصلت على دعم الجارة تركيا. وعندما شعر الشعب السوري بأن لا أحد سيقف إلى جانب الأسد بعد الضربات التي وجهتها إسرائيل لحزب الله وإيران، انطلق المسلحون، وهرب الأسد. ولكن المستقبل سيكشف إذا كان النظام الجديد الذي ارتكب مذابح ضد الأقليات، بما في ذلك الأكراد والدروز، سيكون بديلاً مناسباً لنظام الأسد الدموي والديكتاتوري.
لقد منيت إسرائيل بفشل ذريع في تغيير النظام عن طريق القوة العسكرية في العام 1982، في حرب لبنان الأولى، عندما حاولت ترسيخ سيطرة المسيحيين في لبنان بهدف إضعاف م.ت.ف، التي كانت في حينه العدو الرئيسي لها قبل صعود حزب الله. يقول ميلر: “لقد كان هناك فشل ذريع، ووهم كبير لإسرائيل. فقد اعتقدت أن الكتائب ستكون جديرة بالثقة وموالية لها وقوية بما فيه الكفاية للتعامل مع دولة مقسمة وطائفية. ولكن كل هذه الافتراضات تم دحضها بالتوالي. هذه الحالة تظهر أن احتمالية التدخل الخارجي في دولة مقسمة قد تؤدي إلى تفاقم الحرب الأهلية وفشل ذريع”.
ثمة أمثلة كثيرة على الأنظمة التي سقطت وتم إسقاطها. الدكتورة غوتمار تناولت ذلك في رسالة الدكتوراة وقالت: “حالات القوة الخارجية التي فرضت تغيير في النظام ليست حالات استثنائية. فقد تم ذلك أكثر من 100 مرة في الـ 150 سنة الأخيرة”. الأمثلة الأكثر شهرة هي اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الظروف في حينه كانت تختلف عن الوضع الحالي في إيران. “هناك، كان ذلك عملية بدأت بعد هزيمة شاملة”، وأضافت: “الولايات المتحدة بقيت على الأرض بضع سنوات بعد ذلك”. وحسب قولها، فمن أجل تغيير نظام بهذه الصورة، فإن نسبة النجاح متدنية جداً، وخلال ذلك يجب مواجهة إمكانية اندلاع حرب أهلية وسبب ذلك بسيط. “أحياناً الديكتاتور هو الذي يمسك الدولة بقبضة حديدية، وفي اللحظة التي يختفي فيها يفتح باب جهنم. كل شيء ينهار وكل الأقليات تبدأ بالهياج”.
حسب أقوال ليتفاك، فرغم الضربات القوية التي تعرض لها النظام الإيراني فإنه ما زال قائماً، وإن تعيين قيادة جديدة للحرس الثوري والدولة يدل على أنه “لا توجد في إيران فوضى وانهيار”. وإن إطلاق الصواريخ حسب قولها، يدل على قدرة هذا التنظيم. “لا أعرف إذا وجد من وراء الكواليس الآن جنرالان يقولان كفى، لكنك بحاجة إلى أحد من داخل المنظومة الذي سيخرج ويقف ضدها لإسقاط النظام”.
وثمة احتمالية أخرى حسب قوله، وهي “إحياء الاحتجاجات الشعبية. هل سيثور هذا الشعب مرة أخرى ويحدث فوضى؟ ربما، لكن يجب التذكر بأن الانتفاضة الشعبية في نهاية السبعينيات – الثورة الكبيرة التي أدت إلى إنهاء نظام الشاه، استمرت 14 شهراً. هذا أمر لا ينتهي في أسبوع”، وأضاف. “في حينه، كانت هناك معارضة منظمة ضد النظام، وانشقاقات عن النظام”.
إضافة إلى ذلك، يذكر ليتفاك نقطة مؤلمة: “أحياناً الأنظمة القاتلة تصمد. وأحياناً القتل “يساعدها” للأسف الشديد. حكم الشاه كان ديكتاتورياً، ولكنه لم يقتل أبناء شعبه مثل النظام الحالي. وصدام حسين في العراق لم يسقط بثورة شعبية، لقد قمع بوحشية فظيعة، بتمرد اندلع ضده”.
الدكتور إهود عران، رئيس قسم العلاقات الدولية في جامعة حيفا، يقترح أولا فهم ماذا يعني تغيير النظام في الواقع. “هل نتحدث عن تغيير السياسة الإيرانية أم فقط عن تغيير قمة النظام؟ هل سيبقى النظام على حاله مثلما في فنزويلا ولم يتغير سوى هوية رئيسه؟ أم أن الأمر يتعلق بتغيير شامل لنظام الحكم مثلما حدث في إيران في 1979، من مملكة إلى جمهورية إسلامية؟”، تساءل.
البروفيسور اودي زومر، رئيس مركز براك للقيادة في جامعة تل أبيب، اقترح الاستيقاظ من الأوهام. “الرؤية التي تقول بأن الشعوب تثور بسبب نقص العدالة، وأن الثورة تحدث بسبب جمهور يخرج إلى الشارع في يوم ما، تبدو جزئية، وترتبط بعدد غير قليل من الأساطير. لا توجد معارضة فعالة بدون بنية تنظيمية حقيقية، ويبدو ظاهرياً أن هذه البنية لم يتم بناؤها بشكل كاف في إيران”. وبحسبه، فإن إيران ليست ديكتاتورية، بل هي دولة دينية لها هيكل حكم معقد من ناحية تنظيمية، سياسية ومؤسسية. هي دولة ذات نخبة قوية تضم عشرات آلاف الأعضاء، ولها شبكة مصالح واضحة في استمرار النظام القائم. ليس كل شيء يبدأ وينتهي بالمرشد الأعلى.
ويؤكد زومر أن “إزاحة المرشد الأعلى هي أمر مهم جداً بلا شك، لكنها غير كافية لتغيير النظام”. ويعتقد أن ترامب يرى أمامه نسخة معدلة من الخطوة التي اتخذت في فنزويلا في كانون الثاني عندما تم اختطاف الرئيس مادورو، وهي خطوة ستفضي هذه المرة إلى تغيير الحكومة وليس تغيير النظام. “من وجهة نظر ترامب، ربما تكفي خطوة سريعة وفعالة، مدعومة بأرباح طائلة من السيطرة على صناعة النفط في إيران، التي ترسل رسالة واضحة إلى الصين وروسيا حول موقف الولايات المتحدة. الرأي العام في أمريكا والأوساط الحكومية لا تظهر أي رغبة في خوض عمليات طويلة، التي يحب ترامب تسميتها “حروباً لانهائية” في الشرق الأوسط، وربما لا يريد فعل شيء يشبه خطة مارشال (التي ساعدت أمريكا من خلالها في إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية)، التي تحتاج إلى تخصيص كبير للموارد الأمريكية لأمر كان يصعب جداً الدفاع عنه أمام قاعدته الشعبية”، قال.
البروفيسور رام يدخل نتنياهو أيضاً إلى المعادلة. “هل يعقل أن يقوم ترامب ونتنياهو، الحاكمان أصحاب النزعة المستبدة، بقتل ديكتاتور آخر، خامنئي، وإقامة الديمقراطية فوق جثته؟ يا للمفارقة: نتنياهو لا يمكنه التحدث باسم حكومة ديمقراطية. هل سيعلمنا هو وترامب ما هي الحرية والديمقراطية، وإقامتها بالبنادق والحراب؟ كيف نوافق على ذلك كأمر طبيعي، أن تهاجم دولتان دولة ثالثة وتسقطا النظام، بأي ترخيص؟ بأي تصريح؟ لا شك أن النظام في إيران فظيع، لكنها طريقة غير صحيحة”، قال.
عوفر اديرت
هآرتس 5/3/2026