الرباط ـ «القدس العربي»: كبُر الخطاط المغربي ياسين بنصبيح، بين القلم والدّواة ولوح الخشب، فالتحق بـ»المسيد» (كُتّاب قرآني) في السادسة من عمره، وكتب أول حروفه بقلم القصب. اختار الكُتّاب بدافع طفولي بسيط، مفتونا بالعطل التي وعده بها والده، قبل أن تنحرف حياته عن المسار الهادئ؛ فترك الدراسة واتجه إلى التجارة في الشارع والأسواق، ثم ارتحل إلى مدن مثل الدار البيضاء وسبتة، ودخل عالم الموسيقى وكتابة الأغاني، غير أن إحساسا بالنقص ظل يلازمه، وكأنه يبحث عن ذلك الطفل الذي كان ينافس جده في حب الحرف.
تحول مسار الخطاط ياسين، حين انتقل من التقليد إلى الوعي بالقواعد، فتتلمذ على يد مهندس الخط المغربي حميد الخربوشي، وتعمق في علوم الخط وصناعة الورق و»تقهيره»، وصناعة الأقلام والأحبار، حتى صار يعتمد على أدواته الخاصة. قاد ورشات ودرّس الخط المغربي في مدينة تطوان، شمالي المغرب، وأصبح اسمه بارزا في هذا الفن.
وبعد أن كتب على اللوح والجلد والخزف والجدران، نقل الحرف إلى الملابس، مؤمنا بأن الجسد فضاء حي للتعبير، وأن الخط المغربي هوية وروح لا ترفضها الأجيال الجديدة، بل تنتظر تقديمها بروح متجددة. واليوم يرى نفسه حلقة في سلسلة ممتدة، وفلسفته تختصرها كلمة واحدة: الأثر.
عبر هذا الحوار نتعرف على الخطاط المغربي ياسين، وعلى الفن الذي يُبدعه:
*خذنا إلى البدايات، كيف بدأت علاقتك الأولى بحروف اللغة العربية؟
ـ بدأت علاقتي بالحرف في سن السادسة في الكتاب القرآني (المسيد)، حيث كتبت أول حرف بقلم القصب، وسط الصلصال ولوح الخشب. كان الحرف بالنسبة لي أكثر من كتابة؛ كان رفيقا وطريقة للتواصل مع العالم، ومع جدٍّ لم أرَه لكنه كان حاضرا في ذكريات والدي. ومن دون وعي، بدأت أول منافسة في حياتي، منافسة مع جدي العدول في خطه ودقته، رغم غيابه، وكانت هذه الشرارة الأولى لحبي للخط.
*حسنا، ماذا يمثل لك الخط المغربي، مجرد أسلوب فني؟ أم جزء من هويتك الشخصية؟
* الخط المغربي ليس مجرد أسلوب فني، بل هو امتداد لهويتي وذاكرتي. هو الطريقة التي أتنفس بها، وأحكي بها قصتي، ويربط بين الماضي والحاضر. هو نفسي، وطفولتي، وشوارع تطوان والأسواق التي نشأت فيها.
* في نظرك، ما الذي يميز الخط المغربي؟ ولماذا اخترته ليكون أساس أعمالك؟
ـ ما يميزه الحرية والانسيابية والدفء الإنساني. هو خط يحتفي بأثر اليد، ويعكس روح المكان والزمان. اخترته لأنه يشبهني، بسيط في الظاهر وعميق في الجوهر ومتصالح مع الحياة اليومية.
*هل تشعر بأن الخط المغربي ما زال قادرا اليوم على مخاطبة الناس والتعبير عنهم؟
ـ نعم، لكن شريطة أن يُقدّم بشكل حيّ، بعيدا عن الإطار الجامد. حين يُكتب على اللوح أو الجلد أو الخزف أو حتى الملابس، يصبح الخط قادرا على التحدث إلى الجميع، أن يثير الفضول، أن يربط بين الحاضر والماضي.
* بالنسبة لاختيارك الكتابة على الملابس، ما الذي دفعك لنقل الخط من اللوحات والجدران إلى الجسد والشارع؟
ـ لأنني أريد للحرف أن يتحرك بين الناس، أن يخرج من القاعات المغلقة إلى الشارع، أن يمشي على الأكتاف وفي الأسواق. الجسد مساحة حية للتعبير، واللباس وسيلة لجعل الحرف جزءا من اليومي، لكي يُرى ويُسأل عنه ويعيش كما نعيش نحن.
*كيف تحافظ على روح الخط المغربي وأصالته وأنت تكتبه على لباس معاصر؟
ـ أكتب باليد، بالقلم التقليدي والشيتا (الفرشاة). أحترم الإيقاع الداخلي للحرف، وألتزم بالقواعد الأساسية للخط المغربي، حتى وأنا أعمل على القماش العصري. المعاصرة ليست تناقضا مع الأصل، بل وسيلة لإظهاره بطريقة جديدة.
*هل تشعر بأن من يرتدي إبداعاتك يشاركك رسالة ثقافية، أم أن الأمر يظل رهين وعي المتلقي؟
ـ الوعي يختلف من شخص لآخر، لكن حتى من دون فهم كامل، الرسالة تصل. مجرد أن يطرح شخص السؤال: ما هذا الخط؟ أو من أين جاء؟ يكون فضولا يبدأ رحلة المعرفة. أنا أزرع الفضول، والناس يكملون بقية الرحلة بأنفسهم.
*إلى أي حد ترى أن الخط المغربي قادر على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها البصرية دون أن يفقد روحه؟
ـ الشباب لا يرفضون التراث، بل يرفضون الطريقة الجامدة في تقديمه. إذا قدّم الخط بصدق وبجرأة إبداعية، يمكنه مخاطبة أي جيل، من دون أن يفقد أصالته، وحتى على الملابس المعاصرة، يظل الحرف حيا ونابضا بالهوية.
*في أعمالك، يبدو الحرف محمّلا بروح المغرب وتاريخه، إلى أي حد تعتبر نفسك امتدادا لذاكرة جماعية أكثر من كونك فنانا فرديا؟
ـ أنا حلقة في سلسلة طويلة. ما أكتبه اليوم امتداد لما كتبته أجيال قبلنا. دوري هو حمل هذه الذاكرة وإيصالها للناس، لا أن أكون مجرد فنان فردي يبحث عن الشهرة. الخط المغربي يتحدث عن المغرب، وأنا مجرد صوته الحي في عصرنا.
*لو طُلب منك تلخيص فلسفتك في الحياة بحرف واحد أو كلمة واحدة، ماذا تختار ولماذا؟
ـ أختار كلمة: «الأثر»؛ لأن هدفي ليس الشهرة، بل أن أترك أثرا جميلا، في الحرف، في الناس، وفي ذاكرة المجتمع، ليظل ما كتبته حيا حتى بعد أن أصمت.
