في حدود الفهم وشرط الاتساع


تختلف الحقائق المنظورة، أو ما يُدرَك بوصفه واقعا ماديا، باختلاف الأبعاد التي تظهر ضمنها، أي باختلاف الوعي الذي يتجسّد فيها. فإمكان ظهور الحقيقة ليس مطلقا، بل مشروط بالبُعد الذي تُستقبَل فيه، وبالاستعداد الذي يتيحه الوعي الحاضر. كلّ بُعد من الوعي يرتبط بإطار زمكانيّ معيّن، ومحاولة إدراك حقيقةٍ قبل بلوغ الوعي الذي تتولّد فيه تظلّ مختلّة في غايتها؛ إذ لا تُدرَك الحقيقة قبل تهيئة شرطها: شرط الاتّساع والحضور الذي يسمح بظهورها. فالحقيقة ليست معطى يُبرهن، بل انكشاف يحدث بقدر الجاهزية له. ومن هذا المنظور، لا يمكن تلقين الحقيقة أو تعلّمها ضمن أطر المعرفة المكتسبة، بشقيها النظري والوظيفي، ما لم تتوافر جهوزية وجودية لاستقبالها؛ إذ إنّها فعل كشفٍ يتطلّب اتّساعا داخليا واستعدادا للاختبار. وما لا يُبنى على هذا الاستعداد يظلّ أقرب إلى الأدلجة والتلقين، مهما بدا متماسكا في صورته المعرفية. ما يميّز الباحث الحقيقي ليس مقدار ما يعرفه، بل نوع العلاقة التي يقيمها مع المعرفة. فالتجرّد، والاستقلالية، والانفتاح على إمكان التحوّل المستمر، شروط لا غنى عنها لأي بحث صادق، بحث لا يخضع لسلطةٍ سابقة على الاختبار، ولا يُسلّم بحقيقةٍ لم تمرّ عبر وعيه الصفري بوصفه مقاما مُعاشا، إذ إن المعرفة المُستمدّة من الامتثال تُعيد إنتاج المألوف.

العقل الأداتي وتحويل الوجود إلى مسارٍ خطّي

يُعرّف العقلُ الأداتي الحقيقة من حيث قابليتها للاستخدام؛ فلا يرى في العالم إلا موضوعا قابلا للضبط، ومنظومة يمكن تحسينها عبر السيطرة والإدارة. وفي هذا الأفق، يُختزل الوجود إلى مورد، وينزاح مركز الوعي، فيغدو العقل قائدا يُراكم المعارف بوصفها تقدّما كميا – وظيفيا، لا تحوّلا في بنية الإدراك. ينظر العقل إلى الزمن على أنه حركة خطية تُدار بالتخطيط والتنبؤ والقياس، فتغيب عنه الانكشافات بوصفها تحوّلاتٍ وجوديّة تُعيد العالم الثانويّ إلى بداهته الأصليّة. لم يكن التقدّم الخطي مجرّد تصوّر تاريخي، بل نتيجة مباشرة لعقلٍ يتعامل مع العالم الثانوي كمعطى مكتمل، لا كظلّ لطبقاتٍ أعمق من الوجود. وفي هذا السياق، تُضاف المعرفة على هيئة نتائج متراكمة تبدو متباينة في ظاهرها، لكنها لا تُحدِث انزياحا جذريا يصل الظاهر بالباطن أو ينبثق منه. يفترض النموذج الخطي ترتيبا هرميا للمعرفة، تُمنح فيه القيمة، حسب انسجامها مع النسق المعرفي، لا حسب قدرتها على الكشف. وبدل أن يُواجه السؤال بوصفه إمكانا جذريا قادرا على تقويض بنية التراكم المعرفي وفتح أفقٍ جديد، يُروَّض – السؤال- داخل حيّزٍ يصون استمراريّة التقدّم، لا القطيعة بوصفها شرطا لاتّساع أفق الإدراك. تقف الذات، في هذا النسق، قبالة العالم الثانوي بوصفها مراقبا مسيطرا منفصلا عنه، لا امتدادا له. فيتحوّل الوعي من مقاماتٍ تُحاكي البُنى الوجودية إلى مفاهيم وتفسيرات تراكمية. وثمّة فرقٌ جوهريّ بين أن يكون الفهم عتبة أولى للإدراك، وأن يدور داخل دائرةٍ مغلقة من الشروح المفاهيمية التي تفسّر العالم، من دون أن تُعيد وصله بأصله. بهذا المعنى، لا تبدو هيمنة العقل مجرّد تطوّرٍ منهجيّ، بل أثرا تاريخيا لقلق الذات المنفصلة عن أصلها؛ ذاتٍ أنتجت معرفة وظيفيّة تختزل الحقيقة إلى ما يُمثَّل، وتُعيد تدويرها داخل أفقها المغلق.

المعرفة الوظيفية وإعادة تدوير المفاهيم

تُنتَج المعرفة الوظيفية داخل أطرٍ مفهومية مغلقة، بوصفها وسيلة لتحقيق غايةٍ تنظيمية أو تفسيرية، من دون أن تشترط تحوّلا في بنية الوعي الذي ينتجها أو يتلقّاها. فهي تكتفي بالكيفية، وتُقاس بالكفاءة، وتقوم على منطق الوسيلة والغاية، حيث يُعاد بناء العالم في الفكر عبر مفاهيم ونماذج وصيغ تفسيرية، سعيا للفهم. أنطولوجيا، تفترض هذهِ المعرفة عالما قائما بوصفه موضوعا، وإنسانا يعمل داخله بوصفه مستخدما للأدوات، لا كائنا يتشكّل العالم بتشكّل وعيه. أو بمعنى آخر: وعيا لا يتغيّر في جوهره، وإن تغيّرت وسائط اشتغاله. فهي تُنتج انسجاما داخليا في النسق، لكنها لا تشترط اختبارا وجوديا يهزّ بنية الذات، أو يُعيد صقلها. وكل معرفة تُفسّر العالم الثانوي دون العبور إلى ما وراءه لا تُحدِث انزياحا فيه، بل تُعيد تدوير المفاهيم عبر الأدوات ذاتها. ومن هذا المنظور، يظلّ اكتساب المعرفة بوصفها وسيلة للفهم حركة خطيّة تدور حول العالم، لا مسارا ينفذ إلى أصله. وما لا ينبثق من الأصل عبر الإدراك، أو لا يمرّ فيه، يظلّ استهلاكا دائريا، لا يمسّ البنية الوجودية. فالمعرفة التي تُطلب بوصفها وسيلة للتطوّر بمعناه الكميّ تظلّ ضربا من الجهل؛ إذ إنّ المعرفة المكتسَبة بذاتها وهم، حين تُمارَس بوصفها امتلاكا لا تحوّلا. وما يميّز أثر المعرفة من عدمه ليس مقدار ما تُضيفه، بل قدرتها على إرجاع الإنسان إلى أصله، عبر تجريد الذات من كثرتها، وإدراك مباشر للعلاقة بين الشيء وأصله ضمن رؤية كلّية لا تقف عند حدود الفهم، بل تتخطّاه بوصفها حدثا وجوديا يُعيد تشكيل العلاقة بين العالم الأصلي والثانوي. إنّ المعرفة التي تحصر الوعي في حدود التفسير تختزل العالم إلى طورٍ أحادي، وتنصّب العقل معيارا لاستيعابه، فتحجب الاتّساع، وتُبقي الذات قبالة موضوعٍ معلوم، بدل أن تُفضي إلى إدراكٍ كاشف يعبر الفهم، من دون أن ينفيه.

المعرفة الحيّة، شرط الاتّساع وحدود الفهم

جرى تقديس المعرفة في الأفق الحديث، بوصفها قوّة قادرة على تفسير ما يطرأ على العالم، سعيا إلى فهمه وضبطه. غير أنّ ما يميّز هذا النمط من المعرفة هو اشتغاله المحدود داخل البنية الظاهراتية للعالم، حيث يتوقّف عند التفسير ولا ينفذ إلى شرط الانكشاف ذاته. أمّا المعرفة الحيّة – كما يُقصَد بها هنا- فهي نمط من المعرفة لا يكتفي بتفسير العالم، بل يُعيد تشكيل الوعي الذي يطلب هذا التفسير. فهي ليست إضافة إلى الفكر، ولا توسيعا لمخزونه، بل فعل تحويليّ يذيب البُنى الوهميّة التي تحجب الوعي، ويكشف الحُجُب بدل أن يُعيد إنتاجها. بهذا المعنى، لا تُضاف المعرفة الحيّة إلى الوعي، بل يتّسع الوعي بها؛ إذ تُعيد ترتيب العلاقة بين الذات والعالم. وكلّ معرفة لا تُحدث هذا الاتّساع تظلّ وهما، مهما بلغت درجة تماسكها المفهومي، لأنها تُنمّي الذات الوهميّة بدل أن تُفكّكها. والباحث الذي يُراكم المعرفة بوصفها وسيلة للامتياز، أو للفهم وحده، يزداد معها ثقلا، إذ تتحوّل المعرفة إلى مادة تُرسّخ حدود الذات بدل أن تُزحزحها. ليس الفرق هنا فرقا بين من يعرف ومن لا يعرف، بل بين نمطين من العلاقة مع المعرفة ذاتها. فثمّة من يسمح للمعرفة بأن تهزّ بنيته الوهميّة، فتُذيب ما تراكم فيها من جمود، وتكشف ما استتر خلف البُنى التصوّرية. وثمّة من يُعيد استهلاك المعرفة داخل أفقها الوظيفي، فيستبدل الأدوات، من دون أن يمسّ شرط الوعي. وفي السياق نفسه ليس كلّ ما يُختبر عبر العقل أو الحواسّ معرفة حيّة؛ إذ يظلّ ما يُحصر في حدودهما عرضة للتوهّم، ما لم يتجاوزهما إلى إدراكٍ يُحقق شرط الانكشاف. تبدو المعرفة واحدة في ظاهرها، غير أنّها إمّا أن تُثقل العقل أو تُحرّره؛ والفارق لا يكمن في المضمون فحسب، وإنما في قابلية الوعي للانكشاف والتجاوز في آنٍ واحد. عند هذه العتبة، تصبح المعرفة فعل تفكيك لما هو زائف، وخروجا تدريجيا من الظلمات إلى النور، بوصفه انكشافا يتعمّق بقدر ما يتّسع.

بين الفهم والإدراك: اللغة بوصفها أفق للكشف

تتشكّل اللغة في أصلها، كبنيةٍ إدراكية حيّة، لا مجرّد أداة للتصنيف، أو التوصيف. فلا تعكس العالم فحسب، وإنما تُفضي إلى كشفه وتشكيله داخل البنية الإدراكية، وتعمل كنظامٍ موازٍ يتخلّق فيه المعنى عبر طبقات متداخلة من التجربة، والرمز، والحضور. غير أنّ هذا الدور بدأ يتقلّص تدريجيا مع نشوء العلم التجريبي وبروز المنهج الوضعي، حيث اختُزلت اللغة إلى أداة تصنيف ووصف، يُراد بها فهم العالم الثانوي وضبطه، لا استبطانه أو النفاذ إلى شرط ظهوره. ومع هذا التحوّل، انفصل الصوت عن الكلمة، وأضحت الكلمة تُنطَق أو تُقرأ دون أن تُختبَر، لأن غايتها لم تعد الكشف، بل نقل التفسير وإعادة تدوير الفهم. وفي هذا السياق، اقتصرت اللغة على وظيفة إداريّة داخل نموذج الإنسان الحديث، بوصفها أداة لفهم وتفسير العالم الثانوي وإدارته، بينما ظلّت اشتغالاتها الكاشفة محصورة في تجارب فردية نادرة، قدّ تُلامس أفق المعرفة الحيّة أو تنقطع عنه. لم يُنتج التحوّل التاريخيّ انفصال الذات عن أصلها، بل كشفه؛ إذ لم يكن سوى صورةٍ زمنيةٍ لانقطاعٍ وقع في البنية الأعمق للوعي، تجلى في نشوء الدولة المركزيّة والتعليم المعياري، وفي فصل اللغة عن الكون، والنفس، والمقدّس، إذ تحولت إلى أداة تدوين رسمي، تُدار داخل أطر الفهم والتعلّم فحسب، بعد أن كانت مجالا للاستبطان والكشف. أفضى ذلك إلى تسييس بنيتها وبالتالي تقليص أفق التفكّر، فنشأت قطيعةٌ بين فهم النصّ فهما مباشرا، واستبطانه من الداخل. الأمر الذي أدى إلى استخراج معارف ومناهج أكاديميّةٍ مُعتمدة بوصفها أنساقا معرفيّة تقوم على قراءةٍ تحليليّة للنصّ بمعزلٍ عن استبطانه. وعلى النقيض من ذلك، اشتغلت اللغة في الأنساق القديمة ضمن رؤية تكاملية للوجود، حيث لم تُفصل بنيتها عن حركة الكون، ولا عن حالات النفس، ولا عن انتظام العناصر. لا بوصف هذهِ الأنساق نماذج تفسيرية مغلقة، بل بوصفها رؤى رمزية ترى الظاهر والباطن تجلّيين لنظام واحد. ومن هذا الأفق، نشأت أنظمة دلالية تستبطن الحرف والعدد بوصفها نماذج رمزية لإدراك وحدة المعنى، كما في علم الحروف وحساب الجُمَّل. وفي هذا النموذج، لا تُستخدَم اللغة لتفسير ما هو كائن فحسب، إنما للكشف عمّا لم يتشكّل بعد في الوعي، ولإعادة إنتاج معانٍ جديدة تتجاوز حدود المألوف. فالكلمة التي لا تُحدِث أثرا في الكينونة، ولا انزياحا في الرؤية، تظلّ لفظا غير مُدرَك، مهما استقرّت في التداول العام.
لا تبلغ المعرفة، في بُعدها النظري والوظيفي، أثرها ما لم تتجسّد في الوجود أو تُعاش بوصفها خبرة تكشف أبعاد الخلق وتضع حجره الأساس. فالمعرفة التي لا تتجذّر في الوعي، ولا تعبر من التجريد إلى التجسيد، أو من القول إلى الفعل، تظلّ معرفة أداتية وظيفية، تنشأ من العقل وتعود إليه، دون أن تُحدِث أثرا في الكينونة. ومن يظنّ أنّ حدود اختبار المعرفة محصور في المنطق العلمي أو الفلسفي، إنما يستبدل سلطة بأخرى، ولا يخرج من دائرة الأدلجة، مهما بدت أدواته نقدية. فما أسهل أن تُشيَّد نُظم معرفية متماسكة، ثم تُنقَد بالأداة ذاتها التي أنشأتها، دون أن يُمسّ شرط المعرفة نفسه. لا ينكشف أثر المعرفة لمن يفتقد حسّ التمييز؛ لا لأنّ الحقيقة متعالية أو محتكرة، بل لأنّ التمييز ملكة تتكوّن في مسار انكشافٍ مستمر، لا يخضع لقوانين العقل، بل يبلغ ذروته في اتّساع البصيرة. فالمعرفة، في هذا الأفق، ليست فهما يُبرهَن، بل إدراكا يختبر أثر الزيف والحقيقة في الوعي. والسعي نحو المعرفة دون اختبارٍ وجوديّ يشبه محاولة ملء كوبٍ بالماء دون الالتفات إلى سعته؛ إذ إنّ الأصل في الوعي ليس الامتلاء، بل الاتّساع. فالوعي لا يتقدّم على نحوٍ تصاعديّ أو تراتبيّ كما يتوهّم العقل، بل يتّسع في حركة لولبيّة تحفظ الاتّساق بين العلوّ والعمق، حيث لا يُلغى أحدهما الآخر، بل ينكشفان معا في مسار واحد.

كاتبة من العراق



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *