مع تصاعد الحملة العسكرية الأمريكية على إيران، وتزامنها مع تحذير الولايات المتحدة بوقف دعم نظامها السياسي الحليف في العراق، ما قد يُفهم على انه يمثل إشارة واضحة لحصول تغير جديد في الملف العراقي، قد لا تُعرف تفاصيله وبنوده، إذا نظرنا بعين الاهتمام إلى البنية السياسية والاجتماعية، التي فرضت على شكل النظام ومجتمعه متعدد القوميات والأديان من جهة، والأفكار التي يحملها المبعوث الأمريكي توم براك للتغيير القادم للشرق الأوسط الجديد، بعد أن مهدت عملية احتلال العراق إلى تقسيم العراقيين رمزيا، إلى شيعة وسنة وكرد وأقليات.
في المقابل، يبدو واضحاً إن انهيار نظام ولاية الفقيه، واحتمال فشل العراقيين في إعادة بناء نظام سياسي مدني، سيدفع لا محالة إلى حالة من الفوضى بين المكونات الثلاثة، وسيرفع درجات الوصول إلى حالة من الصراع الإثني والقومي، تزامنا مع البدء في إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد في الشرق الأوسط، ما سيدفع أيضا إلى إحياء طموحات الآخرين والعمل على فرض الشروط القومية والطائفية، وترك البلاد ساحة لصراع شيعي ـ شيعي من جهة، وشيعي ـ سني من جهة أخرى، إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة التكوين السياسي الجديد، الذي فرضه الغزو الأمريكي للعراق، الذي أفسح المجال لتعدد مصادر القوى وتحويل النظام السياسي العراقي إلى ساحة لتصفية الحسابات الفئوية، نتيجة تعدد الولاءات العشائرية والطائفية، وضعف مؤسسات الدولة، والحجم الكبير الذي تمثله ثروات هذا البلد الغني والمبتلى بالفساد. من هنا لم تعد معركة قبول أو رفض شخصية المالكي شأنا عراقيا تفرضه قوى الإطار التنسيقي، بل لقدرة التحالف الطائفي على التكيف، ومن ثم القبول، أو الرفض للأجندة القادمة التي ترسمها الولايات المتحدة، والتي تجعل من طبيعة الشخصية القادمة لحكم العراق صورة مختلفة في رؤية الآخرين لهذا البلد المغلوب على أمره. وهنا لا بد من التأكيد على أن رفض نوري المالكي بالتخلي عن ترشيحه لهذا المنصب، وإصراره على «ضرورة احترام سيادة العراق وخيارات شعبه»، قد لا يفهم من قبل الشارع العراقي على أنه احترام لسيادة العراق وخيارات العراقيين، بل لثقافته الطائفية الشعبوية التي يتمسك بها والتي هي خيارات طائفية يرفضها العراقيون. كما أن هذه الخيارات لم تعد قابلة للتنفيذ والاستمرار في غياب للتدخل الإيراني وأجندته القومية في المنطقة، إذا أخذنا بعين الاعتبار إصرار الولايات المتحدة على توظّيف ثقلها المالي والدبلوماسي، لإعادة هندسة القرار في عمل الحكومة القادمة، وكسر وحدة الإطار التنسيقي، أو إضعافه للوصول إلى إعادة توزيع موازين القوى، للحفاظ على مسيرة النظام السياسي، الذي جاءت به ضمانا للمصالح العليا للولايات المتحدة.
ارتباك المشهد السياسي العراقي وحتمية فقدانه للقدرة الإيرانية، في دعم استمرار النظام قد يدفع بالأحزاب الحاكمة إلى إعادة النظر في موقفها من الولايات المتحدة
لا شك في أن ارتباك المشهد السياسي العراقي وقلقه مما يحدث في إيران، وحتمية فقدان النظام السياسي العراقي للقدرة الإيرانية، في دعم استمرار النظام قد يدفع بالأحزاب الحاكمة إلى إعادة النظر في موقفها من الولايات المتحدة، والقبول في النهاية بأي حل يضمن لهم الاستمرار في حكم البلاد، حفاظا على مصالحهم الضيقة. فمن الأرجح أن تلغي المعطيات الجديدة التي ستنفذها الإدارة الأمريكية، ازدواجية هذه العلاقة بعد إنهائها عن الأخرى، والتي لم تعد قائمة في العراق، وهذا ما سيحفز الجانب العراقي الذي قد يرى في نهاية الوجود الإيراني، الفرصة المناسبة لركوب الموجة الأمريكية، للمشاركة في نظام جديد يستمد قوته من تاريخ العراق، وعلاقته مع الدول العربية الشقيقة، ومن العراقيين أنفسهم.
يبقى السؤال المهم هو هل من متغير قادم في المشهد العراقي؟ وما مدى احتمال قبول الأحزاب الحاكمة من التغير القادم للوصول إلى دولة الأمة، التي يمثلها العراق العظيم الذي نعرفه ونحميه وعراق إيران الهجين والغريب عن ثقافتنا وتاريخنا الذي نرفضه ونسعى بإصرار لنهايته.
كاتب عراقي