«أعلم أنك تسمعني»… فضاء الصمت وذاكرة القيد الجريح


القاهرة ـ «القدس العربي»: تتشكل القيمة الحقيقية للسينما حين تتحول الشاشة من مساحة للعرض إلى مرآة تستنطق المسكوت عنه في النفس البشرية، وتشرع في إعادة صياغة الوجع الإنساني ضمن قوالب بصرية تمنحه الخلود والقدرة على التأثير. وفي فيلم «أعلم أنك تسمعني»، يخوض المخرج يوسف صالحي مغامرة فنية وطنية غاية في الحساسية، حيث يضعنا أمام تجربة قاسية لأسير فلسطيني قضى عشرين عاماً خلف جدران سجون الاحتلال الصهيوني، ليغوص في أعماق الوجدان المثقل بأعباء عقدين من الزمان قضاهما بطل العمل في مواجهة آلات القمع والتغييب. يستعرض الفيلم السجن بوصفه حالة ذهنية ممتدة تسكن الروح عقب تحطم القيود الجسدية، محولاً السكون إلى لغة تعبيرية فاعلة تضاهي في بلاغتها أقوى النصوص الحوارية، ليعكس حالة الانفصال النفسي التي يعيشها المناضل في مواجهة عالم استمر في الدوران دونه، وكأنه استيقظ ليجد نفسه غريباً في مكان كان يوماً موطنه.

كامل الباشا..
عبقرية الأداء في تجسيد القهر

يحتل النجم كامل الباشا صدارة هذا العمل معتمدا على منهجية «الاقتصاد التعبيري» ليجسد شخصية «سليم»، ذلك الرجل الذي خرج من غيابات سجون الاحتلال محملاً بندوب خفية. الباشا في تجسيده لهذه الشخصية استغنى عن الخطب العصماء لنقل تاريخ من الوجع، فسيطر على الكادر حتى في لحظات سكونه التام، محولاً نظرات عينيه وتوتر جسده إلى خريطة لسنوات القهر التي قضاها في الأسر.
التماهي الكامل مع الشخصية جعل منه رمزاً حياً لكل أسير فلسطيني فقد سنوات عمره في زنازين الاحتلال وعاد ليجد العالم قد تبدل، بينما هو يبحث عن نقطة البداية. استطاع الباشا أن ينقل التمزق النفسي من خلال «التمثيل بالامتناع»، حيث حركات اليد الدقيقة والارتجاف الطفيف في الصوت كانت كافية لجعل المشاهد يتأمل في كل تفصيلة من وجهه بحثاً عن إجابات لأسئلة معلقة. هذا الحضور الطاغي أضفى عمقاً نفسياً وجمالياً جعل الشخصية تستقر في وجدان المتلقي كحقيقة، وكأن الباشا يستعيد تجربة وجودية بكل أبعادها المأساوية والبطولية.

بلاغة الصمت وجماليات الفراغ

يعتمد الفيلم على الصمت بوصفه حجر الزاوية في بنائه الدرامي، فالصمت هنا صوت جهير يترجم الألم الكامن تحت الجلد، وهو صدى لسنوات العزلة التي فرضها الاحتلال على الأسير. تبرز جماليات «الزمن المتوقف» من خلال تلاعب بصري متقن بكتل الضوء والظلام، حيث تشكل الإضاءة الخافتة والمساحات المعتمة داخل المنزل امتداداً مادياً للزنزانة القديمة التي أمضى فيها سليم ريعان شبابه. الكاميرا ترصد شظايا من ذاكرة جريحة ترفض الالتئام، ويتحول المكان من مأوى إلى مساحة ضيقة تعيد إنتاج شعور الحصار، ما يجعل المشاهد يشارك الشخصية في إحساسها اليومي بالاختناق والبحث عن مخرج. المخرج يوسف صالحي يدرك تماماً أن الكلمات تضيق أمام هول تجربة الأسر في سجون الاحتلال، لذا ترك للغة البصرية مهمة استكمال المعنى، فجاءت الكادرات مشبعة بالتوتر والقلق الوجودي، حيث الفراغ يشغل حيزاً درامياً يضغط على البطل ويدفعه نحو مزيد من العزلة والانكفاء على الذات.

الكابوس بوصفه حقيقة موازية

يحتل الكابوس في حياة سليم مركز الصدارة، فهو حقيقة موازية تفرض نفسها بقوة على واقع البطل الراهن. يعاد إنتاج مشاهد القهر القاسية التي عاشها في الماضي كأنها تحدث في اللحظة الآنية، حيث يتجسد السجان الصهيوني في ذهنه كشبح مقيم، يمارس سطوته النفسية عبر تكرار صور التعذيب التي تنبض تحت مسام روحه. الصرخات المكتومة في أحلامه تشكل الإيقاع الحقيقي الذي يحرك مشاعره في واقع يعجز عن استيعابه. استخدام المخرج لتكوينات بصرية تبتلع ملامح الشخصيات في هذه اللحظات عزز الشعور بالارتباك، وكأن سليم يحاول التنفس في فضاء مشبع برائحة الماضي الثقيل، مما يجعل الكابوس أداة لتفكيك مفهوم التحرر والوقوف على الجراح التي ترفض الشفاء. الوجع في هذا الفيلم يمتلك ذاكرة حديدية، والسجان يظل حاضراً في التفاصيل الصغيرة، في صوت إغلاق الأبواب، في تعاقب الليل والنهار، وفي العجز عن التواصل مع الآخرين بعد سنوات الحرمان الطويلة.

شهادة واقعية من قلب التجربة

تكتسب قراءتي لهذا الفيلم صبغتها الخاصة من واقع معرفتي المباشرة وعلاقتي الوثيقة بأبطال حقيقيين من الأسرى الفلسطينيين المحررين الذين تم إبعادهم إلى مصر بعد قضائهم فترات طويلة في سجون الاحتلال. من خلال تفاعلي المستمر معهم، لمستُ بدقة تلك الفجوة التي تنشأ بين الإنسان ومحيطه بعد سنوات التغييب القسري. أستطيع التأكيد بأن الفيلم نجح تماماً في التعبير عن مشاعرهم المعقدة؛ فهؤلاء الذين استعادوا فضاءهم الرحب، ظلوا يحملون في أعماقهم كوابيسهم وغضبهم المكتوم، تماماً كما جسده الأداء المتقن في الفيلم. لقد رأيتُ في عيونهم تلك النظرات المتوجسة والحركات المحكومة بالحذر، وشهدتُ صراعهم اليومي مع ذكريات تلاحقهم حتى في ساعات نومهم. نجاح يوسف صالحي يكمن في قدرته على نقل هذا الصراع الداخلي من خلال الرسائل التي لم تُرسل، والذكريات التي تعود كأشباح ملاحقة. إن الصدق الذي لامسته في الفيلم هو انعكاس للواقع الذي عشته معهم، حيث تتنقل الشخصية بين الوحدة، والإحباط، والرغبة الصعبة في التواصل الإنساني الحقيقي الذي افتقدوه لسنوات طويلة.

كوزيت وإرادة الترميم الوجداني:
أداء أمل مرقص

على الجانب الآخر، تبرز شخصية «كوزيت» لتمثل إرادة الحياة الصارمة التي تحاول ترميم الوجدان المهشم، وقد نجحت الفنانة أمل مرقص في تجسيد هذه الشخصية بأداء يتسم بالثبات الانفعالي والعمق الإنساني الفائق.
مرقص قدمت حضوراً نسائياً يتجاوز فكرة انتظارالحبيب، إذ تحولت عبر أدائها الرصين إلى جسر حي يحاول اختراق حواجز الصمت النفسي التي شيدها سليم حول نفسه كدروع حماية ضد عالم أضحى غريباً عنه.
يتجلى تميز أمل مرقص في قدرتها على نقل مشاعر مركبة تجمع بين الصبر المنهك والأمل المتجدد، حيث تظهر كخيط ضوء يحاول تبديد العتمة التي يسكنها البطل، مستخدمة نظراتها الهادئة وكلماتها المطمئنة كأدوات لاستعادة إنسان يغرق في يأس ذكرياته.
إنها تجسد بصبر لافت واقع العديد من العائلات التي خاضت معارك مضنية لإعادة بناء الروابط الإنسانية مع ذويها عقب التحرر، حيث تظهر أمل مرقص كصمام أمان يحول دون الانهيار الكامل لسليم. محاولاتها المستمرة لاستعادته من غيابات عزلته تعكس صراعاً وجودياً بين ذاكرة مثقلة بالقهر وبين حاضر يتطلب الاندماج والقبول. الفيلم يطرح من خلال تفاعلاتها تساؤلاً جوهرياً حول حدود قدرة الحب على مداواة ندوب حفرها الاحتلال بعمق في الروح؛ فمرقص في هذا العمل هي الندّ الوجداني الذي يرفض الاستسلام لموت البطل النفسي، محولةً كل لفتة وكل صمت مشترك إلى محاولة استرداد حقيقية لروح تكاد تنطفئ. يختتم الفيلم رحلته بنهاية مفتوحة تشبه واقع هؤلاء المحررين؛ رحلة بحث مستمرة عن التصالح مع الماضي واستعادة الهوية المفقودة. فالفيلم يرفض المباشرة والشعارات، مفضلاً التركيز على «الإنسان» في أضعف حالاته وأكثرها صدقا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *