في الكوارث الكبرى يقف الشعر عاجزا عن التعبير والمشاركة، فالكارثة لا يمكن تشخصيها، أو تسميتها بأوصاف ومشاهد وصور حسية، فهي تتخطى الجميع وتبقى شاخصا لا يوصف.. ذلك ما حدث في غزة، منذ أن قرر الإرهابيون الصهاينة اجتياحها وتخريب هياكلها المتينة، وقتل سكانها الصابرين على بلواهم، وهم قابضون على آخر حجر في هذا الكيان المشخص منذ آلاف السنين، بوصفه شاخصا مكانيا عصيا على المحتلين!
لا نريد أن نستذكر تاريخ غزة الطويل، ورفضها لكل محتل وغاصب، ولكننا نتأمل الآن محنتها في هذا المحو الممنهج لسكانها وشواخصها المكانية وتاريخها الطويل، وهذا المحو يجري على مشهد ومسمع الملايين من البشر الذين يملكون أجهزة مرئية، تبث الأحداث الدامية كل ساعة، بل كل دقيقة ولا من مقاوم، أو محتج سوى مجموعة صغيرة من الناس يحملون ضمائر حية تغضب وتحتج وتتظاهر ضد المجزرة، لكن معظم سكان العالم يتفرج ولا يحتج، وهم يبصرون أن (الشاشات أكفان بيضاء أيها العالم!).
على هامش هذه المجزرة البشرية، يعلو صوت شاعر مجرب خبر الترحال والغربة، وسحقت أحلامه وهويته بساطيل القتلة والطغاة، شاعر يعرف معنى أن تكون بلا وطن، وأن تعيش غريبا بين الناس! شاعر يردد أبياتا تستقر في أعماق ذاته المعذبة:
(وها أنا الشاعر المنفي العابر
ابكي مدنا درست
لم يهجرها الأحياء)
هو الشاعر عبد الكريم كاصد، من أوائل المحتجين الذين أطلقوا صرخات احتجاج شعرية في وجه المحتلين لتراب غزة المنكوبة، صرخته تتوجه إلى أعماقنا وذواتنا، تعيد تشكيل المأساة عبر مشاهد وحوارات ومناجاة للمنكوبين، أطفالا ونساء ورجال سحقتهم ودمرت مدنهم عجلة الاحتلال، وتتوجه إلى الضمائر الحية بالمشاركة في دفع الأذى والقتل عن شعب غزة عبر ديوان متميز بعنوان «غزة.. ما لون الحزن؟» نشرته مجلة «الأديب» الثقافية التي تصدر في محافظة بابل العراقية، بإشراف وعلى نفقة الناقد الجاد عباس عبد جاسم.
غزة.. ما لون الحزن؟
يبدأ الشاعر من حيث انتهت مظاهر الحياة في هذه المدينة:
على كرسيين ناجيين
يجلس أب وطفلته
وسط الأنقاض
يحيطهما صمت ثقيل، وصور في الذاكرة تجسد حركة انحدار الأحياء إلى (تاريخ آخر) وإلى (أنفاق أخرى)، في مشهد مقرب يسرد حجم المأساة، وضياع كل شيء:
(ارتال البشر ينحدرون، السماء لم تعد سماءهم والأرض لم تعد أرضهم، النيران تسقط وهم ينحدرون، الدخان يتصاعد وهم ينحدرون) إلى أين؟
ويكشف الشاعر عبر استثمار تقنية تعدد المشاهد بعين الكاميرا مرة، وبظهور صوت المؤلف المتضامن مع الحشود الهاربة من الجحيم مرة أخرى، تلك الجريمة وسط حيرته ودهشته، وكأنه يشاهد روبوتا يقاتل، وليس إنسانا من لحم ودم: (واخيرا، اكتشف أن عدوي (ربوتا) لا فم ليكلمني، لا سمع ليصغي إليّ، لا قلب لينهد أمام ضحيته، لا دم ليبصر موته، تعسا لعدوي الروبوت الأعمى؟) فهو (يحمل أسلحته حتى في النوم، ويطلق النار على الأموات)، والشاعر هنا شاهد لا قدرة له على رد البلاء، في هذه المجزرة الشنيعة، لكنه يحاول أن يمسك بحجمها الهائل، ويجسد وقعها على مشاهد صديق أو مشاهد من الأعداء، فالهدف الأسمى له هو تحقيق مشاركة فاعلة، وإدانة بليغة، يكون الشعر فيها وسيلة قادرة على الاحتجاج، وتسجيل صرخة هائلة في وجه المحتل بهذا الحضور الكثيف للشعر، الذي أبدعته مخيلة شاعر متمكن ومتجاوز بخبرته الطويلة في إنشاد الشعر الملتزم بقضايا الإنسان، في كل مكان، وقد تمكن الشاعر في مجموعته الشعرية هذه من التوصيل والتأثير والشعر معا.
ما لون الحزن.. غزة؟
يتنازع المتلقي في «غزة.. ما لون الحزن؟» الشعر والمعنى في هذا السفر الشعري البليغ: مرة تأخذنا مظاهر الحزن والغضب تجاه من قتلوا دون ذريعة أو سبب:
(كم يحزنني
أن يقذفكم هذا العالم صوب سواحله
أطفالا
ونساء
وعجائز غرقى تطفون… وتطفون
ولا تجدون حتى ما يتسع لكم من قبر
ماذا لو جئتم دون وجوه
يدفعكم هذا العالم نحو سواحله…
الموتى
الموتى
أين» متى يصلون؟)
ومرة أخرى تجاه من حمل السلاح وأوغل قتلا في الناس دون رحمة، أو إنسانية من أي نوع، (حتى الحجر، لم يسلم من القصف، عند رحيل الناس)..
في هذه الثنائية بين المعنى والشعر: يمسك السرد أحيانا بأعناقنا وعيوننا تجاه الواقعة الدامية بمشاهد تدمي القلب وتفصيل لظهور أشياء صغيرة تملأ المشهد حضورا طاغيا: (ضفيرة شعر، شوكة من أي كف سقطت، خصلة، وشال أسود، القطة ما زالت ترتجف من الخوف..). ومرة ترتفع هاماتنا بالشعر والصورة الموحية وهي تتجاوز الحاضر الدامي وتمجد الآتي من الأيام: (أجل، ستعشب أرضك يوما، آنذاك لن تكون لدي عينان لأراك بهما، الأطفال سيعودون أزهارا، النساء غصونا، الرجال شجرا..) وأيضا (في زنزانة ولد طفل، ها هو الآن تركض في قدميه الأرض، ممسكا بحجارتها..).
وتتضح ثنائية السرد بالمشاهد الدامية، بالتلازم الوثيق مع بناء المشهد الشعري وهو يغادر الواقعة الدامية تجاه أفضلية الشعر على نثر الواقع، بوصفها ثنائية قارة في شعر الشاعر عبد الكريم كاصد، فهو يعترف بواقع الحال في سرد كثيف: أرتال القتلى من البشر والحجر، الأنقاض تنهض في الليل، وتحدق: الطرقات بلا عابرين، السماء بلا قمر، الصرخات بلا أصوات.. وأيضا: الربيع حلّ ولا أحد هناك، أزهار تتساقط، السماء بيضاء) ثم (مزارعنا خالية، والجوع ينصب فزاعاته في الطريق). لكنه يغادرها متجاوزا القتل والإبادة بتلك الصور العابرة للمأساة: تجاه عالم آخر تقترحه مخيلة الشاعر، فهو يدرك من خلال حياة خبرها بالرحيل والغربة ومعاناة الطرق الموحشة، أن ما يجري في واقع الحال سينتهي وسيحل واقع آخر أكثر إشراقا وبهجة فيه: (المآذن تنهض منشدة باتجاه السماء) و(في زنزانة ولد طفل، ها هو الآن تركض في قدميه الأرض، ممسكا بحجارتها).. (أقسم سأجيء وسأصحب حتى الموتى من أطفالك ـ غزة – لنحيي الشمس) وفي صورة مشرقة أخرى يؤشر إلى جديد سيلد وينمو أمام المخيلة المنتجة: (وأنت الجميلة الجالسة عند البحر، من تنتظرين وقد عاد هؤلاء بأزهارهم، وغصونهم، وشجرهم؟ حتى السماء ستخضر). لتكون رحلة العذاب في غزة وعدا لأطفالها ونسائها وسكانها الباقين بمقبل مشرق:
(فرحين، باكين، عائدين إلى ديارهم، يحتضنون الأحجار، يحدثونها وتحدثهم، ماذا ترى تقوله الأحجار؟) .
كم يحزنني
أن يقذفكم هذا العالم صوب سواحله
أطفالا
ونساء
وعجائز غرقى تطفون..
وتطفون
ولا تجدون حتى ما يتسع لكم من قبر
ماذا لو جئتم دون وجوه
يدفعكم هذا العالم نحو سواحله..
الموتى
الموتى
أين، متى يصلون؟
الشاشات أكفان بيضاء
أيها العالم
كاتب عراقي