ملايين المصريين عاجزون عن تأمين الغذاء الصحي… هل يصلح تقشف الحكومة ما أفسدته سياساتها الاقتصادية؟


القاهرة – “القدس العربي”: في وقت تتجه فيه الحكومة المصرية إلى تطبيق خطة لترشيد الإنفاق العام، تحت ضغط التوترات الإقليمية وتداعياتها الاقتصادية، تكشف بيانات دولية عن اتساع الأعباء المعيشية التي تواجه المصريين، إذ يعجز 45.5 مليون شخص عن تحمل تكلفة الغذاء الصحي، فيما يعاني نحو 9.8 ملايين شخص نقص التغذية، وفق تقرير “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم” الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو).

19 بنداً وتساؤلات

وتثير إجراءات التقشف، التي أعلنتها الحكومة لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد، تساؤلات بشأن قدرتها على معالجة الاختلالات الاقتصادية، وما إذا كانت ستقتصر على خفض النفقات الحكومية غير الضرورية، أم ستنعكس بصورة غير مباشرة على مستوى الخدمات والأوضاع المعيشية للمواطنين، الذين يواجهون ارتفاعًا متواصلًا في أسعار السلع وتراجعًا في قدرتهم الشرائية.

وتضمن القرار الحكومي 19 بندًا لترشيد الإنفاق وخمسة استثناءات، في إطار خطة تستهدف التعامل مع التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، والتوترات المرتبطة بالحوثيين والسعودية، وما يصاحبها من اضطراب في حركة الملاحة وإمدادات الطاقة.

مدبولي: خطة ترشيد الإنفاق أُعدت بالتنسيق بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية، بهدف التعامل مع التداعيات السلبية للتوترات الراهنة

وقال رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، خلال اجتماع الحكومة الأسبوعي، إن خطة ترشيد الإنفاق أُعدت بالتنسيق بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية، بهدف التعامل مع التداعيات السلبية للتوترات الراهنة، مشيرًا إلى أن الحكومة تعمل وفق آليات مرنة تسمح بالتعامل مع مختلف السيناريوهات.

وشملت الإجراءات تأجيل الصرف على الاحتياجات التي لا تتسم بالضرورة القصوى، واشتراط موافقة وزارة المالية، بالتنسيق مع البنك المركزي والجهات المختصة، قبل الترخيص بأي التزامات تتضمن مكوناً من النقد الأجنبي، إلى جانب منع اتخاذ قرارات تزيد المصروفات في أبواب الموازنة دون التنسيق المسبق مع الوزارة والعرض على مجلس الوزراء.

كما تضمنت ترشيد السفر إلى الخارج وقصره على حالات الضرورة القصوى، وخفض استهلاك الكهرباء والإنارة في الجهات الحكومية بنسبة 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي السابق، وتقليل استهلاك الوقود المخصص للمركبات الحكومية بنسبة لا تقل عن 30%.

وقررت الحكومة إرجاء أو إبطاء تنفيذ المشروعات القومية كثيفة استهلاك الوقود لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، مع إعداد خطط لخفض استهلاكها من الكهرباء بنسبة 20% والوقود بنسبة 30%، فضلًا عن الالتزام بخطة خفض واردات القمح مع زيادة الكميات الموردة من الإنتاج المحلي.

وشملت الإجراءات حظر الإنفاق على النشر والإعلان والدعاية والحفلات والاستقبالات والعلاقات العامة والأنشطة الثقافية الخارجية، ومنع الاشتراك في المؤتمرات داخل مصر وخارجها دون موافقة مسبقة، إلى جانب حظر الإنفاق على بدلات الانتقال وتكاليف السفر الخارجي وإقامة المعارض والمؤتمرات.

كما تقرر تجميد ما لا يقل عن 20% من الاعتمادات المتبقية المخصصة لشراء السلع والخدمات، وتأجيل المشروعات المدرجة حديثًا في الموازنة وحظر التعاقد عليها حتى 30 يونيو/حزيران 2027، إلى جانب وقف التعاقد على شراء سيارات الركوب الحكومية، وعدم البدء في مشروعات جديدة خلال العام المالي الحالي، أو التعاقد على أعمال تتطلب تدبير عملات أجنبية أو اقتراضًا خارجيًا إضافيًا.

ورغم اتساع نطاق القيود، استثنى القرار الجهات الصحية والمستشفيات الجامعية ومخصصات العلاج، فضلًا عن فوائد وأقساط القروض المدرجة في موازنات الجهات الحكومية. كما امتدت بعض القيود إلى ما بعد الأشهر الثلاثة، إذ يستمر حظر شراء السيارات والتعاقد على المشروعات المدرجة حديثًا حتى نهاية يونيو/حزيران 2027.

وألزمت الحكومة الجهات والهيئات الاقتصادية بتقديم بيانات تفصيلية إلى وزارة المالية عن بنود الإنفاق والمبالغ التي ستجمد خلال شهر من صدور القرار.

التقشف لا يكفي

وفي تعليق على الإجراءات، قال رئيس حزب “الجيل الديمقراطي” وعضو مجلس الشيوخ، ناجي الشهابي، إن إعلان الحكومة تطبيق إجراءات تقشفية لمدة ثلاثة أشهر يمثل خطوة إيجابية إذا كان يعكس إدراكاً حقيقياً لخطورة التحديات الاقتصادية ومراجعة أولويات الإنفاق العام، لكنه شدد على أن ترشيد النفقات لا يمثل علاجاً للأزمة ما لم يصاحبه تغيير في السياسات الاقتصادية.

وحذر من أن تتحول إجراءات التقشف إلى تمهيد لزيادات جديدة في الأسعار أو تقليص الدعم والخدمات الأساسية، مؤكدًا أن المواطن المصري تحمل خلال السنوات الماضية أعباء معيشية قاسية ولم يعد قادرًا على تحمل المزيد.

الشهابي: إعلان الحكومة تطبيق إجراءات تقشفية لمدة ثلاثة أشهر يمثل خطوة إيجابية إذا كان يعكس إدراكاً حقيقياً لخطورة التحديات الاقتصادية

واعتبر أن الأزمة لا ترتبط فقط بارتفاع الإنفاق الحكومي، وإنما تشمل أعباء خدمة الدين والاعتماد على الاقتراض وضعف الإنتاج المحلي والممارسات الاحتكارية في الأسواق، فضلًا عن السياسات المرتبطة ببرامج صندوق النقد الدولي.

ورفض تحميل المواطنين تكلفة إجراءات الإصلاح الاقتصادي، أو المساس بالتعليم والصحة والأجور والمعاشات وبرامج الحماية الاجتماعية، داعيًا إلى مكافحة الاحتكار ودعم الصناعة والزراعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة وزيادة الإنتاج المحلي.

وطالب الحكومة بإعلان حجم الوفورات المستهدفة من خطة التقشف وأوجه استخدامها، وتقديم كشف حساب بعد انتهاء الأشهر الثلاثة، يوضح النتائج الفعلية للإجراءات وانعكاساتها على الاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين.

وفي سياق المقترحات المتعلقة بخفض النفقات الحكومية، دعا أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، نادر نور الدين، إلى دراسة إعادة عدد من الوزارات والجهات الحكومية إلى مقارها القديمة في القاهرة، بدلاً من استمرار العمل من العاصمة الإدارية الجديدة، بهدف تقليل نفقات انتقال الوزراء وكبار المسؤولين والموظفين واستهلاك الوقود.

وقال في منشور عبر صفحته على “فيسبوك” إن هناك مقار حكومية قديمة لم يتم التصرف فيها رغم مرور نحو خمس سنوات على إخلائها، متسائلًا عن جدوى استمرار تشغيل مقار جديدة بالعاصمة الإدارية في ظل إمكانية الاستفادة من المباني القائمة.

كما دعا إلى دراسة طرح المقار الحكومية في مدينة العلمين الجديدة للبيع، باعتبار ذلك بديلاً عن بيع أصول أخرى، مع ضرورة الحفاظ على الأصول الاقتصادية للدولة والاستفادة منها في تخفيف الأعباء عن الموازنة.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، أعلن رئيس شركة العاصمة الجديدة، خالد عباس، ارتفاع إيجارات الحي الحكومي إلى 6 مليارات جنيه سنوياً، بدلاً من 4 مليارات جنيه، مؤكداً التزام الحكومة بسداد الإيجارات وتكاليف الخدمات الخاصة بالمقرات الحكومية بموجب عقود طويلة المدى.

ويتكون الحي الحكومي من 10 مجمعات وزارية تضم 34 مبنى، بالإضافة إلى مبنى رئاسة مجلس الوزراء ومبنى البرلمان، على مساحة 430 فدانًا.

وفي الوقت الذي لم تصدر بيانات رسمية حول تكلفة إنشاء الحي، تحدث مسؤولون عن أنها تراوحت بين 40 و60 مليار جنيه.

 أرقام “الفاو”

وتأتي هذه الإجراءات في ظل مؤشرات تكشف حجم الضغوط التي تواجه الأسر المصرية في توفير احتياجاتها الغذائية. فوفق تقرير الفاو، يعجز 45.5 مليون مصري، يمثلون 38.5% من السكان، عن تحمل تكلفة الغذاء الصحي، التي بلغت 6.06 دولار دولي للفرد يوميًا عام 2025، بزيادة 42% عن المتوسط العالمي.

وارتفعت تكلفة الغذاء الصحي في مصر بنسبة 51% منذ عام 2021، مقابل زيادة عالمية بلغت 24%، فيما تضاعف عدد الذين يعانون نقص التغذية تقريبًا خلال نحو عقدين، ليصل إلى 9.8 ملايين شخص، يمثلون 8.4% من السكان.

وفي مفارقة تعكس تعقيدات أزمة التغذية، ارتفعت معدلات السمنة بين البالغين إلى 43.9% عام 2024، مقارنة بـ37.5% عام 2012، ليصل عدد المصابين إلى نحو 31.9 مليون شخص.

كما تعاني 32.7% من النساء المصريات بين 15 و49 عامًا فقر الدم، فيما لا يحصل سوى 41.6% من الأطفال بين 6 و23 شهرًا على الحد الأدنى المطلوب من التنوع الغذائي. وفي المقابل، تراجعت نسبة التقزم بين الأطفال دون الخامسة إلى 12.9% عام 2024، مقابل 23.5% عام 2012.

 



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *