لندن- “القدس العربي”: قالت المؤسسة المشاركة لمنظمة “فلسطين أكشن“، هدى عموري، إنه من غير المفهوم أن تعتبر منظمتها للعمل المدني إرهابية في بريطانيا.
وفي مقابلة أجراها مراسل صحيفة “ذي أوبزيرفر” غايلز ويتل، تحدثت عموري عن اعتبار المنظمة التي شاركت في تأسيسها إرهابية، ومخاوفها من القضية أمام المحكمة العليا البريطانية ولماذا لن تتنازل عن مواقفها.
إلا أن الكلمة التي استخدمتها عموري عندما سئلت عن شعورها إزاء اتهامها بالإرهاب لم تكن صادمة أو مخيفة أو محيرة، بل مستفزة، قائلة: “لم أتوقع أبدا أن يتم حظري”، مستخدمة المصطلحات القانونية لوصف ما حدث.
بالنسبة لعموري، فقد كان وصفها بالإرهابية “مستفزا جدا، وأعتقد أن السبب الرئيسي لذلك هو أن كل ما كنا نفعله كان لإنقاذ الأرواح في فلسطين”.
وفي العام الماضي، حظرت وزارة الداخلية البريطانية منظمة “فلسطين أكشن”، التي شاركت عموري في تأسيسها، باعتبارها منظمة إرهابية، وذلك بعد أن اقتحم اثنان من أعضائها قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في “بريز نورتون” على دراجات كهربائية، وقاما برش طلاء على طائرة “باثفايندر” للتزود بالوقود.
وبالنسبة لإيفيت كوبر، وزيرة الداخلية آنذاك، كان هذا الحادث الأخير جزءا من “تاريخ طويل من التخريب الإجرامي غير المقبول الذي ارتكبته فلسطين أكشن”.
أما بالنسبة لعموري، فقد كان وصفها بالإرهابية بسبب ذلك “مستفزا جدا، وأعتقد أن السبب الرئيسي لذلك هو أن كل ما كنا نفعله كان لإنقاذ الأرواح في فلسطين”.
والتقى ويتل بعموري في حديقة عامة دون ذكر اسمها، لأن عموري قلقة بشأن الأمن إلى جانب قلقها بشأن نتيجة القضية التي رفعتها إلى المحكمة العليا في لندن الأسبوع الماضي، والتي تعد على الأرجح أهم اختبار للتوازن بين حرية التعبير والأمن العام في تاريخ المحكمة.
ولكن، هل كان قرار الحكومة بحظر منظمة “فلسطين أكشن” بموجب قوانين مكافحة الإرهاب البريطانية صائبا؟ أم أنه ينتهك حقوق المواطنين في حرية التعبير والتجمع بموجب الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان؟
وقد استمع القضاة إلى مرافعات استمرت يومين ثم انسحبوا للتفكير. وبسبب القضية وما أحدثته من انقسام وسط المؤيدين لقرار الحظر والمؤيدين لحرية التعبير، خرجت عموري من كونها مؤسسة لمنظمة عمل مدني لكي تلعب دور أبرز المتقاضين في البلاد، وذلك بفضل أمرين: مساعي الحكومة “لخنق” حركتها والتي أتت بنتائج عكسية، وإصرارها الشديد على موقفها.
وتعترف عموري، بأن الأمور لم تسر على ما يرام الأسبوع الماضي في المحكمة العليا. وتقول: “بصراحة، لقد ذهلت مما حدث”. وتضيف أنها ومحاميها كانوا يستعدون لشهور، وأن لديهم “مرافعات مفصلة للغاية” و”ولسوء الحظ، تمت مقاطعة لمحامين الذين يرافعون عني أكثر من مئة مرة، ولم يكن لديهم سوى ثلاث ساعات لعرض قضيتهم، لذا أعتقد أن القضاة كانوا عدائيين للغاية”.
وقد اتفق مراقبو المحكمة من غير الأطراف المعنية في الإجراءات، على أن القضاة بدوا متشككين في قضية “فلسطين أكشن”. وكانت حجتهم أن على المحكمة إعادة النظر في السؤال الجوهري حول ما إذا كانت أنشطتها تصنف إرهابا، ووقف الحظر لأنه ينتهك المادتين 10 و11 من الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان والتأكيد على أن “فلسطين أكشن” هي في الواقع جماعة احتجاجية تتبع التقاليد العريقة لحركات مثل حركة المطالبة بحق المرأة في التصويت.
وكان رد الحكومة أن مسألة الإرهاب قد حُسمت عندما أصدرت محكمة الاستئناف حكمها ضد فلسطين أكشن في وقت سابق من هذا العام، وأن وزراء الداخلية بحاجة إلى صلاحيات واسعة في تفسير وتطبيق قوانين مكافحة الإرهاب وبالتالي فـ”تدخلهم” في حماية الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان في هذه القضية مبرر.
وتقول الصحيفة إن هذا الكلام القانوني يبدو بعيدا عن القضايا الملحة التي تدفع عموري للنهوض والذهاب إلى العمل كل يوم، وهي قضايا هيمنت على حياتها منذ عام 2017.
وفي ذلك العام، عندما كانت عموري طالبة في جامعة مانشستر، وبدأت بتنظيم احتجاجات مباشرة ضد شركة تابعة لشركة “إلبيت سيستمز” في أولدهام، لأن العميل الرئيسي للشركة هو الجيش الإسرائيلي. وكان تركيزها الأساسي، آنذاك ومنذ ذلك الحين، على غزة. وقالت عموري العام الماضي إن استهداف “إلبيت سيستمز” بدا “الخيار المنطقي”. ويساعد بعض التاريخ العائلي في تفسير ذلك.
وقد التقى والدا عموري، وكلاهما طبيبان في العراق ودرسا معا في جامعة بغداد. لكن والدها نشأ في الضفة الغربية. و قالت إن والدها “عندما كان في السادسة من عمره، كان هو وإخوته الصغار، وهو الأكبر في منزلهم خلال حرب 1967، حين داهم الجيش الإسرائيلي منزلهم وبدأ بإطلاق النار عليه، فاضطروا للاختباء تحت الطاولة في غرفة المعيشة” و”لم يكن أمامهم خيار سوى الزحف خارج منزلهم بملابسهم التي كانوا يرتدونها آنذاك والفرار لإنقاذ حياتهم. واضطرت عمتي، التي كانت طفلة صغيرة آنذاك، للركض حافية القدمين، وانتهى بهم الأمر بالاختباء لعدة أيام في الكهوف حتى تمكن جدي من إنقاذهم”.
وقد هربت عائلة والدها في ذلك العام إلى الكويت ثم إلى العراق، واستقرت في النهاية في إنكلترا. ونشأت عموري في مانشستر وما حولها، حيث كان والداها يأملان أن تسير على خطاهما في دراسة الطب، وعلقت قائلة: “أعتقد أنني كنت مهيأة لأصبح صيدلانية” و”بصفتنا قادمين من فلسطين والعراق، أراد والدي أن نتمكن من أن نعيش حياة كريمة ومريحة”.
ولم يكن هذا هو الخيار الذي اختارته عموري. ففي عام 2015 عندما كانت طالبة، زارت جزيرة ليسبوس اليونانية، وشعرت بصدمة كبيرة لرؤية أناس “يشبهونني، يشبهون عائلتي” يصلون من الشرق الأوسط وسط لامبالاة المنظمات الدولية التي ظنت أنها موجودة لتقديم المساعدة. وقالت: “أتذكر ليلة رأس السنة طفلاً سورياً يبلغ من العمر خمسة أشهر يموت من انخفاض حرارة جسمه أمامنا في المخيم، ورأيت آلاف الأشخاص يصلون ولا يحصلون على مساعدة تذكر، يكافحون ويموتون في أوروبا”.
استندت وزارة الداخلية البريطانية في دعواها ضد “فلسطين أكشن” إلى استخدامها دليلا يحث أعضاءها على تعطيل منشآت شركة “إلبيت سيستمز”
وقامت برحلة ثانية إلى ليسبوس، لكنها قررت في النهاية، بصفتها مواطنة بريطانية، أن بريطانيا هي المكان الذي يجب أن تحدث فيه فرقا: “كانت هذه فكرتي، وهذا ما عزمت على فعله”.
وقبل أن تركز على شركة “إلبيت سيستمز”، أكبر شركة مقاولات دفاعية في إسرائيل، انضمت عموري إلى حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي أس) التي يقودها الطلاب ضد الشركات الإسرائيلية ومستثمريها.
وأسست منظمة “فلسطين أكشن” عام 2020 مع ريتشارد بارنارد، العضو السابق في حركة “تمرد ضد الانقراض” الذي وجهت إليه تهمة بموجب قانون مكافحة الإرهاب بالتعبير عن دعمه لحماس. واحتفلا بإطلاق المنظمة برشّ جدران مقر شركة “إلبيت سيستمز” في لندن بالطلاء.
وقد استندت وزارة الداخلية البريطانية في دعواها ضد “فلسطين أكشن” إلى استخدامها دليلا يحث أعضاءها على تعطيل منشآت شركة “إلبيت سيستمز” وإلحاق الضرر بها “دون رادع”، وأن أفعالها كانت “تصعيدية”، لا سيما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ولكن، هل تجاوزت المنظمة حدودها؟ لا تقبل عموري هذا الرأي، فهي تستذكر فظائع الحرب التي أعقبت الهجوم على غزة، والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن 70,000 فلسطيني، من بينهم 21 فردا من عائلة صديقة لها. وتقول عموري إنّ العمل المباشر ضد “إلبيت سيستمز” كان أكثر فاعلية بالنسبة “للحركة” من “الصراخ في الفراغ”.
وذكرت عموري اجتماعا عقد عام 2023 بين كريس فيليب، وزير الشرطة آنذاك، وممثلين عن شركة إلبيت سيستمز، حيث أفاد مسؤول من النيابة العامة، وفقا لوثائق نشرت بموجب قانون حرية المعلومات، بأن أنشطة حركة “فلسطين أكشن” لا ترقى إلى مستوى الإرهاب.
وفي سؤال الصحيفة لعموري عن مسألة حق إسرائيل في الوجود؟ توقفت قليلا قبل أن تجيب قائلة: “بصراحة تامة، كان الأمر بسيطا بالنسبة لي، لأنني كنت أفهم دائما ما يعنيه حق إسرائيل في الوجود للشعب الفلسطيني، وهو التهجير القسري والتطهير العرقي من ديارهم”. مضيفة أن “وجود إسرائيل بني على تدمير بيوت الفلسطينيين. بالنسبة لي، الأمر لا يتعلق بحق الدولة في الوجود، بل بحق الشعب في الوجود”.
وتؤكد أنها لا تدعو إلى طرد أي شخص من إسرائيل، “ليس هذا لبّ الموضوع. المسألة تتعلق بحصول الفلسطينيين على حقوق متساوية مع الشعب اليهودي في تلك المنطقة”.
وقد اعتقلت عموري سبع مرات، لكنها لم تسجن قط. وقد كان الحظر بمثابة صدمة حتى بعد إعادة اعتقال أعضاء “فلسطين أكشن” بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، إثر هجوم على مصنع “إلبيت سيستمز” في فيلتون، قرب بريستول، حيث أصيب ضابط شرطة بجروح خطيرة بمطرقة ثقيلة. وقد أدين أربعة أعضاء وسجنوا، أحدهم بتهمة إلحاق أذى جسدي خطير، والثلاثة الآخرون بتهمة إتلاف ممتلكات جنائية بقيمة تزيد عن مليون جنيه إسترليني. وتقول عموري: “حتى في ذلك الحين، كان من المستحيل أن تتحول فلسطين أكشن إلى منظمة إرهابية”.
وفي 20 حزيران/ يونيو من العام الماضي، اقتحمت المجموعة قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في بريز نورتون، وتركت طلاء أحمر على غطاء محرك طائرة باثفايندر. لم تكن عموري على علم مسبق بالأمر، ولم تفصح عما إذا كانت ستتدخل لمنعه لو علمت. لكنها تقول في ذلك المساء: “أرسلت لي صديقة رسالة نصية تقول إن صحافيا في بي بي سي يقول إنكم ستمنعون من العمل، وأعتقد أنكم أخطأتم في ذلك. كان هذا رد فعلي. يبدو أن أحدهم يصاب بجنون العظمة”.
وتأكدت نية كوبر في منع الحركة من العمل في ذلك المساء، وبينما كانت عموري تستوعب الأمر، وجدت نفسها تفكر: “ما الذي يحدث بحق الجحيم؟”.
وقد كان سؤالا وجيها، فقد كانت هناك حرب مدمرة تدور رحاها في غزة، وانتشرت المظاهرات الحاشدة الداعمة للقضية الفلسطينية في العواصم والجامعات الغربية. وأصبح الدعم العسكري لإسرائيل من الولايات المتحدة وحلفائها أكثر إثارة للجدل والخلاف من أي وقت مضى.
أدركت عموري أن حياتها على وشك أن تتغير جذريا، وتقول إن منظمة “فلسطين أكشن” جمعت 300,000 جنيه إسترليني من مؤيديها في أول 48 ساعة من انتشار خبر حظرها. لكن جمع التبرعات للمنظمة بعد ذلك أصبح جريمة بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000. وكان المؤيدون عرضة للاعتقال لمجرد رفعهم لافتات تعلن دعمهم للمنظمة. وقد فعل ذلك الآلاف بالفعل، من بينهم قاض يبلغ من العمر 80 عاما، وأبناء ناجين من الهولوكوست. أما آخرون، خوفا من الحصول على سجل جنائي، فقد نأوا بأنفسهم عنها.
تؤكد عموري أن جماعات ناشطة أصغر ووسائل إعلام دعمت “فلسطين أكشن” منذ البداية، أصبحت الآن “تخشى استضافتي في برامجها أو التحدث إلينا لأنها تخشى أن تكون هدفا سهلا وأن تلاحق قضائيا”.
وتؤكد عموري أن جماعات ناشطة أصغر ووسائل إعلام دعمت “فلسطين أكشن” منذ البداية، أصبحت الآن “تخشى استضافتي في برامجها أو التحدث إلينا لأنها تخشى أن تكون هدفا سهلا وأن تلاحق قضائيا”.
وقالت كوبر، وزيرة الداخلية السابقة، بأن قوانين مكافحة الإرهاب لن تقيد حرية التعبير أبدا. لكن في الواقع، هذا التأثير المخيف متعمد. فالقوانين البريطانية تعرّف الإرهاب ودعمه بشكل واسع، ولهذا السبب دعم المستشارون القانونيون للحكومة، ومحكمة الاستئناف بالإضافة إلى مركز تحليل الإرهاب المشترك، كوبر والحكم منذ البداية.
واصطدمت عموري بعالم قضاة المحكمة العليا والوزراء، لكن العالم الذي تشعر فيه بالراحة ينظر إلى كل شيء بمنظور مختلف. تقول عموري إن رش طلاء على طائرة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني “بوضوح حيلة دعائية” وأن التحركات المباشرة ضد شركة “إلبيت سيستمز” تهدف إلى إنقاذ الأرواح، لا الإرهاب، والأشخاص الأربعة آلاف الذين اعتقلوا لحملهم لافتات “أنا أدعم فلسطين أكشن” لا يريدون فقط إظهار دعمهم للقضية، بل أيضا رأيهم بأن “حرياتنا المدنية وحرية التعبير، قد تآكلت تماما في بريطانيا”.
ولا تزال قضية الحكومة ضد مؤيدي السلطة الفلسطينية معلقة بانتظار حكم المحكمة العليا، لكنهم سيحاكمون إذا خسرت عموري القضية. تقول: “من المخيف ما قد يحدث بعد قضية المحكمة العليا”.
مع ذلك، لا تبدو عموري خائفة، وتستمد قوتها من دعم كبير من والديها، “إنهما فخوران بي”. وهي واثقة من الفوز في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ إذا خسرت في لندن. وفي نهاية المطاف، تعتقد أن السياسيين سيأخذون زمام الأمور بأيديهم ويتخذون ما تعتبره الحكم الصائب، ويلغون القرار.
وجرت المقابلة بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وقد حسّنت الانتخابات من معنويات عموري. واستشهدت بتقارير صحيفة “نيويورك تايمز” التي تفيد بأن الحظر كان جزئيا بسبب ضغط الرئيس ترامب على كير ستارمر بعد أن قامت المنظمة برش أحد ملاعب الغولف التابعة لترامب في اسكتلندا بالطلاء العام الماضي، وقالت عموري إنه “سيكون من السخف أن يبقي [آندي] بيرنام على أمر الحظر لإرضاء ترامب الذي أصبح الآن في نهاية ولايته”.