في الوقت الذي يتزايد فيه الحديث عن إعادة الإعمار والانتقال السياسي ومستقبل الدول في الشرق الأوسط، تبدو معرفتنا بما جرى داخل مجتمعات المنطقة خلال العقدين الأخيرين، أقل بكثير من معرفتنا بالتحولات السياسية والعسكرية. فقد شهدت المدن العربية مثلاً تغيرات واسعة في أنماط السكن والعمل والاستهلاك وعادات الزواج وطرق استخدام الشوارع والأماكن العامة. ومع ذلك، لا تزال الدراسات التي تتناول هذه التحولات من منظور اجتماعي وأنثروبولوجي تحظى باهتمام محدود في مراكز الأبحاث العربية، التي ينشغل قسم كبير منها بمتابعة السياسات الدولية والصراعات الإقليمية ومواقف الحكومات، بينما تحضر الحياة اليومية للسكان على هامش هذه الاهتمامات.
وتبدو هذه الفجوة أكثر وضوحا اليوم، مع الحديث المتزايد عن إعادة إعمار بعض المدن العربية، فإعادة الإعمار تتعلق أيضا بمعرفة المجتمعات التي ستعيش في هذه الأماكن، وكيف تغيرت خلال سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية والهجرة. فالمدينة التي تتعرض للحرب أو النزوح لا تعود بالضرورة إلى صورتها السابقة بمجرد إعادة بناء منازلها، لأن سكانها وعلاقاتهم الاجتماعية ومصادر رزقهم وطرق استخدامهم للمكان، ربما تغيرت بصورة عميقة. ولذلك تبدو الحاجة ملحة إلى دراسات تهتم بتاريخ الحياة اليومية في المنطقة، وتتابع ما جرى داخل البيوت والأسواق والشوارع والمدارس والأحياء الشعبية.
من هنا تبرز أهمية الاطلاع على بعض الموسوعات والأدلة الأكاديمية التي تصدر عن الشرق الأوسط في الجامعات ودور النشر الغربية، وتجمع دراسات أنجزها باحثون في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ الاجتماعي. ومن بين هذه الأعمال كتاب «دليل آي. بي. توريس لعلم الاجتماع والشرق الأوسط»، بتحرير الباحثتين فاطمة موغه غوتشك وغامزه إيفجيمن.
يخصص الدليل قسما للثقافة والمجتمع وآخر للاجئين والمهاجرين الذين أعادوا تشكيل حياتهم خارج بلدانهم. ومن اللافت أن بعض الدراسات تقدم تفاصيل صغيرة عن حياة الناس، لكنها تكشف عن تغيرات اجتماعية عميقة شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. ولعل دراسة السوسيولوجية رانيا سالم عن الزواج والفروق الطبقية بين الشباب المصري تقدم مثالا واضحا على أهمية هذه المقاربة. تبدأ الباحثة دراستها بحكاية أسماء ومصطفى، اللذين تعرفا إلى بعضهما عندما كان مصطفى يعمل في محل للهواتف المحمولة افتتحه في الشراكة مع صديق، بينما كانت أسماء تعمل في استوديو تصوير قريب. بدأت علاقتهما بأحاديث عابرة في الشارع الفاصل بين مكانَي عملهما، قبل أن تتحول تدريجيا إلى علاقة عاطفية ورغبة في الزواج.
بعد سنوات من التعارف، حصل مصطفى على وظيفة مدرس في مدرسة ابتدائية حكومية، بينما أصبحت أسماء عاطلة عن العمل، وظل الاثنان يعيشان في منزلي عائلتيهما ويعتمدان بدرجات مختلفة على مساعدة الأهل. ورغم أن مصطفى امتلك شقة سكنية، تأخر زواجهما ثلاث سنوات بعد الخطوبة، لأن والده كان منشغلا بتجهيز ابنتيه للزواج. وينقل مصطفى إلى الباحثة أن والده، المنحدر من صعيد مصر، يرى أن تأمين مستقبل البنات ينبغي أن يسبق زواج الابن، ولذلك اضطر إلى انتظار دوره. أما أسماء، التي اقترب عمرها من الحادية والثلاثين، فتقول إنها كانت تتمنى الزواج في سن الثالثة والعشرين أو الرابعة والعشرين، لكن الظروف حالت دون ذلك.

تستخدم رانيا سالم هذه الحكاية لفهم ظاهرة اجتماعية أوسع تتصل بتأخر الزواج بين الشباب المصري، وتقدم نتائج مقابلات أجرتها مع ستة وستين شابا وفتاة من المخطوبين في مركزين حضريين. واللافت في نتائجها أن المشكلة تتصل أيضا بالمكانة الاجتماعية التي تمنحها تجهيزات الزواج للعائلتين. فالشقة والأثاث والأجهزة الكهربائية والذهب وحفلات الزفاف تحمل معاني تتصل بالطبقة والاحترام الاجتماعي، والتوقعات المرتبطة بأدوار الرجال والنساء. وتقدم الباحثة تفاصيل عن توزيع نفقات الزواج بين العائلتين. ففي الأوساط المصرية التي درستها، يتحمل العريس عادة توفير المسكن وجزءا كبيرا من الأثاث، بما في ذلك غرفة النوم وغرفة الاستقبال. أما العروس وعائلتها فتتحملان عادة تجهيزات المطبخ وعددا من الأجهزة المنزلية، مثل الثلاجة والغسالة والفرن.
هذه التفاصيل تكشف كيف يمكن أن يتحول الأثاث والأجهزة المنزلية إلى علامات على المكانة الطبقية وقدرة العريس والعروس على تأسيس بيت ينسجم مع توقعات العائلة والمحيط الاجتماعي. ومن خلالها يصبح تأخر الزواج ظاهرة يمكن فهمها عبر الأشياء الموجودة داخل البيت، والالتزامات المتبادلة بين العائلات، بدلا من ربط هذا الأمر فقط بمعدلات البطالة وأسعار الشقق. ومن البيوت المصرية ينتقل الكتاب إلى المدارس التركية، من خلال دراسة الباحثين تشيتين تشيليك وأحمد إيتشدويو عن تعليم أطفال اللاجئين السوريين في تركيا، نتعرف على تغيرات لافتة في العلاقات داخل العائلات السورية التي اضطرت إلى اللجوء خلال العقد الأخير.
اعتمد الباحثان على مقابلات مع ثمانية من الآباء والأمهات السوريين الذين وصلوا إلى تركيا بين عامي 2013 و2017، إضافة إلى مدرسين سوريين يعملان في المدارس العامة. وتوضح الدراسة أن الأطفال السوريين وجدوا أنفسهم أمام نظامين تعليميين مختلفين. ففي السنوات الأولى، التحق قسم منهم بمراكز تعليمية مؤقتة تعتمد المناهج السورية واللغة العربية، قبل أن تتجه السلطات التركية، ابتداء من عام 2016، إلى دمجهم تدريجيا في المدارس الحكومية التركية.
لكن الانتقال إلى المدارس التركية حمل معه تغيرات تجاوزت المسألة التعليمية. ففي إحدى المقابلات، تروي أم سورية تدعى سلام أنها لم تكن قادرة على حضور اجتماعات أولياء الأمور، لأنها لا تجيد اللغة التركية. وحين أرادت متابعة وضع ابنتها الدراسي، اضطرت الطفلة إلى الذهاب بنفسها والتحدث إلى المعلمة نيابة عن والديها، موضحة أن أمها وأباها لن يتمكنا من فهم ما يقال في الاجتماع.
تكشف هذه الحادثة عن تغير لافت في العلاقات داخل الأسرة. فالطفل الذي يفترض أن يعتمد على والديه في المدرسة أصبح مسؤولا عن التواصل مع المعلمين وترجمة المعلومات وشرح الإجراءات. وبذلك بدأت اللغة تعيد توزيع الأدوار بين الأجيال، وأصبح بعض الآباء يشعرون بفقدان القدرة على متابعة تعليم أبنائهم. وتروي أم أخرى تدعى ظلال أن ابنتها كانت الطفلة السورية الوحيدة في صفها، وأنها عانت بسبب عدم قدرتها على فهم اللغة التركية، حتى صارت تبكي وترفض الذهاب إلى المدرسة. وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأنها تكشف عن تحولات الحياة العائلية في المنفى، حيث لا تقتصر تجربة اللجوء على الانتقال من بلد إلى آخر، وإنما تشمل تغير العلاقات بين الآباء والأبناء، وتبدل موقع اللغة في الحياة اليومية، وظهور أشكال جديدة من الخوف والعزلة والانتماء.
أما المثال الثالث، فيأتي من دراسة الباحثة سيلفيا باسكيتي عن المدن والمخيمات والحياة السياسية، وهي دراسة أنثروبولوجية تقارن بين الحياة اليومية للفلسطينيين في مدينة اللد، داخل إسرائيل، وحياة اللاجئين الفلسطينيين في مخيم الجلزون قرب رام الله. وتبدو المقارنة لافتة لأنها تتناول جماعتين تجمعهما تجربة التهجير والفقر والتهميش، لكنهما تعيشان في فضاءين مختلفين من حيث العمران والقوانين وأشكال السيطرة على السكان. تعود الباحثة إلى عام 1948، عندما هاجر عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مدينة اللد، وانتقل قسم منهم إلى مخيمات الضفة الغربية، ومنها الجلزون. ولم يبق في المدينة سوى نحو ألف فلسطيني، خضعوا للحكم العسكري، وأجبروا لفترة على العيش داخل منطقتين مسيجتين. وفي العقود التالية، استقبلت اللد مهاجرين يهودا، بينما بدأت منذ السبعينيات تستقبل فلسطينيين فقراء قدموا من مناطق ريفية وصحراوية، بحثا عن العمل في المدينة، أو في تل أبيب القريبة. نتعرف على حكاية رجل فلسطيني يدعى رامي، انتقلت عائلته من النقب إلى اللد، ويعيش في حي المحطة، وهو من الأحياء التي تعاني ضعف الخدمات. يعمل رامي مساعدا لميكانيكي سيارات، ويقيم في منزل تعرض للهدم سابقا، ويواجه مجددا خطر الهدم بسبب عدم حصوله على رخصة بناء. وقد جعلته تجاربه مع الشرطة والأجهزة الأمنية شديد الحذر في علاقاته مع جيرانه، إلى درجة أنه يتردد في المشاركة في اجتماعات الحي التي تبحث كيفية الحصول على تراخيص البناء أو منع هدم المنازل.
وعلى الجانب الآخر، داخل مخيم الجلزون، تشكلت علاقات مختلفة بين السكان والمؤسسات التي تدير شؤونهم. فالمخيم الذي نشأ نتيجة التهجير تحول مع مرور العقود إلى مجتمع له مؤسساته ومدارسه ومراكزه الشبابية وشبكات التضامن الخاصة به. وقد لعبت وكالة الأونروا دورا مهما في هذه العملية، من خلال تشغيل اللاجئين في مدارسها ومؤسساتها الاجتماعية، والمساهمة في إنشاء مراكز شبابية تحولت إلى أماكن للأنشطة الثقافية والاجتماعية والتنظيم الجماعي.
ومن اللافت وجود اختلاف في الطريقة التي يتعامل بها السكان مع مشكلاتهم اليومية. ففي اللد، حيث يخشى بعض الفلسطينيين المراقبة الأمنية، يميل عدد من السكان إلى معالجة مشكلاتهم بصورة فردية، أو عبر العلاقات غير الرسمية. أما في الجلزون، فقد ساهمت سنوات الاحتكاك مع الأونروا والسلطات المختلفة في ترسيخ أشكال من العمل الجماعي، مثل تنظيم الاجتماعات والاحتجاجات والمطالبة بتحسين الخدمات والحفاظ على المؤسسات الاجتماعية.
هذه المقارنة تتيح لنا فهم كيفية تشكل المدن والمخيمات عبر الزمن، وكيف تؤثر القوانين وسياسات الإسكان والمؤسسات الأمنية والخدمات العامة على حياة المكان. فالمدينة والمخيم يتشكلان أيضا من خلال تجارب السكان وعلاقاتهم مع المؤسسات وشعورهم بالأمان، أو الخوف وقدرتهم على تنظيم حياتهم المشتركة.
كاتب سوري