موريتانيا تعلن أنها «جزء من الحل لا من المشكلة» وسط توقعات بتغير الوضع الأمني على حدودها مع الصحراء الغربية



عبد الله مولود

نواكشوط – «القدس العربي»: انتقلت تداعيات الأزمة الجديدة في ملف الصحراء الغربية من أروقة مجلس الأمن الدولي إلى الحدود الشمالية لموريتانيا، حيث تحدثت مصادر أمنية عن توجيه السلطات الموريتانية تحذيرات إلى السكان الرحل والمنمين بضرورة الابتعاد عن المناطق الحدودية الملتبسة، وسط مخاوف متزايدة من احتمال تدهور الوضع الأمني بين المغرب وجبهة البوليساريو، عقب انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، وفشل مجلس الأمن في الاتفاق على تمديد ولايتها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه نواكشوط تمسكها بسياسة الحياد الإيجابي، وسعيها إلى الاضطلاع بدور بناء في تسوية النزاع، بينما تتحدث تقديرات أمنية عن احتمال تغير قواعد الاشتباك في المنطقة، بعد اختفاء آلية المراقبة الأممية التي ظلت حاضرة منذ عام 1991.
وكان مجلس الأمن قد أخفق، في 30 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، في اعتماد مشروعين متنافسين بشأن مستقبل البعثة؛ أحدهما أمريكي اصطدم بالفيتو الروسي، والآخر روسي لم يحصل على الأصوات اللازمة لإقراره، لتنتهي ولاية «المينورسو» في 31 أكتوبر، وتبدأ إجراءات تصفية وجودها الميداني مطلع تشرين الثاني/نوفمبر.
وأفادت وكالة الأخبار الموريتانية المستقلة بأن السلطات الإدارية في المناطق المحاذية للصحراء الغربية وجهت تعليمات إلى المواطنين الموجودين خارج الحدود الموريتانية بالعودة فورا إلى الداخل، والتأكد من مواقعهم الجغرافية، وتجنب الاقتراب من الخطوط الحدودية والمناطق التي يصعب تحديد تبعيتها. وشملت التحذيرات خصوصا المنمين ورعاة الماشية والسكان الرحل في ولاية داخلت نواذيبو، فيما نقلت الوكالة عن رسائل صوتية متداولة منسوبة إلى السلطات الإدارية في الشامي ومركز اتميمشات، دعوات إلى توخي الحذر في ظل انسحاب البعثة الأممية.
وتعكس هذه الإجراءات مخاوف من تعرض المدنيين لمخاطر التحركات العسكرية أو العمليات المحتملة في المناطق الصحراوية المفتوحة، حيث تتداخل مسارات الرعي والتنقل التقليدية مع مناطق حساسة عسكريا. ولا تعني التحذيرات بالضرورة وجود تهديد عسكري وشيك، لكنها تشير إلى انتقال السلطات من متابعة التطورات السياسية إلى اتخاذ احتياطات وقائية ميدانية. وفي أول موقف حكومي من التطورات الإقليمية المتسارعة، أكد وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد ولد ببانه، أن موريتانيا تتابع باهتمام بالغ ما يجري في محيطها، وتتمسك بمبدأ «الحياد الإيجابي».
وشدد الوزير على أن بلاده تعتبر نفسها «جزءا من الحل، لا جزءا من المشكلة»، مؤكدا حرصها على تجنب الاصطفاف في النزاعات الإقليمية، والمساهمة في جهود التهدئة والحوار.
ويعكس هذا الموقف معادلة دقيقة تحكم السياسة الموريتانية تجاه النزاع، فموريتانيا ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع المغرب، وتعترف في الوقت نفسه بالجمهورية الصحراوية، وتحتفظ بعلاقات مع الجزائر، بما يجعلها معنية مباشرة بأي تحول في موازين المنطقة، دون رغبة في الانخراط في المواجهة.
وفي موازاة التحركات الرسمية، حذر الصحافي الموريتاني البارز، محمد الأمين خطاري، المتخصص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات المغاربية الموريتانية الإسبانية، من متغيرات عسكرية محتملة قرب الشريط الصحراوي المحاذي للحدود الموريتانية.
ونقل محمد الأمين خطاري عن مصادره في مدريد رصد تحركات لوحدات عسكرية مغربية باتجاه الجدار العازل، مع مخاوف من تغير قواعد الاشتباك بين المغرب والبوليساريو بعد اكتمال انسحاب «المينورسو»، وما قد يترتب على ذلك من تأزيم للمنطقة.
ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من هذه التحركات، كما لم يصدر تأكيد رسمي بشأن ارتباطها باستعدادات لعمليات عسكرية جديدة.
غير أن المخاوف تجد ما يسندها في تحليلات دولية حديثة؛ فقد حذرت الباحثة سابينا هينبيرغ، في تحليل نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى الأربعاء، من أن غياب البعثة قد يرفع احتمالات تجدد القتال، خصوصا إذا حاول المغرب توسيع سيطرته شرق الجدار العازل.
واستدرك التحليل بأن الرباط تملك دوافع قوية لتجنب التصعيد، بينها المحافظة على صورتها الدولية والاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل احتمال المواجهة الشاملة أقل ترجيحا من وقوع احتكاكات عسكرية محدودة.
وأفاد بلاغ للديوان الملكي المغربي صادر الأربعاء عقب جلسة عمل برئاسة العاهل المغربي «أن الملك شدد التزام المملكة التام بوقف إطلاق النار، وهو التزام إرادي، حسب البيان، ولن يتغير بانتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة، التي عجزت في مناسبات عديدة، عن مراقبة مدى احترامه وعن ترتيب الآثار على خرقه».
فراغ أمني ومخاطر إقليمية
وتذهب تقديرات مؤسسة «أفريكان سيكيوريتي أناليسيس» إلى أن الخطر المباشر يتمثل في فقدان آلية دولية محايدة للتحقق من الحوادث العسكرية، بما يزيد صعوبة تحديد المسؤوليات ويتيح توظيف الاشتباكات المحدودة سياسيا.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة بالنسبة لموريتانيا، بالنظر إلى امتداد حدودها مع مناطق النزاع، واحتمال تأثر حركة الأشخاص والمواشي والتجارة، فضلا عن مخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة المنتشرة في بعض المناطق الحدودية.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد حذر من احتمال تصاعد الأعمال العدائية، داعيا الأطراف إلى أقصى درجات ضبط النفس، ومؤكدا أن انتهاء مهمة «المينورسو» لا يلغي حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ولا ينهي جهود الوساطة الأممية.
وفي المقابل، أعلن المغرب استمراره في احترام وقف إطلاق النار رغم انتهاء مهمة البعثة، في إشارة إلى رغبته المعلنة في تجنب التصعيد العسكري، بينما تتمسك البوليساريو بمطلب تقرير المصير.
الكويرة وحسابات الحدود
وتعيد التطورات الراهنة إلى الواجهة ملف الكويرة وترسيم الحدود الشمالية لموريتانيا، بعدما أكدت نواكشوط، خلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أهمية توضيح الحدود النهائية والدائمة للإقليم بصورة توافقية.
وكان ولد ببانه قد أوضح أن الهدف من ذلك تفادي أي غموض يمكن أن يخلف انعكاسات أمنية وقانونية واقتصادية، نافيا حدوث تغيير في الموقف الموريتاني أو تقديم تنازلات بشأن الملف.
وهكذا تجد موريتانيا نفسها أمام اختبار مزدوج: حماية حدودها وسكانها من تداعيات أي تصعيد محتمل، والمحافظة على موقعها الدبلوماسي بوصفها طرفا قادرا على المساهمة في التسوية.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما سيحدث بعد الانسحاب الأممي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا بالنسبة لنواكشوط هو هل كان الفراغ الذي تركته «المينورسو» سيفتح الطريق أمام مفاوضات جديدة، أم سيحول المناطق الصحراوية المتاخمة لحدودها إلى ساحة مواجهة يصعب احتواء تداعياتها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *