القاهرة – «القدس العربي»: في خطوة تحمل دلالات مهمة على مستقبل السينما المصرية وقدرتها على الوصول إلى جماهير جديدة خارج حدود الأسواق التقليدية، بدأ الفيلم المصري «هابي بيرث داي» عرضه التجاري في الصين عبر 6400 شاشة سينما، محققا إنجازا غير مسبوق على مستوى توزيع الأفلام العربية، في واحدة من أوسع عمليات التوزيع السينمائي لفيلم عربي على المستوى العالمي، ليصبح ثاني أكثر الأفلام العربية توزيعا في تاريخ السينما العالمية وفقا لما أعلنه المخرج والسيناريست محمد دياب.
ويكتسب هذا الإنجاز أهمية مضاعفة بالنظر إلى الفارق الكبير بين حجم توزيع الأفلام المصرية في السوق المحلية وانتشارها خارجيا، إذ أشار محمد دياب إلى أن الأفلام المصرية الكبرى، حتى تلك التي تحمل أسماء نجوم الصف الأول، تحصل عادة على نحو 100 دار عرض داخل مصر، وقد يصل توزيع الفيلم المصري دوليا إلى نحو 500 دار عرض في أفضل الظروف، في حين استطاع «هابي بيرث داي» الوصول إلى 6400 شاشة في الصين وحدها، وهو رقم يقترب من حجم الشاشات التي تعرض أفلام مارفل في الولايات المتحدة حسب دياب.
ويطرح هذا الانتشار الواسع تساؤلات مهمة حول فرص السينما المصرية المستقلة في الوصول إلى الأسواق العالمية، وإمكانية تحقيق عوائد اقتصادية تتجاوز الحدود التقليدية للتوزيع العربي، خاصة أن الفيلم ينتمي إلى تجربة سينمائية مستقلة استطاعت أن تحقق حضورا دوليا لافتا دون الاعتماد على منظومة الإنتاج التجاري التقليدي وحدها.
ويرى محمد دياب أن نجاح الفيلم في الوصول إلى هذا العدد الكبير من الشاشات يمثل نموذجا جديدا لإمكانات السينما المستقلة، ويؤكد قدرتها على المنافسة وتحقيق انتشار جماهيري واسع، كما يفتح الباب أمام فرص جديدة للتعاون السينمائي بين مصر والصين، والوصول إلى جمهور مختلف ثقافيا ولغويا.
ويأتي هذا الإنجاز امتدادا لمسيرة دولية بدأها الفيلم منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان تريبيكا السينمائي الدولي بنيويورك عام 2025، حيث حقق نجاحا كبيرا بحصوله على ثلاث جوائز مهمة، هي جائزة أفضل فيلم روائي دولي، وجائزة أفضل سيناريو في مسابقة الأفلام الروائية الدولية، وجائزة نورا إيفرون التي تحتفي بالمخرجات المتميزات، وهو ما منح التجربة الأولى للمخرجة سارة جوهر دفعة قوية على المستوى العالمي.
كما اختارت لجنة الأوسكار المصرية الفيلم لتمثيل مصر في المنافسة على جائزة أفضل فيلم دولي في الدورة الثامنة والتسعين من جوائز الأوسكار، ليواصل حضوره في المحافل السينمائية الدولية، ويؤكد أن السينما المصرية قادرة على تقديم تجارب تحمل خصوصيتها المحلية وتصل في الوقت نفسه إلى جمهور عالمي.
الفيلم من إخراج سارة جوهر، وتأليف سارة جوهر ومحمد دياب، عن قصة لخالد دياب وشيرين دياب، ومن إنتاج أحمد الدسوقي، بمشاركة أحمد عباس وأحمد بدوي وجيمي فوكس وداتاري تيرنر.
وتدور أحداث «هابي بيرث داي» حول طفلة في الثامنة من عمرها تعمل في منزل أسرة ثرية بالقاهرة، وتنشأ بينها وبين ابنة الأسرة علاقة إنسانية خاصة، تدفعها إلى محاولة تنظيم عيد ميلاد مثالي لصديقتها، رغم أنها لم تعرف الاحتفال بعيد ميلادها من قبل، ومن خلال هذه الحكاية البسيطة ظاهريا، يقترب الفيلم من عالم التفاوت الطبقي والحدود الاجتماعية التي تفصل بين البشر، ويكشف التناقضات التي تحكم العلاقات داخل المجتمع المصري، من خلال نظرة طفلة تحلم بالفرح والانتماء.
ويشارك في بطولة الفيلم نيللي كريم وحنان مطاوع وشريف سلامة ودوحة رمضان، التي تقدم شخصية الطفلة توحة، إلى جانب عدد من الفنانين.
وتتجاوز أهمية ما حققه «هابي بيرث داي» مجرد الرقم القياسي الذي سجله في عدد الشاشات، فالمسألة تتعلق بفتح نافذة جديدة أمام السينما المصرية المستقلة، وإعادة النظر في إمكانات توزيعها وتسويقها عالميا، خاصة في ظل امتلاك مصر تاريخا سينمائيا طويلا وتجارب فنية قادرة على المنافسة، لكنها كثيرا ما واجهت محدودية الانتشار خارج المنطقة العربية.
ومن هنا تبدو تجربة الفيلم جديرة بالتأمل، ليس باعتبارها نجاحا منفردا لفيلم واحد، وإنما بوصفها فرصة لاختبار نموذج مختلف في التوزيع السينمائي، يمكن أن يمنح الأفلام المصرية مساحة أوسع للوصول إلى الجمهور العالمي، ويعيد طرح السؤال حول كيفية تحويل النجاح الفني والمهرجاني إلى حضور جماهيري وتجاري مستدام.