لم ينقطع تيار الأسئلة التقنية عن تجليات الذكاء الاصطناعي الآخذة في التطور بشكل مُذهل، فمع كل لحظة تتجدد الاختراعات، ويزداد التفوق الآلي على القُدرات البشرية بشكل يدعو للدهشة، ويُثير المخاوف على مستقبل الإنسان ووظائفه الآنية، فليس من مهنة أو حرفة إلا ويتدخل فيها الاختراع التقني بأدواته المُتقدمة، حتى إنه لم يترك فرصة لإبداع البشر إلا من خلاله.
هذا الأمر لم يُثر اهتمام شعوب الدول النامية فقط، وإنما انسحب على كل الشعوب الأخرى، بما فيها الدول الرائدة في مجال صناعة الروبوتات، تلك التي احتلت مواقع العاملين والفنيين وقوضت مساحات التشغيل اليدوي في كل التخصصات تقريباً.
وبهذا التأثير صدرت عدة كُتب في هذا الخصوص، مُعظمها يسلم بتفوق الذكاء الاصطناعي وسيادته الكاملة على جميع المجالات، عدا كتاباً واحداً يضع حدوداً للتفوق التكنولوجي ويوقف مسيرة الذكاء الاصطناعي عند الخصائص المادية فقط، من دون تفوقه في مُحاكاة المشاعر الإنسانية، وإن بلغت المهارات ذروتها، فلا تزال هناك فروق فردية يصعب على ألف اختراع واختراع مثل الذكاء الاصطناعي التعويض عنها.
الكتاب الذي يحمل عنواناً دلالياً مهماً.. «بكين والنجع»، يُشير مؤلفه الكاتب الصحافي محمد مازن المُتخصص في شؤون التكنولوجيا وتطورها إلى العاصمة الصينية بكين، باعتبارها أم الاختراعات الحديثة والأكثر تفوقاً في تطوير إمكانيات الذكاء الاصطناعي، وبما أن الكاتب ينحدر من أصول ريفية وترجع نشأته إلى واحد من النجوع المصرية، فقد ربط بين رحلته من النجع إلى بكين ربطاً إنسانياً عميقاً يتجاوز طفرات التقدم في العلوم الحديثة، ويجعل من التراكم الثقافي والاجتماعي المتوارث عبر سنين عمره التي قضاها بين أحضان الطبيعة الريفية، قبل سفرة إلى مدينة بكين وانفتاحه على عالم التكنولوجيا الميكانيكية، مخزوناً استراتيجياً يواجه به عمليات محو الذاكرة البصرية والحياتية ليحل محلها ما يُستجد من ابتكارات الذكاء الاصطناعي، التي تفرغ كل شيء من محتواه الإنساني ليتحول البشر إلى آلات صماء تعمل بالأوامر، وتُنفذ التعليمات بمنتهى الدقة، تماماً مثل الروبوتات، تتلقى التعليمات وتُنجز مهامها في أزمنه قياسية تفوق التوقعات.
يقع الكتاب «بكين والنجع» الصادر عن دار أم الدنيا في 162 صفحة من القطع المتوسط ويتضمن مجموعة من العناوين التي تتصل باستخدامات الذكاء الاصطناعي ومجالاته المُتعددة، بيد أنه يحمل مضموناً آخر لا يقل أهمية عن جوانب التوظيف العلمي في الاختراع المُعجزة، إذ يورد الكاتب صوراً للتفوق الإنساني في كل مجال يستند إلى ما يتميز به البشر ويفتقده الروبوت، كالمشاعر والأحاسيس، والذوق الشخصي والألم الداخلي والفرح الباطني، والنشوة والانسجام والحزن.
كل تلك الفوارق الجوهرية يستطيع الذكاء الاصطناعي مُحاكاتها قياساً على الانفعالات الطبيعية للإنسان، لكنه لا يستطيع خلقها من العدم أو تفسيرها إلا إذا استخدم قياسات معينة تخص الشعور الإنساني ذاته، فيُمكن للذكاء الاصطناعي تحديد دلالات الفرح والحزن والبكاء، ولعله يتنبأ بها أيضاً، لكنه أبداً لا يتمكن من تفعيلها روحياً ونفسياً وفق الخصائص الفطرية المزود بها الإنسان إلا إذا لجأ إلى المُحاكاة كفعل قياسي مُبرمج وموصف طبقاً لملكات البشر الطبيعية.
ويعقد الكاتب محمد مازن بعض المقارنات بين حياة الريف البسيطة وسلوكيات أهل القرية والنجع، في محاولة منه لرد كل الأشياء لمصادرها الفطرية الطبيعية والتلقائية، حيث ينتصر مازن إلى البدايات باعتبارها الأصل والقيمة الحقيقية التي جُبل عليها بنو آدم قبل الاختراعات، فالبديل عن الآلة الحاسبة كان العقل الذي يطرح ويجمع ويفكر.
والبديل عن الذاكرة الإلكترونية كانت الذاكرة البشرية التي ألهمت المخترع وأعطت للآلة الأوامر، حيث الفلاح في الريف منذ قديم الأزل يعرف المواقيت عن طريق النجوم والكواكب، ويعرف مواسم الزراعة ونوعياتها بالفطرة والخبرة والتعلم والاستنتاج والتجربة، فهو سابق على التكنولوجيا في اكتشاف الزراعة والحصاد وأنواع البذور، بينما جاءت التكنولوجيا كمطور إضافي بغرض تحسين الأداء وهو الفارق النوعي في اكتشاف الماهية قبل العمل على تطويرها والاستفادة منها على نحو أسرع وأدق.وقد يعود الفضل في تكريس عامل السرعة كعنصر مهم وضروري إلى الاختراعات الحديثة التي وفرت الوقت والجهد وألغت عائق الانتظار، لكن هذا لا يعني بأي حال إلغاء القوة البشرية الفاعلة في عملية التطوير والتحديث، ولا يؤكد استبعادها التام والنهائي في المستقبل القريب أو البعيد، فثمة عوامل كثيرة تفرض بقاءها، أولها التفكير كفعل مجرد يخلق المجالات الابتكارية ويقود إلى توظيفها واستخدامها كنتيجة لاكتشافها وتطورها.
ويعزز الكاتب رؤيته في السطور الأخيرة من كتابه برسالة افتراضية يبعث بها إلى الذكاء الاصطناعي الذي بدأ كفكرة وأصبح واقعاً ملموساً، إذ يطرح السؤال الأهم.. لماذا السعي إلى نفي القوة البشرية؟ وما هو الضرر الذي سيترتب على اتباع قاعدة التكامل بالاستفادة المزدوجة من العنصرين.. التكنولوجي والبشري؟ أليس هذا أدعى إلى إحداث مزيد من التطور وتحقيق قدر أكبر من المكاسب؟
الإجابة ستُحددها الرهانات المقبلة في المستقبل الذي يحمل بالقطع الكثير من المفاجآت.