أزمة الترخيص… كيف تضيّق مصر الخناق على الصحافة المستقلة؟


القاهرة – ” القدس العربي”: أعاد الحكم الصادر بتغريم لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع “مدى مصر”، ثلاثة ملايين جنيه، وإغلاق الموقع ومصادرة معداته، على خلفية اتهامها بإدارته من دون ترخيص، إلى جانب القبض على فريق عمل منصة “متصدقش”، أزمة تراخيص المواقع الصحافية المستقلة في مصر إلى الواجهة، وسط مخاوف من اتساع نطاق الملاحقات القضائية بحق الصحافيين والعاملين في المنصات التي لم تحصل على التراخيص اللازمة.

وبات الصحافيون العاملون في مواقع لم تتمكن من الحصول على ترخيص، مهددين بالملاحقة القانونية بتهمة إدارة مواقع إلكترونية دون ترخيص، في ظل تعثر إجراءات الترخيص لسنوات، وغياب قرارات نهائية بشأن عدد من الطلبات والتظلمات المقدمة إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

الاستئناف

وفي تطور جديد بقضية “مدى مصر”، أعلن فريق الدفاع عن عطا الله استئناف الحكم الصادر عن محكمة جنح القاهرة الجديدة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والذي قضى بتغريمها ثلاثة ملايين جنيه، وإغلاق الموقع ومصادرة معداته وأجهزته، في القضية رقم 11743 لسنة 2026، بتهمة “إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص”.

وقال محامي الموقع إن الاستئناف تحدد لنظره يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وفق ما نقلته منصة “المنصة”.

أعلن فريق الدفاع عن عطا الله استئناف الحكم الصادر عن محكمة جنح القاهرة الجديدة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي

وكان فريق الدفاع قد أعلن، في بيان، أن عطا الله لم تتنازل في أي وقت عن حقها في استئناف الحكم، ردًا على بيان أصدره مجلس القضاء الأعلى، قال فيه إنها سددت الغرامة المقضي بها وتنازلت كتابة عن حقها في الطعن.

وأوضح الدفاع أنه توجه إلى نيابة القاهرة الجديدة لاتخاذ إجراءات الاستئناف، لكنه لم يتلق ردًا على طلبه حتى نهاية اليوم، كما لم يتمكن من الحصول على ملف القضية أو صورة رسمية من الحكم.

وكانت الصفحة الرسمية لمحكمة النقض على “فيسبوك” نشرت، مساء السبت الماضي، بيانًا لمجلس القضاء الأعلى، ردًا على ما وصفه بـ”التشكيك في ضمانات المحاكمة”، نفى فيه الإخلال بضمانات المحاكمة في قضية “مدى مصر”، معتبرًا أن الوقائع الثابتة بمحاضر الجلسات تدحض ما جرى تداوله بشأنها.

وأوضح البيان أن النيابة العامة أحالت عطا الله للمحاكمة بتهمة تأسيس وإدارة موقع إلكتروني قبل الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وأنها حضرت جلسة المحاكمة برفقة هيئة دفاعها، التي قدمت مذكرة بطلباتها وطلبت أجلًا للاطلاع على ملف القضية، مشيرًا إلى أن المحكمة أتاحت للدفاع الاطلاع عليه.

لكن الصفحة حذفت البيان بعد وقت قصير من نشره، قبل أن تعيد نشر نسخة معدلة منه في وقت لاحق من مساء اليوم نفسه، تضمنت تغييرًا في صياغة الوقائع الإجرائية المتعلقة بسير المحاكمة.

أزمة التراخيص

ولا تقتصر أزمة التراخيص على “مدى مصر”، إذ تواجه مواقع ومنصات مستقلة أخرى صعوبات في الحصول على تراخيص عملها، من بينها “فكر تاني” و”المنصة”، اللتان لم يوافق المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على منحهما التراخيص. وفي المقابل، حصلت مواقع أخرى، من بينها موقع “يوليو” الذي أسسه الصحافي خالد صلاح، على ترخيص بعد أشهر من انطلاقه وتقديم طلب الحصول عليه، وفق المعلومات المتداولة بشأن إجراءات الترخيص.

وحسب البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، حصل 76 موقعًا إلكترونيًا و11 تطبيقًا على تراخيص جديدة خلال الفترة من يونيو/حزيران 2019 وحتى أكتوبر/تشرين الأول 2026، فيما جرى توفيق أوضاع 100 موقع كانت قائمة بالفعل عام 2022.

فكر تاني

وفي أحدث تحرك لها، قدمت منصة “فكر تاني”، التماسًا إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للإسراع في حسم تظلمها من رفض الترخيص، بعد مرور أكثر من عامين على تقديمه دون صدور قرار نهائي.

وسلم محمد صلاح، الممثل القانوني للمنصة، الالتماس إلى مكتب الأمين العام، عقب لقاء مع المستشار ياسر المعيدي، الأمين العام للمجلس، بحضور المحامي أحمد راغب، المستشار القانوني للمنصة، والمستشار وليد محمود، عضو الأمانة الفنية بالمجلس.

وكانت المنصة قد تقدمت بطلب الترخيص في يوليو/تموز 2023، قبل أن تتلقى الشركة المالكة إخطارًا برفضه في سبتمبر/أيلول 2024، استنادًا إلى ملاحظات تتعلق بالسياسة الإعلانية وخطة تأمين أجهزة البث.

وقدمت الشركة تظلمًا في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، أرفقته بمذكرة قانونية للرد على أسباب الرفض، ثم استدعى المجلس ممثلها القانوني في ديسمبر/كانون الأول 2024، وأبلغه بأن التظلم قيد الفحص والمراجعة، دون أن يصدر قرار نهائي بشأنه حتى الآن.

المنصة

أما منصة “المنصة”، فتعود معاناتها مع ملف الترخيص إلى أكتوبر/تشرين الأول 2018، عندما تقدمت بطلب إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بالتزامن مع بدء عمله وإسناد مهمة ترخيص المواقع الإلكترونية إليه، وسددت الرسوم المقررة دون أن تتلقى ردًا.

وفي يونيو/حزيران 2020، تعرض مقر المنصة لمداهمة أمنية، وألقي القبض على رئيسة تحريرها نورا يونس، التي احتجزت ليلتين في قسم شرطة المعادي، وحققت النيابة العامة معها بتهمة إدارة موقع دون ترخيص، قبل أن تقرر إخلاء سبيلها بكفالة قدرها 10 آلاف جنيه.

وفي أغسطس/آب من العام نفسه، استجابت المنصة لدعوة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المواقع التي سبق أن تقدمت بطلبات ترخيص إلى إعادة التقديم باستخدام الاستمارات الجديدة، عقب صدور اللائحة التنفيذية للقانون، لكنها لم تتلق ردًا حتى الآن.

تحركات حقوقية

وفي ظل تصاعد الجدل بشأن أزمة التراخيص، ناقش وفد من المجلس القومي لحقوق الإنسان مع قيادات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أوضاع المواقع الإلكترونية الساعية إلى توفيق أوضاعها القانونية، في لقاء انتهى بالاتفاق على تشكيل مجموعة عمل مشتركة بين الجانبين.

وجاء اللقاء في أعقاب الحكم الصادر بإغلاق “مدى مصر” وتغريم رئيسة تحريره ثلاثة ملايين جنيه، وسط انتقادات حقوقية ونقابية للإجراءات المنظمة لترخيص المواقع الإلكترونية.

اتهامات للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالتحول إلى أداة لتقييد الصحافة المستقلة، من خلال عدم البت في طلبات الترخيص وترك المؤسسات الصحافية عرضة للملاحقات القانونية

ووفق بيانين متطابقين صادرين عن المجلسين، تناولت المباحثات أوضاع المواقع الساعية إلى توفيق أوضاعها، وآليات تعزيز التنسيق المؤسسي، ودعم حرية الرأي والتعبير، وترسيخ الممارسات الإعلامية المهنية.

واتفق الجانبان على تشكيل مجموعة عمل مشتركة تتولى التشاور والتنسيق بشأن القضايا محل الاهتمام، وفي مقدمتها الإجراءات المرتبطة بتوفيق الأوضاع القانونية للمنصات والمواقع الإلكترونية.

وشارك في اللقاء وفد من المجلس القومي لحقوق الإنسان برئاسة السفير أحمد إيهاب جمال الدين، ونائبه محمد أنور السادات، وعدد من رؤساء اللجان، وكان في استقبالهم رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام خالد عبد العزيز، ووكيل المجلس عصام الأمير، والأمين العام المستشار ياسر المعيدي.

وكانت أحزاب وحركات سياسية، في مقدمتها الحركة المدنية الديمقراطية وحزب العيش والحرية “تحت التأسيس”، قد اتهمت المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالتحول إلى أداة لتقييد الصحافة المستقلة، من خلال عدم البت في طلبات الترخيص وترك المؤسسات الصحافية عرضة للملاحقات القانونية.

كما طالبت نقابة الصحافيين، في تحرك منفصل، بالنظر في طلبات ترخيص المواقع الإخبارية ورفع الحجب عنها، ووضع قواعد عادلة وشفافة لتراخيص الإعلام الرقمي تطبق على الجميع دون تمييز، مع الالتزام بالمدد القانونية المحددة للبت في الطلبات، ومراجعة الشروط بما يتناسب مع طبيعة عمل المواقع الإلكترونية.

وأكدت أن حرية الإصدار وصون التنوع الإعلامي ليستا مجرد مطلب نقابي، بل ضمانة أساسية لحيوية المجتمع وتمثيل مختلف فئاته، محذرة من أن غياب قواعد عادلة وشفافة للترخيص يفتح الباب أمام ملاحقة القائمين على المواقع، سواء من خلال الحجب أو البلاغات والإجراءات القضائية.

وشددت على أن استقلال القضاء والحق في التقاضي يمثلان وسيلتين أساسيتين للدفاع عن الحقوق، لكنها تمسكت في الوقت نفسه بضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع، مؤكدة ضرورة مراجعة إجراءات التعامل مع طلبات الترخيص ومدى توافقها مع قانون تنظيم الصحافة والإعلام ولائحته التنفيذية.

وأشارت إلى أن المادتين 12 و16 من اللائحة التنفيذية تلزمان المجلس بإخطار مقدم الطلب لاستيفاء البيانات الناقصة، والبت في الطلب خلال المدد القانونية، وإبلاغ صاحبه بالقرار بكتاب مسجل موصى عليه بعلم الوصول، بما يتيح له الطعن أمام القضاء الإداري.

اعتبرت النقابة أن عدم الرد على طلبات الترخيص أو عدم إخطار أصحابها بالقرارات يمثل مخالفة إجرائية تمس حقوق مقدمي الطلبات

واعتبرت النقابة أن عدم الرد على طلبات الترخيص أو عدم إخطار أصحابها بالقرارات يمثل مخالفة إجرائية تمس حقوق مقدمي الطلبات، وأن معالجة الخلافات المتعلقة بالترخيص ينبغي أن تتم عبر المسار القانوني والإجراءات الإدارية، وليس من خلال المساءلة الجنائية.

وفي السياق ذاته، تقدم نقيب الصحافيين خالد البلشي بمذكرة إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أكد فيها ضرورة الالتزام بأحكام اللائحة التنفيذية، التي تلزم المجلس بإخطار مقدم الطلب لاستيفاء أي بيانات ناقصة، والبت في طلب الترخيص أو رفضه خلال 90 يومًا، مع إخطاره بالقرار رسميًا.

وتواجه النصوص المنظمة لمنح تراخيص المواقع الإلكترونية في قانون تنظيم الصحافة والإعلام انتقادات نقابية وحقوقية، باعتبار أن بعض شروطها تضع عقبات أمام المواقع المستقلة في تقنين أوضاعها.

ويرى وكيل نقابة الصحافيين محمد سعد عبد الحفيظ أن عددًا من هذه النصوص يتعارض مع الدستور، الذي يكفل حق إصدار الصحف بمجرد إخطار الجهات الإدارية المعنية، دون اشتراط الحصول على موافقة مسبقة أو ترخيص إداري.

ولفت عبد الحفيظ، في منشور على صفحته بموقع فيسبوك، إلى تعارض تلك النصوص مع حكم سابق للمحكمة الدستورية العليا قضى بعدم دستورية القيود والشروط التي تحول الإخطار إلى ترخيص إداري.

موقف أوروبي

وعلى الصعيد الدولي، دعا الاتحاد الأوروبي مصر إلى حماية وسائل الإعلام المستقلة وصون حرية التعبير وإبداء الرأي.

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية أنور العنوني، إن القوانين المصرية تقر الحق في حرية الرأي والتعبير باعتباره حقًا أساسيًا، مضيفًا أن الحفاظ على وسائل الإعلام المستقلة وحمايتها أمران أساسيان. ولفت إلى أن العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، بما فيها اتفاقية الشراكة، تقوم على التزام مشترك بالقيم العالمية للديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *