لا تحولوا الجنوب إلى احتياط لإخفاقات إيران


بيروت ـ «القدس العربي» ووكالات: يستمر الترقب في لبنان لملف المواجهة المرتقبة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتداعياتها على لبنان خصوصاً في حال انخراط «حزب الله» في هذه المواجهة، وسط استعدادات إسرائيلية واستمرار الاعتداءات وأعمال التفجير والتجريف والتهديم في الجنوب والتلويح بتوسيع العمليات العسكرية، ما يجعل الجبهة اللبنانية معرّضة لحرب جديدة. وأمس شن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، غارات جوية وقصفاً مدفعياً على مناطق متفرقة من جنوبي لبنان، ونفذ عملية تفجير وإحراق منازل.
وأفادت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية بأن طائرات إسرائيلية شنت غارة على أطراف بلدة كفرتبنيت، فيما تعرضت أطراف بلدة برعشيت لقصف مدفعي إسرائيلي وفقاً لوكالة الأناضول. وأضافت أن الجيش أحرق منازل في بلدة زوطر الشرقية بقضاء النبطية، كما نفذ عملية تفجير في بلدة القنطرة وسط إطلاق نار بالأسلحة الرشاشة. وفي قضاء صور، حلقت مسيرة إسرائيلية على ارتفاع منخفض في أجواء المدينة وبلدات القضاء، وفقاً للمصدر ذاته.
كما نفذ الجيش الإسرائيلي غارة وهمية في أجواء الحدود الشمالية لمنطقتي عكار (شمال) والهرمل (شرق). ولم ترد في المعلومات المتاحة حصيلة لضحايا القصف الإسرائيلي الذي استهدف البلدات الجنوبية، الثلاثاء. وتواصل إسرائيل عدوانها على لبنان رغم اتفاق «صيغة الإطار»، الذي توصلت إليه بيروت وتل أبيب في 26 يونيو/ حزيران الماضي، وينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي التي تحتلها إسرائيل، مقابل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة. ويتضمن الاتفاق اعتماد مبدأ «المناطق التجريبية» لتنفيذ بنوده، غير أن تطبيقه اقتصر على 3 بلدات في قضاء النبطية، هي فرون وصريفا وزوطر الغربية، فيما لا تزال أكثر من 50 بلدة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

صيادو جنوب لبنان: «زوارق إسرائيل تلاحقنا والبحر يضيق بنا» وهبوط السياحة البحرية

وقد حضرت أوضاع المنطقة في كلمة لعضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسين الحاج حسن في احتفال في البقاع، أكد فيها «أن مشاريع أمريكا في المنطقة هي تمهيد الطريق للكيان الغاضب للسيطرة والهيمنة، والمقاومة لن تسمح بذلك»، معتبرًا «أن التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية اللبنانية، يهدف إلى تأزيم البلد على كل المستويات، في القضاء والسياسة والاقتصاد». وأضاف «نقول للسلطة الخاضعة للإملاءات الأمريكية، من المخزي أن تذهبوا لمعاداة المقاومة، وتتهموا شبابها بتهديد أمن الدولة، وتصمتوا أمام غطرسة العدو الصهيوني الذي يحتل الأرض اللبنانية ويرتكب المجازر ويدمر البيوت والممتلكات في جنوب لبنان».

نداء جبل عامل

في المقابل، علت أصوات تحذّر من دخول «حزب الله» في الحرب، وصدر عن أبناء جبل عامل وجنوب لبنان بيان جاء فيه: «الجنوب ليس جغرافيا للآخرين، نتوجه بهذا النداء إلى الرؤساء الثلاثة وإلى أهلنا على امتداد الأراضي اللبنانية، محذرين من خطورة اللحظة، وداعين إلى تحرّك سريع وفاعل قبل وقوع الواقعة. إن جبل عامل جزء أصيل من الجنوب، وشريك تاريخي في تكوين لبنان الكبير وحماية استقلاله ووحدة أراضيه. لكننا نرفض أن يبقى أسير لعنة الجغرافيا التي كلّفته أثماناً باهظة من رصيد انتمائه وعلاقته بالدولة ومصلحة أبنائه، وآخرها ضريبة «وحدة الساحات» التي حوّلته إلى ساحة ملحقة بصراعات إقليمية ومشاريع تتجاوز حدوده وقدرات أبنائه». ورأى البيان «أن الخطر اليوم بات وجودياً، يهدد الجغرافيا والديمغرافيا معاً، وينذر بنكبة اقتلاع لأهل جبل عامل على غرار النكبة الفلسطينية، بعدما صعّدت إسرائيل وتيرة عدوانها على أرضنا، وبعدما استعاد المرشد الإيراني في تصريحاته الأخيرة خطاب «وحدة الساحات». ونعلن، استباقياً، رفضنا تحويل جنوب لبنان إلى احتياط جغرافي لإخفاقات إيران في الميدان، أو زجّ أبنائه مجدداً في حرب لا يملكون قرارها ولا تعنيهم أسبابها».

وأضاف البيان «يعيش الجنوبيون أشد لحظات القلق والخوف؛ فبدلاً من النضال من أجل العودة إلى بلداتهم وقراهم والتمسك بالبقاء فيها، يجدون أنفسهم أمام احتمال نزوح جديد. وكل الخوف أن يتحول النزوح المؤقت هذه المرة إلى لجوء دائم»، داعياً «الرؤساء الثلاثة إلى تحمّل مسؤولياتهم الدستورية وتصعيد تحركهم السياسي والدبلوماسي للجم أطماع إسرائيل وإفشال مخططها التوسعي، والضغط على المجتمع الدولي وأصدقاء لبنان لضمان عدم استئناف العدوان عليه، حتى في حال تجددت الحرب الإقليمية، ومنع تحويله مجدداً إلى ساحة لتصفية حسابات المنطقة».
وتوجه الموقعون على النداء «إلى الذين يتصدون لتمثيل الطائفة الشيعية ويتولون مواقع دستورية وتشريعية وتنفيذية وروحية في الدولة اللبنانية» بالقول «إن ما يُنقل عنكم من تمايز عن موقف «حزب الله»، شريككم التاريخي في قرار الطائفة، لا ينبغي أن يبقى في حدود التسريبات والهمس السياسي، بل يجب أن يتحول إلى موقف علني وصريح يتناسب مع خطورة اللحظة التي يمر بها الجنوب وجبل عامل. إن إنقاذ الجنوب والحؤول دون تعريض أهله لحرب مدمرة يهددان وجودهم واستقرارهم، يفرضان شجاعة سياسية في إعلان الموقف، حتى لو انعكس ذلك على علاقتكم بشريككم في الثنائي. فهذه لحظة الحقيقة، ولا يجوز أن تتقدم اعتبارات الشراكة السياسية على مسؤولية حماية الناس وإنقاذ الجنوب». وختم «إن موقعكم ومسؤوليتكم يفرضان الانتقال من التمايز المتداول في المجالس إلى مبادرة سياسية علنية تنهي ازدواجية القرار، وتمنع زجّ لبنان في حرب جديدة، وتسحب من إسرائيل ذرائع استئناف عدوانها. نريد دولة تحمينا، وقيادة تفاوض باسمنا، وقراراً وطنياً يصون سيادتنا وكرامتنا».

«الكتائب»: حظر النشاط العسكري

كذلك، حذّر حزب الكتائب «من جرّ «حزب الله» لبنان إلى حرب إسناد جديدة تطيح بما تبقى من الجنوب وتعرّض اللبنانيين لمزيد من الدمار والتهجير»، مطالباً «الحكومة بوضع آليات واضحة للتنفيذ الفعلي والفوري لقراراتها وحصر السلاح وحظر النشاط الأمني والعسكري لـ«حزب الله»».
واعتبر نائب عكار وليد البعريني «أن «حزب الله» يعمل بأجندة غير لبنانية». من ناحيته، أوضح النائب أشرف ريفي أنه «يضم صوته إلى أصوات أهلنا في الجنوب، هذه الأصوات الحرة والصريحة»، وقال «أعلن تضامني الكامل مع نداءاتهم الوطنية المُحقة، من نداء النبطية الأول، إلى نداء جبل عامل، وصولاً إلى النداء الثالث»، معتبراً «أنها نداءات تحمل رسالة واحدة: الخوف على الجنوب وأهله، والتحذير من تحول النزوح المؤقت إلى اقتلاعٍ دائم من الأرض».
أما رئيس «حركة التغيير» ايلي محفوض فرأى أنه «‏كانت أمام لبنان فرصة حقيقية للخروج من قبضة الميليشيا واستعادة دولته وسيادته، وكانت الإشارات الدولية واضحة والباب مفتوحًا أمام تسوية تنقذ البلد من الانهيار.. لكن «حزب الله» اختار مجددًا التلاعب بالأمن والرهان على عامل الوقت والمناورة، ظنًا منه أن بإمكانه تفويت فرصة الإنقاذ وفرض وقائع جديدة غير مدرك أن الفرص الدولية لا تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية».

«البحر يضيق بنا»

صور (جنوب لبنان) ـ الأناضول: ضيّقت القيود الإسرائيلية المفروضة قبالة سواحل جنوب لبنان مساحات الصيد المتاحة أمام الصيادين، ما أدى إلى تراجع إنتاجهم وتفاقم أزمتهم المعيشية، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف الإبحار والصيانة. وقال نقيب صيادي الأسماك سامي رزق لوكالة الأناضول إن أعداد الصيادين تختلف من مرفأ إلى آخر جنوبي لبنان، موضحا أن مرفأ الناقورة كان يضم نحو 100 صياد قبل توقف العمل فيه، فيما يضم مرفأ صور نحو 400 صياد. وأضاف أن عدد الصيادين في مرفأ الصرفند يتراوح بين 400 و450 حسب الموسم، فيما يتراوح عددهم في صيدا بين 200 و250.

تفجيرات في كونين والقنطرة وزوطر وغارة على كفر تبنيت وتحليق للطيران المعادي بلغ الهرمل وعكار

ومع توقف العمل في مرفأ الناقورة جراء الأوضاع الأمنية وسيطرة القوات الإسرائيلية على أجزاء من المنطقة ومحيطها، انتقل عشرات الصيادين بمراكبهم إلى مرافئ أخرى، ولا سيما صور، فيما لا تتوافر أرقام رسمية بشأن عددهم أو المصير المهني لبقية الصيادين. وقال مدير المركز اللبناني للغوص في صور يوسف الجندي للوكالة نفسها إنه «مع بداية الحرب وإخلاء بلدات ساحلية جنوبي لبنان، نقل عشرات الصيادين مراكبهم إلى صور، ما أدى إلى زيادة عدد الصيادين واشتداد المنافسة على المساحات البحرية المتاحة».
وأوضح رزق أن المنطقة البحرية الممتدة جنوب مدينة صور كانت، قبل الحرب، من أبرز مناطق الصيد وإنتاج الأسماك، إلا أن التطورات العسكرية حرمت الصيادين من الوصول إلى أجزاء واسعة منها. من جانبه، قال الجندي إن القيود الإسرائيلية على الصيادين في الجنوب كانت قائمة حتى قبل اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وأوضح أن صيادي مدينة البترون شمالي لبنان يمكنهم الإبحار لمسافات تصل إلى 12 ميلا بحريا، في حين لا يُسمح لصيادي الجنوب بتجاوز 6 أميال بحرية، وفق تقديرات ميدانية تحدث عنها. وأضاف أن القيود ازدادت منذ اندلاع الحرب، وباتت مناطق بحرية إضافية خارج نطاق وصول الصيادين.
وقال الجندي للأناضول إن المنطقة الممتدة من الناقورة في اتجاه الجنوب كانت تتميز بوفرة الأسماك وتنوعها، لكونها شبه مفتوحة على الساحل الفلسطيني المحتل، حيث يكون ضغط الصيد أقل. وإلى جانب القيود والمخاطر الأمنية، ذكر الجندي أن التشويش الإسرائيلي على نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» لا يزال مستمرا، ما يزيد من مخاطر الإبحار.
وأكد أن القيود لا تقتصر على منع الصيادين من الاقتراب من مناطق معينة، بل تشمل أيضا وجود زوارق إسرائيلية قبالة الناقورة تقترب أحياناً من منطقة المنصوري.
وقال رزق إن الصيادين يواجهون صعوبات أمنية تحول دون وصولهم إلى مناطق الصيد المعتادة، مضيفا أنهم لم يعودوا قادرين على التوجه إلى مساحات بحرية واسعة بسبب المخاطر المرتبطة بالوضع الأمني.
وأوضح أنه عندما تقترب زوارق الصيادين نهاراً من بعض المناطق البحرية، تلاحقها زوارق إسرائيلية سريعة وتطلق النار في محيطها، ما يدفع الصيادين إلى الابتعاد والعودة إلى مناطق أكثر أمانا. وأضاف أن إطلاق النار لا يستهدف الصيادين دائما بصورة مباشرة، لكنه يشكل تهديدا لحياتهم ويمنعهم من مواصلة عملهم.

تراجع إنتاج الأسماك

وقال الجندي إن المنطقة الممتدة من الناقورة في اتجاه الجنوب كانت تتميز بوفرة الأسماك وتنوعها، لكونها شبه مفتوحة على الساحل الفلسطيني المحتل، حيث يكون ضغط الصيد أقل. وحسب الجندي، تتحرك أنواع من الأسماك من الجنوب نحو الشمال، ما يجعل منطقة الناقورة غنية بالأسماك الكبيرة وأنواع أخرى، إلا أن تعذر الوصول إليها أدى إلى تراجع إنتاج الصيادين.
وإلى جانب القيود والمخاطر الأمنية، ذكر الجندي أن التشويش الإسرائيلي على نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» لا يزال مستمرا، ما يزيد من مخاطر الإبحار. وقال إن تأثير التشويش لا يخلق صعوبة في الوصول إلى المواقع البحرية فحسب، بل قد يؤدي أيضا إلى أخطاء في تحديد المواقع والمسافات والأعماق، بما يشكل خطرا على الصيادين والمراكب. وحذر من أن نقص الخبرة بالإبحار في بحر صور، ولا سيما لدى الصيادين الجدد، يزيد من مخاطر الضياع ووقوع الحوادث، مشيرًا إلى وجود صخور بحرية قد لا تكون ظاهرة في السواحل اللبنانية، ما يجعل الخطأ في تحديد الموقع خطرا على سلامة المراكب.
** خسائر في السياحة البحرية

ولا تقتصر تداعيات القيود البحرية على الصيد، بل تمتد إلى الغوص والسياحة البحرية. وقال الجندي إن بعض المواقع التي كانت تشكل وجهات أساسية لرحلات الغوص باتت خارج نطاق الوصول، ولا سيما الكهوف البحرية في البياضة بأقصى الجنوب، حيث كانت تستقطب هواة الغوص والسياح.
وأضاف أنه كان ينظم رحلات أسبوعية إلى تلك المواقع، إلى جانب مناطق بحرية بين الناقورة والبياضة تضم مواقع غوص مميزة على عمق 14 مترا، إلا أن هذه الرحلات توقفت وأصبح الوصول إلى عدد من المواقع متعذراً.
ولا تقتصر معاناة الصيادين على المخاطر الأمنية، إذ يواجهون أيضا ضغوطا اقتصادية ناجمة عن ارتفاع تكاليف الإبحار والصيانة، ولا سيما أسعار المحروقات.
وقال رزق إن ارتفاع أسعار المحروقات جعل كثيراً من الصيادين غير قادرين على تحمل كلفة الإبحار يوميا، فيما تراجعت الجدوى الاقتصادية للصيد مع انخفاض الإنتاج.
وأضاف أن العائد اليومي لم يعد في كثير من الأحيان كافياً لتغطية تكاليف الإبحار والصيانة وأجور العمال، مطالباً الدولة اللبنانية بتقديم دعم للصيادين في الجنوب.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *