“الفدي العربي”: في سلسلة قرارات متزامنة، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي تغييرات في قيادات السلطة المحلية والمؤسسات العسكرية والأمنية، شملت ست محافظات، في خطوة تثير تساؤلات بشأن أهدافها ودلالات توقيتها، خصوصًا مع تصاعد المواجهات العسكرية في عدد من جبهات البلاد.
والاثنين، أصدر العليمي قرارات قضت بتعيين اللواء رشاد أحمد اليوسفي عضوًا في اللجنة العسكرية العليا ومسؤولًا عن جبهة تعز، كما عيّن اللواء مجدي مناضل ثابت قائدًا لمحور طور الباحة، ضمن تغييرات شملت أيضًا رئاسة أركان المحور وقيادته العملياتية، وفق وكالة الأنباء اليمنية “سبأ”.
سبق ذلك، الأحد، صدور قرارات بتعيين محافظين لمحافظتي الجوف والبيضاء، إلى جانب تعيين قائد للمنطقة العسكرية الثانية، ومدير لشرطة ساحل حضرموت، وآخر لشرطة محافظة الضالع.
وشملت التغييرات إعادة أمين علي العكيمي إلى منصب محافظ الجوف، مع تكليفه بقيادة المحور العسكري في المحافظة، خلفًا لحسين العواضي الذي عُيّن محافظًا للبيضاء.
يُجمع خبراء ومحللون على أن أهمية هذه القرارات لا تقتصر على تغيير شاغلي المناصب، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة المواقع التي شملتها، إذ تجمع بين مناطق التماس العسكري مع جماعة الحوثي ومحافظات ذات ثقل اقتصادي وجغرافي وأمني
يُجمع خبراء ومحللون على أن أهمية هذه القرارات لا تقتصر على تغيير شاغلي المناصب، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة المواقع التي شملتها، إذ تجمع بين مناطق التماس العسكري مع جماعة الحوثي ومحافظات ذات ثقل اقتصادي وجغرافي وأمني، ما يربط هذه التغييرات بترتيبات أوسع لإعادة توزيع النفوذ وتنظيم المؤسسات العسكرية والأمنية.
توازنات قبلية
تشير هذه القرارات، بحسب الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، عادل دشيلة، إلى محاولة لإعادة توزيع النفوذ في هذه المناطق والاستعداد لعمليات عسكرية قد تكون واسعة النطاق، ولا سيما في الجوف والبيضاء.
ويحمل قرار تعيين أمين العكيمي محافظًا للجوف، وفق دشيلة، دلالات تتجاوز التغيير الإداري، بالنظر إلى انتمائه للمحافظة ومكانته القبلية، فضلًا عن التداعيات التي خلفها سقوطها بيد الحوثيين عام 2020. ويرى أن عودته، بوصفه أحد أبناء المحافظة والمسنود برجال القبائل، قد تتيح فرصة لاستعادتها من الحوثيين، إذا جرى ترتيب الصفوف وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية والمكونات القبلية، بدعم من السعودية.
تولى العكيمي منصب محافظ الجوف منذ عام 2016، قبل إقالته في أكتوبر/تشرين الأول 2022.
ويأتي تعيينه مجددًا في ظل تصاعد التحركات العسكرية على جبهات الجوف، وإحراز القوات الحكومية تقدمًا شرقي مدينة الحزم، عاصمة المحافظة.
ويرى دشيلة، في سياق حديثه لـ”القدس العربي”، أن نقل محافظ الجوف السابق إلى منصب محافظ البيضاء يأتي في إطار “محاولة لإيجاد نوع من التوازن وإعادة توزيع النفوذ” في هذه المحافظات، في ظل الصراع العسكري القائم، مع مراعاة “العوامل القبلية والاجتماعية والسياسية والعسكرية”. ويشير إلى أن المحافظ “لم يكن يحظى بقبول بعض القوى السياسية والرموز القبلية” في الجوف.
وتخضع معظم مناطق البيضاء لسيطرة الحوثيين، وتكتسب المحافظة أهمية استراتيجية بسبب موقعها في وسط اليمن، واتصالها بحدود مع ثماني محافظات، أربع منها شمالية وأربع جنوبية.
وتتوزع السيطرة في الجوف بين القوات الحكومية والحوثيين، الذين يسيطرون على مركز المحافظة، مدينة الحزم، ومناطق أخرى.
وتكتسب المحافظة أهمية استراتيجية لموقعها الحدودي مع السعودية، ومجاورتها محافظات عمران وصعدة وصنعاء الخاضعة للحوثيين، ومحافظتي مأرب وحضرموت الخاضعتين للحكومة.
إعادة ترتيب الجبهات
لا تنفصل هذه التغييرات، بحسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة تعز الدكتور عبد القادر الخلي، عن مساعٍ لإعادة ترتيب مراكز القيادة والنفوذ، وربط الإدارة السياسية والعسكرية بتطورات الصراع ومستقبل السيطرة على الأرض والقرار، بما يعزز “توحيد القرار السياسي، وإعادة تنظيم القوات العسكرية تحت قيادة واحدة”، ويحد من تعدد مراكز القرار.
وفيما يتعلق بتعيين قيادة جديدة لمحور طور الباحة في لحج، يرى الخلي أن الخطوة تستهدف إعادة ترتيب مسرح العمليات وسد الثغرات والاختلالات العسكرية التي أفرزتها القيادة السابقة، إلى جانب الدفع باتجاه استعادة المرتفعات التي خسرتها القوات الحكومية لصالح الحوثيين.
وتكتسب هذه المرتفعات أهمية عسكرية لكونها مواقع حاكمة تشرف على مناطق الوازعية والساحل الغربي، وتوفر حماية للقوات المتمركزة فيهما. ويربط الخلي هذه التغييرات بالاستعداد لمعركة محتملة لفك الحصار عن تعز، الذي وصفه بأنه “هدف استراتيجي للحكومة”.
ولا تقتصر أهمية هذه المواقع على جبهة تعز، إذ إن استعادتها من شأنها، وفق القراءة ذاتها، الحد من تقدم الحوثيين باتجاه لحج ومحور طور الباحة، ومن ثم منع امتداد التهديد نحو عدن.
منذ 30 أكتوبر/تشرين الأول، تشهد جبهات ريف لحج تصعيدًا عسكريًا، عقب هجوم شنته جماعة الحوثي على مواقع القوات الحكومية في مديرية المقاطرة، وسيطرتها على مواقع في المنطقة الجبلية المطلة على الطريق الرابط بين تعز وعدن
منذ 30 أكتوبر/تشرين الأول، تشهد جبهات ريف لحج تصعيدًا عسكريًا، عقب هجوم شنته جماعة الحوثي على مواقع القوات الحكومية في مديرية المقاطرة، وسيطرتها على مواقع في المنطقة الجبلية المطلة على الطريق الرابط بين تعز وعدن.
وأجبر الهجوم القوات الحكومية على التراجع باتجاه طور الباحة، حيث استمرت الاشتباكات عند معسكر يقع على مدخل المديرية، على بعد نحو 80 كيلومترًا من مدينة عدن التي تتخذ منها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا مقرًا لها وعاصمة مؤقتة للبلاد.
كما تشهد جبهات محافظة تعز مواجهات متواصلة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، التي تسيطر على معظم مناطق الريف، فيما تفرض القوات الحكومية سيطرتها على مدينة تعز ومناطق أخرى، وسط استمرار الاشتباكات على خطوط التماس بين الطرفين.
أما التغييرات في قيادة المنطقة العسكرية الثانية وشرطة ساحل حضرموت، فهي تأتي في إطار توجه نحو إعادة ترتيب المؤسستين العسكرية والأمنية، بحسب الخلي، مشيرًا في تصريح لـ”القدس العربي”، إلى أن نجاح ذلك يتطلب مرجعية موحدة تنهي ازدواجية القرار وتضمن خضوع التشكيلات لسلطة الدولة، مع مراعاة خصوصية المحافظة ومكوناتها المحلية.
تُعد حضرموت أكبر المحافظات اليمنية مساحة، وتمتد على شريط ساحلي طويل مطل على بحر العرب، كما تمتلك موارد نفطية وموانئ، وتشترك في حدود مع السعودية وسلطنة عُمان، ما يمنحها أهمية اقتصادية وجغرافية وأمنية.
هل تتغير موازين القوى على الأرض؟
لا يفصل دشيلة التعيينات العسكرية والأمنية عن مساعي تغيير موازين القوى ميدانيًا، خصوصًا في المناطق الشرقية، وفي مقدمتها قرار تعيين قيادة جديدة للمنطقة العسكرية الثانية.
ويضع هذه الخطوات ضمن محاولات لإحداث تحول في موازين القوى العسكرية، بعد الخسائر التي منيت بها الحكومة في مناطق من تعز والساحل الغربي، وفق تقديره.
ويطرح الباحث اليمني تساؤلًا بشأن مدى قدرة إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري والتنفيذي في هذه المناطق على تغيير موازين القوى لصالح الحكومة اليمنية، مشيرًا إلى أن الأيام المقبلة ستكشف نتائج هذه الخطوات.
في المقابل، يرى الخلي أن القرارات تمثل محاولة لربط إعادة ترتيب مؤسسات الدولة بالتحولات الجارية على الأرض، لكنه يشدد على أن نجاحها لن يُقاس بعدد القرارات أو أسماء المعيّنين، وإنما بقدرتها على إنتاج واقع مختلف يقوم على جيش وطني موحد، ومؤسسة أمنية مهنية، وسلطة محلية فاعلة، وقرار سياسي يمتلك أدوات تنفيذه.
ويشهد اليمن منذ أكثر من شهر تصعيدًا عسكريًا متواصلًا، عقب إطلاق القوات الحكومية، في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عملية “فجر اليمن” لاستعادة مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين، وفي مقدمتها العاصمة صنعاء.
وجاءت العملية بعد تصعيد بدأته الجماعة في يوليو/تموز 2026، وُصف بأنه الأوسع منذ الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة أبريل/نيسان 2022.