من المجر إلى صربيا والهند والبرازيل… الفساد يتصدر قائمة اهتمامات الناخبين فهل سيدفع الجمهوريون ثمن فسادهم؟


لندن- “القدس العربي”: هل ستكون الولايات المتحدة آخر بلد في العالم يعاقب فيه الناخبون الفاسدين والمحسوبية؟

يرى إيساك ستانلي بيكر في مجلة “ذي أتلانتك” أن هذا السيناريو ممكن في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية ومشكلة الوفرة التي يعاني منها المستهلك الأمريكي بسبب سياسة التعرفات الجمركية والحرب الاختيارية التي شنها الرئيس دونالد ترامب ضد إيران.

وبدأ تقريره بالقول إن نيكول إرفين منحت صوتها لدونالد ترامب ثلاث مرات، لاعتقادها بامتلاكه حسا تجاريا ولأنها كانت معجبة بصراحته غير الملتزمة بتقاليد الأدب واللياقة السياسية. وقالت: “أحب صراحته”.

والتقى الكاتب بها في موقف سيارات مركز “وول مارت سوبر سنتر” في ليفيت تاون، بنسلفانيا، وهي ضاحية سكنية تم تصميمها تقع في الدائرة الانتخابية الأولى للولاية وساحة معركة انتخابية في انتخابات التجديد النصفي.

وقد اعتادت إرفين أن تستقي أخبارها من المعلقة اليمينية كانديس أوينز، وبكت عندما قُتل تشارلي كيرك العام الماضي. لكنها توقفت في الآونة الأخيرة عن متابعة رسائل الحزب الجمهوري لأنها تناقض تماما تجربتها الشخصية.

ولكنها دفعت للتو 10 دولارات مقابل شاحن هاتف، حيث كسر ابنها شاحنها القديم، وتذكرت عندما دفعت نصف هذا المبلغ سابقا، حيث “سألت البائعة: هل يوجد قسم للتخفيضات؟.

كان المبلغ كبيرا لأن إرفين، التي تعمل في شركة لإصلاح الإطارات، وتعيش على راتبها الشهري.

وفي غضون ذلك، ترى السياسيين يحمون ثرواتهم، ولا تتذكر أن الجشع كان بهذا الوضوح كما كان في عهد ترامب. وقالت: “إنهم جميعا يعقدون صفقات فيما بينهم”.

وأضافت المجلة أن الفساد يتصدر قائمة اهتمامات الناخبين في استطلاعات الرأي الأخيرة، ويهيمن على خطاب الديمقراطيين، ويجبر الجمهوريين على الدفاع عن مواقفهم في الولايات المحافظة. وإذا كان هذا يمثل تحولا حادا عن الانتخابات الأمريكية الأخيرة، التي لعبت فيها هذه الادعاءات دورا ثانويا نسبيا، فإنه يعكس اتجاها عالميا متزايدا.

ففي جميع أنحاء العالم، أثارت ردة فعل عنيفة ضد الفساد، حماس الناخبين وأضعفت السياسيين الشعبويين اليمينيين. والآن، قد يلعب دورا حاسما في انتخابات التجديد النصفي.

ولاحظ  الكاتب هذا الأمر لأول مرة في المجر مطلع هذا العام، فقد أطيح بفيكتور أوربان، حليف الرئيس ترامب ونموذج حركته “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، في نيسان/أبريل بعد 16 عاما في السلطة. وقد سأل مديره السياسي السابق، بالاز أوربان، عما إذا كان يرى أوجه تشابه بين الحملة التي كلفت رئيسه منصبه، والمنافسة التي قد تنهي سيطرة الجمهوريين على الكونغرس.

ومثل ترامب، واجه رئيس الوزراء الذي شغل المنصب لفترة طويلة اتهامات بالفساد في انتخابات سابقة، لكنه فاز رغم ذلك.

وسأل أوربان: “لماذا؟”. فأجاب: “الأمر يتعلق بالاقتصاد، إذا شعر الناس أن الاقتصاد يسير في اتجاه جيد، يقولون: حسنا، هناك بعض الأثرياء، لكننا أيضا نعيش حياة جيدة”.

ويرى أوربان أن هذه كانت بنود عقد اجتماعي أساسي و”المشكلة الآن هي أن الناس يشعرون بأنهم لا يعيشون حياة جيدة، لذا يريدون من السياسيين الالتزام بالاتفاق الاجتماعي: إذا عانينا، فعلينا أن نعاني معا”.

ويعلق الكاتب أن آثار هذا الارتداد، قد تكون بنفس القدر من الخطورة في الولايات المتحدة، حيث بلغت تصورات الفساد الحكومي مستويات قياسية هذا العام، وفقا لمؤسسة غالوب. وبناء على هذا المؤشر، تتفوق الولايات المتحدة الآن على معظم الاقتصاديات المتقدمة الأخرى. وإذا لاقى شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” المصير نفسه في انتخابات التجديد النصفي كما لاقته الأحزاب اليمينية الراسخة الأخرى حول العالم، فسيؤشر إلى أن التاريخ يتجه نحو مسار جديد وغير متوقع. فقد جلب انتهاء الحرب الباردة انتشار الديمقراطية الليبرالية على النمط الغربي.

وفي العقد الثاني من الألفية، شهدت النزعة القومية والشعبوية السلطوية ورأسمالية المحاسيب، وهي سمات روسيا في عهد فلاديمير بوتين، رواجا كبيرا، كما أشار المؤرخ تيموثي سنايدر.

وفي المجر وصربيا، وهما دولتان تقعان على مفترق طرق الشرق والغرب، مالت الكفة الآن مجددا نحو الديمقراطية الليبرالية. وقد يحدث الشيء نفسه هذا الخريف في أمريكا. ومع اتساع فجوة الثروة العالمية، يستمر ظهور دينامية مشتركة في دول عديدة.

فقد ساهمت قرابة عامين من الاحتجاجات الطلابية المناهضة للفساد في صربيا، في الإطاحة بالزعيم القوي للبلاد، ألكسندر فوتشيتش، في انتخابات نهاية الأسبوع الماضي. وفي البرازيل، ربما كان استياء الناخبين من السياسات المشبوهة عاملا إيجابيا في فوز الرئيس الحالي. فقد تغلب لويس إيناسيو لولا دا سيلفا على منافسه فلافيو بولسونارو، الذي يخضع للتحقيق بتهم غسل الأموال والتهرب الضريبي.

وفي إسرائيل، قد يتمكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من البقاء في السلطة بعد مفاوضات ائتلافية مضطربة، إلا أن اتهامات الرشوة والاحتيال التي تلاحقه منذ فترة طويلة أضعفته. أما في الهند، فقد هزت المظاهرات المناهضة للفساد زعيمها القومي القوي، ناريندرا مودي، بعد أكثر من 12 عاما في السلطة.

ويقول الكاتب إنه ليس من الصعب فهم أن يكون تباهي سلوك النخب السياسية محلا لاستياء الجماهير وبخاصة أنه يحدث وسط أزمة غلاء المعيشة.

فقد كانت أهم ثلاث قضايا بالنسبة للناخبين في المجر، وفقا لاستطلاعات الرأي، هي غلاء المعيشة والتضخم وتدهورالخدمات العامة بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والفساد والحوكمة. ونقل الكاتب عن جزار متقاعد التقاه خارج بودابست قوله: “الحكومة موجودة لمصلحة أصدقاء الزعيم المستبد، وندفع جميعا الثمن”.

وبحلول نهاية ولاية أوربان، أصبح صهره وصديق طفولته المقرب من بين أثرى أثرياء البلاد. وقد صور حزب المعارضة، الذي فاز بأغلبية ساحقة في البرلمان ووضع زعيمه، بيتر ماغيار، في منصب رئيس الوزراء، الفساد على أنه شكل من أشكال السرقة. جادل ماغيار قائلا: “الأموال المسروقة يجب أن تستخدم لتمويل المعاشات التقاعدية وخدمات رعاية الطفل”.

ويحاول المرشحون في الولايات المتحدة إقامة صلة مماثلة. وقال جيمس تالاريكو، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية تكساس: “نواجه أزمة في القدرة على تحمل التكاليف بسبب أزمة الفساد”. أما جون أوسوف، العضو الديمقراطي الحالي في مجلس الشيوخ عن ولاية جورجيا، فقد عبّر عن الأمر بقوله: “الأسعار ترتفع بشكل جنوني بينما يجني الرئيس مليارات الدولارات”.

وحقق المقربون من ترامب مكاسب كبيرة أيضا، وأصدق مثال على ذلك ابنه الأصغر، بارون، البالغ من العمر 20 عاما، وهو طالب جامعي تقدر ثروته الصافية بنحو 150 مليون دولار، معظمها من شركة العملات الرقمية العائلية.

أما ثروة الرئيس نفسه، فتشير التقديرات إلى أنها نمت بنحو 2.7 مليار دولار منذ بداية ولايته الثانية، لتصل إلى حوالي 7 مليارات دولار.

ويضيف الكاتب أن الفساد، كما كان الحال في المجر، تصدر أولويات الأمريكيين. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته “فوكس نيوز” قبل فترة أن الفساد الحكومي هو أكثر ما يثير قلق الناخبين، متجاوزا التضخم وأسعار الوقود. وهذا الأمر يغير آراء الناخبين. فالناخبة إرفين من ولاية بنسلفانيا لا تنوي الإدلاء بصوتها يوم الثلاثاء. ويعد امتناعها عن التصويت، نظرا لعاداتها الانتخابية السابقة، خسارة للنائب الجمهوري الحالي، برايان فيتزباتريك، العميل السابق في مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي).

ولعل فيتزباتريك يستشعر خطورة قضية الفساد، فقد حاول استغلالها ضد منافسه الديمقراطي، بوب هارفي، مفوض المقاطعة. وتزعم لافتات الحملة الانتخابية، المعلقة بالقرب من موقف سيارات “وول مارت”، أن هارفي صوّت لصالح زيادة راتبه. (في عام 2022، وافق مجلس المقاطعة، الذي يضم ممثلين من الحزبين، على تعديلات طفيفة لمواكبة غلاء المعيشة لمسؤولي المقاطعة، على أن تدخل حيز التنفيذ بعد الانتخابات القادمة)، ولم ترد حملة فيتزباتريك على طلب للتعليق.

وعقد هارفي، وهو مدرس سابق للدراسات الاجتماعية، قبل فترة اجتماعه الجماهيري التاسع. وأخبر الكاتب بأن القضيتين الرئيسيتين اللتين أثارهما الناخبون باستمرار هما زيادة كلفة المعيشة والفساد. وقال: “أخيرا، بدأ الناس يثورون على حكومة لا تخدم مصالحهم”. ويزداد الألم حدة الآن لأن السكان قد استلموا للتو أول شحنة من زيت التدفئة. وفي الفعاليات الانتخابية، يسأله الناخبون عن فاتورة التدفئة “الفلكية”، ثم يكون السؤال التالي مباشرة: كيف سنغير واشنطن ونوقف هذا الفساد؟

وسأل الكاتب أوربان، الذي يتمنى فوز الجمهوريين، عما يمكن للحزب فعله لتهدئة مخاوف الناخبين. واقترح عليه ربما أن يحاول الرئيس التقليل من شأن الفساد أو مظاهره. فهو، في نهاية المطاف، يبني قاعة رقص فخمة بينما يتجاوز متوسط ​​سعر الديزل 6 دولارات للغالون، ضحك أوربان وقال: “نصيحتي هي مهاجمة الديمقراطيين، فهم يحاولون تصوير أنفسهم كمعتدلين، لكنهم ليسوا صادقين”. وهذا هو النهج الذي يتبعه العديد من الجمهوريين. والمشكلة هي أن استراتيجية مماثلة قد فشلت بالفعل في المجر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *