رحلة في مركب القراصنة


تخيل أنك في مركب في رحلة بحرية تحضر أمسية شعرية لأهم شعراء الحداثة العربية في العقود الثمانية الأخيرة، مثل بدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة وأمل دنقل ونزار قباني ومحمد الماغوط ومحمود درويش، فهم الذين يلقون قصائدهم الجديدة وهم في الوقت نفسه الجمهور، وأنت تستمع لآرائهم النقدية في أشعار بعضهم بعضا.
هذا ما فعله الشاعر الأردني عبد الله أبو شميس في مسرحيته الشعرية «قراصنة الشعر السبعة» الصادرة هذه السنة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بعد رحلة متميزة في الكتابة الشعرية أصدر خلالها ثمانية دواوين نال عليها مجموعة من الجوائز العربية المهمة.

والحقيقة أنني فوجئت وسعدت في الآن نفسه أن أقرأ مسرحية شعرية، بل مسرحيتين، فالكتاب ضمّ مسرحية ثانية بعنوان «حذاء أبيض كالموج»، بعد اختفاء غير مبرر لهذا النوع من الكتابة، ولست أدري حقيقة هل هي أزمة تأليف؟ أم أزمة نشر؟ أم هي ناتجة عن فك الارتباط بين الشاعر والخشبة؟ فحين نعود إلى ماضي هذا النوع الأدبي ونستذكر كباره من أحمد شوقي إلى علي أحمد باكثير وعبد الرحمن الشرقاوي، وصولا إلى صلاح عبد الصبور ومعين بسيسو نتفاجأ بعد ذلك بتفكك هذه السلسلة الذهبية حتى لا نقول انقطاعها، وحتى لا نظلم المسرحيات الشعرية تحديدا نشير إلى أن التراجع مس المسرحيات المكتوبة عموما بشعرها ونثرها، وصار الاتجاه إلى كتابة الرواية والسيناريو أسلم وأدسم، ومن يقارن ببساطة بين الجوائز المرصودة للمسرح، بتلك المرصودة للرواية أو الشعر يتبين له الفرق.

وتزيد أزمة المسرح الشعري لأنه يتطلب موهبتين: موهبة شاعر يبني الإيقاع والصور وموهبة مسرحي يبني الشخصيات والصراع، فالوصفة الناجحة لا بد لها من تكامل الموهبتين، حتى لا تغدو عرجاء. مع نقطة مهمة تفرض علينا التفريق بين المسرح الشعري وشعرية المسرح، فقد تكون المسرحية المكتوبة شعرا ضعيفة في بنيتها لكن شعريتها عالية بإيقاعها وصورها المميزة، ونجاح البناء الشعري لا يعني بالضرورة سلامة المعمار المسرحي.
راودتني هذه الخواطر وأنا أقرأ مسرحيتَيْ أبو شميس في تجربته المسرحية الأولى بعد نجاحاته في شعر التفعيلة، وهو لا يبتعد كثيرا عن ملعبه الأثير أي الشعر، فنصه كتب شعرا موزونا وشخصيات مسرحيته (ما عدا القبطان) جميعهم شعراء، وحتى مواضيع أحاديثهم في أغلبها تدور حول الشعر نقدا ونظما وإلقاء. وأحداث المسرحية الأولى «قراصنة الشعر السبعة» تدور أحداثها سنة 2008 ولم يأت هذا التاريخ اعتباطا، بل هو تاريخ وفاة محمود درويش آخر الشعراء التحاقا بمكان المسرحية، فكل شعرائها أموات قبل هذا التاريخ وكأن لقاءهم في البرزخ بين عالم الدنيا والعالم الآخر، أما مكانها فمركب غامض في قلب نهر أو بحر لا ندري.

ويجدر بنا التوقف عند العنوان، عتبة النص الأولى فهو لم يأت اعتباطا، يقول أبو شميس في لقاء له، إن فكرة القرصنة جاءت من أن محمود درويش في يوم وفاته كان يقرأ كتاباً عن تاريخ القرصنة مفتوحاً وموضوعاً في جارور إلى جانب تخته، «لذلك خطر لي أن أمنح هذا الكتاب المبهم عنواناً محدّداً هو «قراصنة الصومال»، وأن أجعل درويش يحمله معه إلى الأبديّة، حيث ستّة شعراء سبقوه إلى مركب هناك»، كما صرّح. فالقرصنة معادل موضوعي للشعر عند أبو شميس، حيث توحي الكلمة بالخروج عن القانون والتمرد والاستيلاء على الكنوز والشعراء «هم قراصنة اللغة، يسرقون من الواقع صوره، ومن التراث أساليبه، ومن الحداثة حرية التعبير»، والرقم سبعة بغض النظر عن بعده الرمزي والأسطوري راجع لذائقة الشاعر فلا يمكن – أو لا يريد – أن يُشرك جميع رواد الحداثة الشعرية في مسرحيته، وقد ذكر لنا مثالا ذكيا عن استبعاد عبد الوهاب البياتي وهو من روادها، نفهم منه أن أبو شميس غير معجب بتجربة صاحب «أباريق مهشمة» الشعرية، فأجرى بين الشعراء حوارا يسخر فيه السياب من البياتي في المقطع التالي: «الماغوط: أتراه البياتي؟/ السياب: لا يمكن ذلك فالغرفة حصرا للشعراء/ نزار: ناظم حكمت العربي إذن ليس بشاعر؟!/ السياب: البياتي ناظم.. وبلا حكمت!».

وليس هذا الرأي النقدي الوحيد في المسرحية، فقد نثر أبو شميس على لسان رواد الحداثة بعضا من الآراء الفنية ليس من الضروري أنه يتبناها، كجفاف الزخم الشعري حين تعلو بالشاعر سنّه «لا برق يزورك في الخمسين ولا الستين»، وهذا ما رآه منطبقا على نزار قباني، ذكر ذلك في تورية لطيفة «لكنك لم تمطر»، وأن هناك كلمات تصلح لشعر التفعيلة مثلا ولا تصلح للقصيدة العمودية مثل كلمة فايبر جلاس، فقد أجرى أبو شميس هذا الحكم على لسان نزار حين قال في المسرحية «لا يمكن أن تدخل هذه المفردة إلى الشعر الموزون، وأقصى ما يمكن أن تستخدم مثلي أخشابا وحبالا»، بل هناك حتى آراء عروضية برر بها الشاعر لنفسه الانتقال من تفعيلة إلى أخرى مثالا على تطويع الوزن للمعنى كما جاء على لسان السياب («فعلن» أسرع ولهذا جاءت بحوار الشخصين على عجل/ و»فعولن» أكثر ليناً تنساب مع الكاميرا للقرية وتعود/ أما «فاعلن» الأبطأ فهي الأنسب في تجسيد كمين المركب). وفي المسرحية لعبة لغوية طريفة حين نظم أبو شميس أربع قصائد تقمص فيها أسلوب نزار قباني ومحمد الماغوط ونازك الملائكة وأمل دنقل، في تمكّن لافت من أساليب الشعراء الأربعة في الكتابة الشعرية، رغم تباين قاموسهم الشعري وتقنيات التعبير عندهم، ويكاد يلتبس علينا مقطع مثل: «أكتب في الدقائق الأخيرة/ إليك يا فتاتي/ عن رحلتي الخطيرة/ يا ليتني يا حلوتي/ لم أعرف البحار/ وليتني لم أركب الأخطار». فنظنه لنزار قباني وهو لصاحب المسرحية.

اجتماع آباء الحداثة الشعرية العربية السبعة في مركب واحد لم يكن لاستعراض المقدرة الشعرية لعبد الله أبو شميس، بل هي أرواح حية تتعالق للإجابة على ما يشغلنا في رحلة غامضة لا نعرف إلى أين تقودنا، ومصالحة فنية بين طرائق مختلفة للشعر، بين من يرى الإيقاع عمود الشعر الفقري، ومن يراه قيدا يجب التخلص منه. وفيها أيضا إعادة اعتبار إلى صلاح عبد الصبور الذي يراه أبو شميس «الشاعر الذي قدّم أكثر التجارب الشعرية الحداثيّة تركيباً، من خلال مسرحه الشعريّ». وهو ما يحاول صاحب «قراصنة الشعر السبعة» اقتفاء أثره من خلال هذه المسرحية وأختها الصغرى «حذاء أبيض كالموج» اللتين ضمتهما مجموعة واحدة، والمسرحية الصغرى نص درامي مكثف يتخذ من فن المسرحية مطية لتمرير أسئلة وجودية، كالذاكرة والفقد والواقع والخيال، فظاهرا نحن أمام جريمة قتل محتملة لامرأة كانت ترافق رجلا على مركبه في عرض البحر، وفي العمق نحن أمام «محاكمة للذاكرة الإنسانية المتآكلة، حيث يتداخل الوهم بالحقيقة، ويضيع الحد الفاصل بين ما حدث بالفعل وما جرى في أحلام اليقظة»، في بناء فني من ثلاثة استجوابات بين محقق ومتهم، يعجز الرجل في الأول عن تذكر أبسط تفاصيل المرأة التي رافقته لسنوات، مبرراً ذلك بطغيان روتين صامت يجمع بين المقهى والمركب.

وتطغى على الاستجواب الثاني الأحلام حين تتحول النار الداخلية والتدخين إلى نوع من الاحتراق النفسي، بينما في الاستجواب الثالث تتضح بعض الحقائق من بينها اسم المرأة (خالدة) وتفاصيل أكثر عن ثيابها التي تتناوبها الزرقة والبياض. فتبرز في هذه المسرحية الشعرية القصيرة ثنائية البحر والمرآة، وثنائية الألوان: القميص الأزرق، الولاعة الزرقاء، الدخان الأزرق، الشفتان الزرقاوان، في مقابل الحذاء الأبيض كالموج. وكما في المسرحية الأولى -لا نعلم مصير الشعراء الذين اختفوا- لا نعلم أيضا في هذه المسرحية هل قتل الرجل خالدة؟ هل أهملها؟ هل اختارت هي أن تتلاشى في الماء؟ فالسؤال الحقيقي ليس ما حدث، بل كيف نحكي ما حدث في حضور ذاكرة متشظية غدت هي نفسها مسرح جريمة.
في «قراصنة الشعر السبعة» قدم لنا الشاعر والأكاديمي الأردني عبد الله أبو شميس تجربة شعرية مسرحية ذكرتنا بنوع أدبي كاد تغوّلُ الرواية أن يدفعه إلى الانقراض. وأعاد إلى ذاكرتنا المتكلسة نصوصا مثل «مجنون ليلى» و»مأساة الحلاج» و»ثورة الزنج» حين كان الشعر يعانق المسرح. فهل ستكون هذه التجربة بشارة باستعادة ماض جميل ظنناه ذهب ولن يعود؟!

شاعرة وإعلامية من البحرين



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *