رغم أهميتها القصوى كعنصر أساسي في الأفلام والدراما التاريخية، لم يلتفت أحد إلى التأريخ لدورها في صناعة الأعمال الفنية ذات الطبيعة الخاصة، كالأفلام والدراما التاريخية على سبيل المثال، باستثناء المخرج الكبير شادي عبد السلام الذي اعتنى بوجودها وبكسوتها التقليدية بوصفها كيانا مهما وضروريا في صناعة الفيلم التاريخي، وأحد عناصر تقريب الصورة الواقعية في أزمنة الصراع والمعارك الميدانية القائمة على المواجهة بالسيوف والرماح.
منذ أن بدأ إنتاج الأفلام والمُسلسلات التاريخية لم يتوقف استغلال الخيول العربية وتوظيفها داخل الأعمال الفنية الكُبرى، كونها من الأساسيات ولا تقل أهمية عن بقية العناصر الأخرى، إن لم تكن أهمها بالفعل، حيث لا يُمكن تنفيذ عمل فني تلفزيوني أو سينمائي به مشاهد قتالية ومواجهات بالسيوف إلا ويتحتم استخدام الخيول في إشارة صريحة لدورها في الغزوات والفتوحات التي تمت عبر العصور القديمة، قبل اكتشاف وسائل الحرب الحديثة.
المخرج شادي عبد السلام كما أسلفنا يكاد يكون هو الوحيد الذي اعتنى عناية فائقة بإبراز الدور التاريخي للخيول في المعارك الحربية القديمة، فهو من صمم الكسوة والأغطية الخاصة بها لتكون ظاهرة بوضوح في أفلام مثل «الناصر صلاح الدين» و«عنترة ابن شداد» وغيرها بما يؤكد تأثيرها في عملية الانطباع الواقعي المُستهدف للإقناع الإبداعي وتحقيق المصداقية المطلوبة لإرضاء المُشاهد.
الخيول كذلك لم يتم الاستغناء عنها في أي من مراحل الصناعة الدرامية والسينمائية، فمنذ فترتي الخمسينيات والستينيات اللاتي شهدتا ازدهاراً واضحاً في إنتاج الأفلام الدينية والتاريخية، كظهور الإسلام وفجر الإسلام والشيماء وفيلم بلال مؤذن الرسول وفيلم الهجرة وفيلم وإسلاماه، إذ كان للخيول دورها البارز في تنفيذ المعارك داخل ساحات القتال، كأنها بالضبط ضمن مجموعة الأبطال الرئيسيين الذين شاركوا بالجهد والموهبة في رسم الصورة الإبداعية بإتقان للوصول إلى مستوى البراعة المطلوبة في التجسيد والتوثيق.
وتتمثل موهبة الخيول في عملية التدريب القصوى التي تمر بها قبل البدء في التصوير بفترة كافية، لضمان جودة التنفيذ وتجنباً لأي اضطرابات مُحتملة قد تُفسد العمل الفني وتؤثر على مستواه.
وقد تخضع الاختيارات غالباً لبعض الاختبارات التي يُجريها الخبراء في تربية الخيول وترويضها ومعرفة سلالاتها، وقُدرتها على الاستجابة لأوامر من يُديرونها أثناء عملية التصوير والتنفيذ داخل اللوكيشن، وهذه بالطبع عملية شاقة وعلى مستوى من الخطورة والأهمية. وللخيول التي تُستخدم في المعارك الدرامية والسينمائية متعهدين متخصصين يعرفون كيف يسوقون لها ويرشدون المنتجين والمخرجين للمناسب منها، فليس كل الخيول سواء، فهناك تفاوت في الإمكانيات والاستعدادات، تماماً مثل العناصر البشرية، منها الموهوب ومنها من يحتاج إلى تدريب، وللخيول والأحصنة المُدربة سوق كأي سوق للاستئجار والتعاقد، فسوقها هو نادي الفروسية أو أي من المزارع المُختصة بالتربية والتدريب والإتجار إن لم يكن للنوادي علاقة مباشرة بهذا الشأن، كما تشتهر منطقة نزلة السمان بالهرم بأجود الخيول العربية وأمهرها.
وهناك مشاهد فنية بعينها لعب فيها الحصان دور البطولة بامتياز، كحصان سُراقة… الفارس الذي تعقب مسيرة الرسول في هجرته من مكة إلى المدينة واقتفى أثره، وحين وصل إلى غار ثور الذي كان يختبئ فيه النبي محمد من المُشركين، تقهقر الحُصان وامتنع عن السير ونفض من على ظهره فارسه الذي كان يمتطيه «سُراقة» فوقع وتراجع عن فكرة المُلاحقة والحصول على المكافأة المرصودة للإيقاع بالنبي وصاحبه أبي بكر الصديق، وهذا المشهد تكرر كثيراً وحفظه الجمهور المصري والعربي عن ظهر قلب.
غير أن الفيلمين الرئيسيين للمخرج الكبير مصطفى العقاد، أسد الصحراء «عُمر المختار» و «الرسالة» كان للخيول فيهما مشاهد عديدة أكدت البطولة المُطلقة للعنصر الحيواني الذي لا يُذكر اسمه بين الأبطال كعامل أساسي من عوامل النجاح والتأثير والإقناع برغم حضوره القوي والفعال.
وفي ظهور خاص كان للحصان أيضاً دوره البارز والموضوعي في فيلم «رسالة إلى الوالي» لعادل إمام، ذلك الفيلم الكوميدي الذي قُدمت أحداثه في إطار تاريخي عن شخصية حرفوش ابن برقوق الراكب دار، لنفض الغبار عن مواقف وبطولات تاريخية منسية لأبطال مجهولين، ففي هذا الفيلم ظهر البطل على ظهر الحصان في رحلة طواف بشوارع القاهرة وكان للمشهد دلالته الفنية الخاصة.
ولا يُمكن في هذا السياق تجاهُل مسلسل «الرجل والحُصان» الذي لعب بطولته الفنان الكبير الراحل محمود مرسي، في بادرة غير مسبوقة كشفت عن فكرة إنسانية تُنبه إلى أهمية هذا الحيوان الاستثنائي الذي لا ينتهي دوره عند مهامه التقليدية فقط كوسيلة انتقال تخدم الإنسان، وإنما تمتد وظائفه لما هو أبعد من ذلك بكثير، حيث التوظيف المهم في التشريفات العسكرية والمُناسبات الوطنية وماراثون السباق الذي تُقام عليه الرهانات، وهو ما أشير إليه في كثير من أفلام الأبيض والأسود التي قام ببطولتها عمر الشريف ورشدي أباظة وأحمد رمزي وحسن يوسف وغيرهم.
وهناك نجوم كبار من المصريين اشتهروا بحبهم للخيول وأُطلق عليهم لقب فرسان، من بين هؤلاء، أحمد مظهر وأنور وجدي وفريد شوقي وأحمد ماهر وأحمد السقا وآخرين.
ومما لاشك فيه أن السينما سلطت الضوء بقوة على الخيول وأكسبتها أهمية مُستحقة بجدارة لتضع دورها ووظيفتها في الخانة الصحيحة فنياً وواقعياً لأنها بالفعل الكائنات الأجمل الصالحة للركوب والزينة.