ولتحترقْ روما


سأعلّقُ راياتي
على جدارِ البيتِ الأخير،
وأتركُ للريحِ
ما تبقّى من أسماءِ الجهاتْ.
لم تعدْ للسماءِ
فسحةٌ آمنة؛
كلّما أسندتْ رأسَها
إلى كتفِ الأرض،
أيقظها الدمُ.
سأُغلقُ الأبوابَ،
لا خوفاً من الليل،
لكنّ النوافذَ
أضناها انتظارُ الذين لا يجيئون،
والمساءُ،
من فرطِ ما طالَ،
أنسى الصباحُ مفاتيحَ البيتْ.
سأطفئُ القمرَ المستعارَ،
وأُنصتُ
إلى حطبِ الروحِ
وهو يئنُّ تحتَ الرماد،
إلى أمّي
تتركُ قربَ النافذةِ رغيفاً
لمن تأخّروا في الطريقْ.
وإلى أبي،
يقلّبُ صمتَهُ
كأنّه يقلبُ أرضاً
أضاعتْ مواسمَها،
ويفتّشُ في قبضةِ الترابِ
عن حبّةِ قمحٍ
نجتْ من الحربْ.
وأنا،
أجمعُ ما تناثرَ منّي
في جهاتٍ لم أعُدْ أعرفُها،
وأخلعُ وجهي
كقميصٍ
عَلِقتْ بأكمامِهِ رائحةُ الموتى.
أمضي،
وخلفي مدينةٌ
تأكلُ مراياها،
وأمامي طريقٌ
لا يدلُّ عليَّ.
لا أعرفُ
إن كنتُ أمضي إلى اسمي
أم أعودُ منه،
ولا أيُّنا
كان يحملُ الآخرَ
كلَّ هذه السنواتْ.
هناك،
وراءَ البحار،
تلمّعُ روما وجهَ القيصرِ
في ماءِ النهر،
وتفتحُ حدائقَها
على شمسٍ
لا تبلغُها رائحةُ الحريقْ.
في قصرِها
ينامُ طفلٌ من الذهب،
يحلمُ بأنّ البلادَ حدائقُ،
وأنّ الدمَ لونٌ
عابرٌ في اللوحات،
وأنّ الحديدَ
زينةُ بابْ.
لا أحدَ يخبرُهُ
أنّ طفلاً بعيداً
ينامُ على حجر،
وأنّ أمّاً
تضمُّ الهواءَ إلى صدرِها
كي لا يبردَ الغائبون.
يا روما،
كم جثّةً يحتاجُ التاجُ
كي يستقيم؟
وكم سماءً
ينبغي أن تسقطَ
كي يظلَّ القصرُ
في مكانِه؟
كم مرّةً
ستغسلين يديكِ بماءِ النهر،
قبل أن يفضحَ الماءُ
ما علقَ بأصابعِكِ
من أسماء؟
احترقي،
لا لأنّ النارَ تطهّرُ العالم،
ولا لأنّ الرمادَ
يردُّ الذين ابتلعتْهم الأرض،
بل لأنّ المرايا
ضاقتْ بوجهِكِ،
ولأنّ التماثيلَ،
من فرطِ ارتفاعِها،
نسيتْ
أنّ الترابَ
أقدمُ من الرخامْ.
ولتسقطِ الثريّاتُ،
ولتخلعِ الشرفاتُ
أقنعتَها المضيئة،
ولتنكشفْ
تحتَ الذهبِ
يدٌ ملطّخةٌ
بدمِ الذين لم تريهم.
لكنْ،
لا تجعلوا الأطفالَ
وقوداً لهذا اللهيب.
دعوا في الجدارِ شقّاً
يتسرّبُ منه الصباح،
ودعوا لهم شمساً
لا يملكُها أحد،
ولا تُرفعُ فوقَها الأسوارْ.
أمّا أنا،
فسأجلسُ قربَ الذين أحبُّ،
وأصغي إلى البيتِ
وهو يقلّبُ أصواتَ الغائبين
في عتمتِه:
إلى كرسيٍّ فارغٍ
ما زال يحتفظُ
بانحناءةِ جسدٍ غاب،
إلى بابٍ مواربٍ
يُصغي إلى الخطوات،
إلى أمّي
تضعُ صحناً زائداً على المائدة،
ثمّ تسألُ الصمتَ
إن كان قد مرَّ أحدْ.
سأعلّقُ راياتي
على جدارِ البيتِ الأخير،
فما عادَ لي
غيرُ هذا الجدار،
وما يتسرّبُ منه
من دفءِ الذين أحبّ،
وهذه الأرضُ
تُخفي في شقوقِها
ما لا ينبغي للموتِ أن يراه.
لن أقولَ
إنّ الحبَّ يهزمُ النار،
أو إنّ الدعاءَ
يعيدُ الذين غابوا.
رأيتُ يداً
تزيحُ حجراً عن زهرة،
ورأيتُ جذراً
يشقُّ قلبَ الصخر.
وكان ذلك كافياً
لأعرفَ
أنّ ما ينجو من الحريق
ليس دائماً
ما يبقى فوقَ الأرضْ.
ولتحترقْ روما.
ثمّة أمٌّ
تخبّئُ أسماءَ أبنائِها
في رغيفٍ ساخن،
وثمّة طفلٌ
يرسمُ شمساً
على جدارٍ مهدّم،
وثمّة أرضٌ
تُغمضُ عينَيها
كي لا يرى القتلةُ
ما تدّخرُهُ في جذورِها.
ولتحترقْ روما،
لا كي ينتصرَ اللهيب،
بل كي تسقطَ الأقنعة،
ويخرجَ الأطفالُ
من ظلِّ القصورِ
إلى شمسٍ
لا يسألُ أحدٌ
عن اسمِ مالكِها.
وحينَ يخمدُ الحريق،
لن أبحثْ عن تاجٍ
نجا من السقوط،
ولا عن تمثالٍ
ظلَّ واقفاً
فوقَ أنقاضِه.
سأبحثُ عن يدٍ
لم تتعلّمْ حملَ السكين،
عن نافذةٍ
تفتحُها أمٌّ
على صباحٍ لا يخاف.
وسأعلّقُ راياتي
على جدارِ البيتِ الأخير،
ثمّ أزرعُ تحتَهُ شجرةْ.
*شاعر من فلسطين



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *